أمام محطات الوقود، تقف مئات المركبات في طوابير طويلة، ينتظر أصحابها دورهم لملء خزاناتها بالوقود، وكأن مشهد الانتظار أصبح فصلًا متكررًا من فصول الحياة اليومية. أزمة تتجدد، وأخرى سبقتها، وبين هذه وتلك يبقى المواطن هو مَن يدفع الثمن، بينما لا تزال الحلول الجذرية غائبة عن المشهد.
وليس الوقود وحده ما يثقل كاهل المواطن؛ فهناك أزمات أخرى تتراكم فوق بعضها، في مقدمتها الكهرباء الوطنية، وشُحّ المياه الصالحة للشرب وتلوثها، وارتفاع أجور المولدات الأهلية من دون رقيب، حتى أصبحت هذه الأزمات المتواصلة عبئًا يُضاف إلى أعباء الحياة، وعائقًا أمام تقدم البلد واستقراره.
غير أن أزمة الوقود تبقى ذات خصوصية مختلفة؛ فهي لا تمس جانبًا واحدًا من حياة المواطن، بل تمتد إلى تفاصيل يومه كلها. فالوقود عصب من أعصاب الحياة اليومية؛ منه مصدر رزق العامل، وبه تصل لقمة العيش إلى أسرته، وعليه يعتمد الموظف والعامل وسائق الأجرة، كما تعتمد عليه حركة النقل التجاري بين المحافظات، ومنها إلى دول العالم.
وهنا يبرز سؤال لا ينبغي أن يمر مرور الكرام:
كيف لبلد عظيم كالعراق، يطفو على بحيرة واسعة من النفط، أن يقف مواطنوه في طوابير طويلة بحثًا عن الوقود؟
إنه سؤال يضعنا أمام حقيقة مؤلمة؛ فالعراق غني بثرواته، عميق بتاريخه، عظيم بمجده، ولا ينبغي لأزمة في المشتقات النفطية أن تربك حياته، أو تعطل حركة العمل والإنتاج فيه.
إن الدولة مسؤولة عن معالجة هذا الخلل، وعليها أن تفعّل أدواتها وإمكاناتها البشرية والفنية، وأن تستثمر علاقاتها الدولية والإقليمية والعربية بما يخدم مصلحة الوطن، كما أن تفعيل المصافي المنتشرة في أنحاء العراق وتطويرها، وزيادة طاقاتها الإنتاجية، من شأنه أن يسهم في توفير خزين كافٍ من المشتقات النفطية، ويحد من تكرار الأزمات.
ومن الحلول التي نقترحها على المعنيين في وزارة النفط، فتح باب استيراد الوقود أمام القطاع الأهلي، ليكون منافسًا شريفًا للدولة في توفير هذا المنتج، وفق رؤية واضحة وضوابط وقوانين تضعها الدولة، وبما يضمن بقاء هذا النشاط تحت مظلتها ورقابتها ومتابعتها.
فالتنافس المنظم، إذا خضع للقانون والرقابة، يمكن أن يكون وسيلة لزيادة المعروض، والحد من الاحتكار، وضمان وصول الوقود إلى المواطن بصورة أكثر استقرارًا، بدل أن يبقى أسير أزمة تتكرر كلما اضطرب السوق أو تعثر الاستيراد.
إن ما نحتاج إليه اليوم ليس حلولًا مؤقتة تُطفئ لهيب الأزمة أيامًا، ثم تعود المشكلة من جديد، وإنما نحتاج إلى حلول جذرية مستدامة، تقوم على التخطيط السليم، وحسن الإدارة، والاستفادة من ثروات العراق وإمكاناته الكبيرة.
فالثروة التي تحت الأرض لا ينبغي أن تبقى مجرد أرقام في التقارير، بل يجب أن تتحول إلى كهرباء مستقرة، وماء صالح للشرب، ووقود متوافر، وخدمات تحفظ للمواطن كرامته، وتمنحه حقه في حياة آمنة ومستقرة.
كلمة أخيرة
العراق ليس فقيرًا حتى يقف أبناؤه في طوابير الانتظار، وليس عاجزًا حتى تتكرر أزماته بلا حلول. إنما هو وطن غني، أودع الله في أرضه ثروات هائلة، وينتظر من أبنائه أن يحسنوا إدارتها، ومن المسؤولين أن يجعلوا هذه الثروات نعمة في حياة المواطن، لا رقمًا في خزائن الدولة.
فالنفط ثروة، لكن حسن إدارة الثروة هو الثروة الحقيقية؛ وحين تتوافر الإرادة الصادقة، لا ينبغي أن تقف أزمة الوقود حائلًا بين المواطن وحقه في حياة كريمة

