اخبروهم
ستذهب حلبجة إلى بغداد قريباً
عن طريق غزلان سهول “شيروانه”
حاملة معها سلة من الغيوم البيضاء
وخمسة آلاف فراشة
-شيركو بيكه س-
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&
6
عندما بدأت شمس الصباح تستيقظ من نومها وعلت في السماء فاردة أشرعة نورها ، نهض زكي على صوت مريم الرقيق ويدها تدغدغ صدره. فتح عينيه بفزع. فقد رأى كوابيسا في منامه في الليلة الفائتة. نظر اليها فوجدها تبكي بحرقة وصمت وهي في ملابس المدرسة. قالت له شاكية:
“امي تقول انك لست أبي.”
وتواصلت بكاءها المريروهددت بإمتناعها عن الذهاب الى المدرسة.
عيون الام وهي في ملابس المدرسة ، الزي الموحد، غرزت رموشها كالسهم الحاد في عيون ابنتها المحمرة الدامعة. كانت في غاية من الهيجان والغضب. وقد استسلمت لليأس او كادت تحت عناد ابنتها واصرارها. فقد قامت زينب مبكرا وايقظت ابنتها وبدلت ملابسها وحين قالت مريم لها: “سأخبر أبي قبل ان نخرج.” ردت عليها الأم:”لكنك يجب ان تعلمي انه ليس ابيك ولا تشغلي فكرك بهذا الأمر والا ستنتظرنا مشاكل جمة؟”
“لن اخرج معك.” أصرت الطفلة وهي تلتصق به وبقوة خشية ان تؤخذها امها بالقوة. جلس زكي ملتحفا بالبطانية. شعر بحيرة وحزن وخجل. خجل مما جلبه على الاسرة الهادئة من قلائل ومشاكل.
“ماذا أفعل يا ربي.” قالت زينب واستدارت وصوبت نظراتها القلقة الى عينيه المتعبتين المنتفختي الاجفان بعد ليلة ليلاء. كانت في مقتبل شبابها في ربيعها العشرين فائقة الجمال شعرها أسود فاحم عيناها حوراوان تنافسان عيون بقر الوحش، ممشوقة القوام وجهها بدر التمّ يتوهج في ليلة بلانجوم ، في خفة حركاتها ونظراتها الخمرية تحت رموشها السوداء الطويلة حول عينيها الغزاليتين ضارعت إحدى حوريات الجنان جمالا.
توقع بأنها ستصب سيلا من الملامة على رأسه. لم تفعل وبدلا اقتربت من ابنتها وانحنت حتى لامس وجهها وجهها وقالت لها بهدوء وهي تشير الى زكي:”حسنا فلنعتبره ابوك..هيا..”
“قولي هكذا من الاول، انه أبي، بابا رشيد وحلق لحيته كي لا يتعرف عليه الناس وسمى نفسه زكي.”
صمتت لبرهة ثم عادت تقول بامتعاض:”ولماذا يخفي اسمه؟هل يخاف؟ وممن؟”
“انت لا زلت طفلة لا تفهمين امورا تخص الكبار.”
“كما تشائين،” ردت الطفلة باستسلام. فامسكت الام بيدها تسحبها بهدوء الى فوق ثم عادتا وهي تمسك بحقيبتها المدرسية الوردية المنتفخة بالقرطاسية. بدت في وجهه مريما آخر في سترتها الزرقاء فوق فستانها الرمادي وحذائها الابيض وشعرها الفاحم الذي صففته امها على شكل ضفيرتين معقوصتين على هيئة ذيل حصان تصلان اسفل ظهرها، وحقيبتها وهي تلقي عليها نظرة خاطفة كلما خطت خطوة الى امام.
وأخيرا وبعد تباطئ ودعتاه ببسمات حلوة ثم انطلقتا وتركوه في بحر من الحيرة ولجة من الافكار المتشابكة.
حين عادتا عند الظهيرة قضوا بقية النهار تحت شجرة التوت يشربون الشاي مع الكعك اللذيذ التي صنعتها الطاهية الممتازة زينب. ولم تمض دقيقة حتى نهضت مريم وانطلقت ترقص وتدور بمرح حول الشجرة وبيدها حقيبتها الوردية التي اودعت فيها كتبها واقلامها ورسوماتها ودماها. وبعد ان نال منها التعب عادت الى الطاولة واخبرته كم كانت صديقتها صافية سعيدة بحقيبتها الوردية وكيف كانت تريها لزميلاتها وتقول انها هدية من خال مريم.
في تلك الليلة نامت الطفلة كالليلة السابقة الى جانبه. وحملتها امها الى فوق بعد ان القت عليه نفس النظرات الغامضة كما في الليلة السابقة. ونام نوما هادئا لكنه استيقظ في منتصف الليل على صوت زينب التي اندست في فراشه وهي تلهث ضاغطة بخصرها هلى خصره وتقوم بحركات مكوكية خفيفة. همست في اذنه ولهيب نفسها يلدغ اذنه وبثت شكواها:
“منذ ستة سنوات لم ينم في فراشي رجل. انا شابة ارملة احتاج الى رجل ككل النساء. لكنني فضلت البقاء ارملة على الزواج من رجل قد يسئ الى ابنتي الوحيدة.” ولم يملك الا تلبية ندائها، شاب ظامئ استجاب لرغباتها ورغباته. وحقيقة كان زكي مليح الطلعة ساحر الحسن خفيف الروح حلو الكلام دمث الأخلاق حميد الصفات.
وما هي الا ثواني حتى ارتفع لهاثها اكثر فأكثر حتى خاف انها ستوقظ الطفلة.
في الصباح الباكر ، عندما استيقظ على صياح أذان الفجر والديكة، وجد نفسه راقدا في الظلام المحدق بين الام والطفلة وهما تغطان في نوم عميق.
ولكن لم يكن هذا كل شيء ، فقد كانت صور ورائحة ومغامرة الليلة الماضية لا تزال مرئية محسوسة مسموعة. فرك عينيه بكسل، لم يقوَ على النهوض. كانت شرسة في ممارسة الجنس هائجة مفترسة. آثار عظاتها تركت ساعات لحمية فوق صدره وعنقه وظهره وفخذه.
فجأة فتحت زينب عينيها اللتين لمعتا كعيني القطة البريّة في الظلام.
“سامحني زكي.” قالت بهمس وخمول وخدر وبحة في صوتها. ثم عادت الى النوم وصعد شخيرها الناعم للفور.
والقى هو طرف اللحاف فوق عينيه. وتاه في بحر من التأويلات والتكهنات.
*
فرياد
يتبع——-

