سرّ الفراشة البيضاء -4- رواية واقعية- تأليف- فرياد ابراهيم

 

 

اخبروهم

ستذهب حلبجة إلى بغداد قريباً

عن طريق غزلان سهول “شيروانه”

حاملة معها سلة من الغيوم البيضاء

وخمسة آلاف فراشة

-شيركو بيكه س-

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

 

نام زكي ولم يستيقظ الا في وقت متأخر في صباح اليوم التالي فوجدت الطفلة نائمة الى جانبه. ولم تذهب الى المدرسة. نهض بهدوء يبحث عن ربة البيت وظنها ذاهبة الى المدرسة فقد سمعها تقول انها معلمة مدرسة. فلم يجدها في اي مكان. عادت الى الغرفة يتأمل وجه الطفلة التي غطتها امها في غياهب الليل بغطاء سميك.

كانت متكومة على نفسها في الصباح البارد الربيعي. فانحنى وسحب الغطاء بكل هدوء فوق ظهرها الذي انكشف الى نصفه. نظر من النافذة الصغيرة الى الحديقة حيث شجرة التوت المورقة والدجاج والمعزة الثنائية اللون :اسود ابيض كالحياة بحلوها ومرها.

لم يدم انتظاره طويلا فسرعان ما سمع الباب يفتح وتدخل زينب بصحبة رجل هرم اشيب.

دخلا ووقفا عند الباب خشية ان تستيقظ الطفلة فتفسد كل شئ. اشارت اليه سيدة البيت من فتحة الباب التوجه الى الغرفة المقابلة حيث كان الرجل في انتظاره. مد الرجل يده اليه وشد على يده بحرارة مقدما نفسه:

” اسمي أمين ، عم امين معروف بلقب أمين لاسلكي وأمين بريد و أمين تلفونات.”

وبابتسامة متكلفة قدم زكي نفسه اليه قائلا:” زكي، دكتور زكي، اتشرف بمعرفتك.”

في تلك اللحظة اندفعت مريم الصغيرة الى الغرفة وهي تلتفت يمنة ويسرة ملتاعة يبحث عن الضيف-الأب رغما عنه، وحين رأته عادت البسمة الة شفتيها الرقيتين ولم تنطق حرفا. اشارت اليها امها ان تعود الى الغرفة لحين ينتهي حديثها مع الرجلين.

ثم قبل ان تتحرك الصغيرة نبهتها بالقول:” إن سألك احد من هذا في البيت قولي انه خالي زكي. اعيدي اسمه هيا من هو؟”

“خالو زكي.” رددت بعد تريث وتردد.” ثم عادت تقول وهي تلوي شفتيها بامتعاض:” ولكنه هو أبي رشيد.”

“في داخل البيت وبس اما في خارج البيت فهو خالو زكي، حسنا؟ إياك أن تنسين. والا سيرحل مرة أخرى من هنا.” كان الانذار الاخيرة من الأم كفيلا بإسكات الطفلة التي عادت الى غرفة الجلوس تنتظر بهدوء وترقب.

لم تدم المحادثات طويلا. اتفقوا على ان يقوم عم امين بمساعدة زكي على الوصول بسلامة الى الحدود.

وبعدها غادرعم امين البيت مسرعا بعد ان صافح زكي قائلا له:”سأراك قريبا.”

حينها تقدمت الصغيرة مريم اليه وأمسكت بيده :”هيا بابا نخرج في نزهة، انت في البيت بابا رشيد وفي الخارج خالو زكي.”

تبادل زكي نظرات حائرة مع زينب نظرات تخفي ورائها ابتسامة كالحة، ثم انطلق مع الصغيرة مودعا اياها بلطف. زينب التي القت في نفسه الطمأنينة والرجاء والهدوء باسلوبها اللطيف ورقتها. يا لها من امرأة عظيمة! غمغم في نفسه لدى الباب. ومن هناك سمع صوتها تناديهما. لوحت اليه بالانتظار. دخلت البيت وعادت تمسك بيدها شفرة حلاقة وقالت له:

” كي تكون حقا زكي فعليك اولا حلاقة ذقنك.”

وفي غرفة الجلوس ناولته الموس وجلبت له الماء المغلي وصابون الحلاقة ووضعت كل ذلك على الحافة العريضة للنافذة، وجلبت له مرآة صغيرة، وأدوات حلاقة قديمة تعود لعصر رشيد. بعد أن انتهى من عمله استدار ليريهما وجهه الجديد. انبهرت زينب واندهشت ابنتها للوجه الجديد وحملقت عابسة في الوجه الاملس امامها، و بدرت منها حركة رافضة،  لكن سرعان ما هدأت تحت وعود ووعيد امها.”حبيبتي انه بهذا الوجه الجديد يستطيع الخروج معك والا فلن يستطيع.” لم تفهم شيئا ورغم ذلك ارتسمت ابتسامة على وجهها الدقيق ، يحدوها الأمل بوجود مغريات في الطريق.

سارا معا على الطريق ويدها في يده تطير كالفراشة ، رفعت رأسها إليه متسائلة مبتسمة.

“هل تشتري لي حقيبة وردية، بابا رشيد؟”

“هشششش.” حذرها واضعا سبابته بصورة عمودية بين شفتيه ومائلا إليها بوجه منقبض. ثم أغراها بالقول: “ساشتري لك حقيبة وحذاء وملابس جديدة بشرط ان تناديني بخالو زكي.”

“خالو زكي.”  نطقتها بسخرية مبطنة.

كانت الشمس تنشر اشعتها الذهبية فوق البساط الاخضر الممتد على طول سفوح الجبال والوديان. كان الربيع قد انتشر في كل مكان وكسا الأرض رداؤه المرقش فالحقول قد هاجت بالأزهار على اختلاف أنواعها وألوانها والأشجار ارتدت حلة من الأوراق الفتية والطيور خرجت ترنم أناشيد الفرح بقدوم فصل الجمال والطبيعة كلها بهجة ومرح كأنها في عرس. وبدأت البلدة  تتحرك. الفلاحون وأدواتهم فوق ظهورهم مترجلين أو ممتطين ظهور دوابهم،  والرعاة مع قطعانهم. ثغاء الخرفان يملأ الفضاء صخبا ضجيجا والاغبرة تتصاعد تحت حوافرها. وثمة نسوة يحملن كيزان الماء فوق اكتفاهن في سيرهن السرمدي باتجاه نبع البلدة ،  ضجيهن وضحكاتهن المجلجلة وصخبهن ولغطهن يملأ المكان. بينما عيون صديقات وزميلات المدرسة لمريم الصغيرة تتابعهما في كل ركن وزاوية. تذكر زكي للتو ان اليوم كان عطلة رسمية. وكلما واجهتهما احدى زميلاتها في الطريق برزت صدرها قائلة لها بافتخار: ” هذا خالو زكي ، دكتور جاء من المدينة.”

ثمة فراشة بيضاء ترفرف بمحاذاتها وهي بفستانها الأبيض وخفتها أشبه بفراشة بيضاء. تحولت مشيته الى شبه هرولة إزائها. ارته المدرسة والمسجد والنبع وآثار نيران الاحتفال وذكرت اسماء الجبال المحيطة بالبلدة، ودائرة البريد ومركز بلدية البلدة واماكن أخرى. وبعد هذه الجولة التفقدية السريعة سارا عائدين الى البيت حيث كانت زينب في انتظارهها بأحر من الجمر.

*

فرياد

 

يتبع——-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *