مستقبل أيران بين فكي الحصار- بقلم صبيح الكعبي

تجد الجمهورية الإيرانية نفسها اليوم أمام واحدة من أعقد الاختبارات المصيرية في تاريخها الحديث، حيث لا يهدف الحصار الأمريكي الجوي والبحري الراهن إلى تعديل سلوك النظام فحسب، بل يعمل كأداة هندسة جيوسياسية طويلة المدى تهدف إلى إحداث تغيير بنيوي عميق في مستقبل البلاد على الصعد السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.على الصعيد الاقتصادي، يتجه المشهد نحو “مرحلة الانكماش القاتل”؛ فمع تشديد الخناق على أسطول الظل النفطي وشل حركة الملاحة الجوية، تقترب إيران من خسارة آخر مصادر نقدها الأجنبي. هذا الواقع سيقود مستويات التضخم الحالية المرتفعة إلى انفجار سعري غير مسبوق، يُفقد الريال الإيراني ما تبقى من قيمته الشرائية. ومع غياب الحلول المالية، ستتحول ميزانية الدولة إلى ميزانية طوارئ تقتصر على تأمين الحد الأدنى من الغذاء والرواتب، مما يعني توقف التنمية كلياً وتحول الاقتصاد إلى نموذج “اقتصاد البقاء المعزول” الذي يفتقر لأي أفق استثماري.هذا الاختناق الاقتصادي يفرز تداعيات شعبية واجتماعية بالغة الحساسية، حيث تتسع الفجوة بين الطبقة الحاكمة والشارع الإيراني المثقل بالأعباء. ومن المتوقع أن يؤدي تآكل الطبقة الوسطى وانعدام الأمن الغذائي إلى ولادة موجات جديدة من الاحتجاجات الشعبية، لكنها هذه المرة ستكون مدفوعة بمطالب معيشية بحتة وعابرة للمدن والقوميات. ورغم أن القبضة الأمنية قد تنجح في احتواء هذه الهبات مؤقتاً، إلا أن حالة “الاحتقان الصامت” ستتحول إلى قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار الداخلي، وتزيد من معدلات الهجرة النخبوية والشبابية نحو الخارج. أما على المستوى السياسي وصناعة القرار، فإن هذا الضغط الخارجي والاضطراب الداخلي يدفع بالبلاد نحو سيناريوهين مرجحين؛ الأول هو سيناريو “الانكفاء والتشدد”، وفيه يحكم الحرس الثوري قبضته الكاملة على مفاصل الدولة مستغلاً حالة الحصار لتصفية ما تبقى من التيارات الإصلاحية، والذهاب نحو تصعيد عسكري إقليمي عبر الحلفاء لرفع كلفة الحصار على واشنطن وحلفائها. أما السيناريو الثاني، فهو سيناريو “الواقعية الاضطرارية”، حيث تندفع الدولة، تحت وطأة التهديد بالانهيار الشامل، نحو إيجاد “تسوية كبرى” أو صفقة تفاوضية سريعة تقدم تنازلات جوهرية في ملفات النفوذ الإقليمي والبرنامج النووي مقابل فك الحصار المالي. في المحصلة، فإن مستقبل إيران لم يعد يحتمل الحلول الرمادية؛ فإما الذهاب نحو مواجهة شاملة يدفع ثمنها الداخل وتنعكس شرارتها على الجوار، أو الانحناء للعاصفة الاقتصادية والقبول بصيغة تفاوضية جديدة تعيد تشكيل دور إيران الإقليمي وحجم اقتصادها في النظام الدولي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *