على خطى مؤتمرات القمة العربية
في السياسة، ليست كل المؤتمرات تُولد لتصنع التاريخ. بعضُها يولد ليؤكد ما هو موجود، وبعضها ليبحث عما يمكن أن يكون، وبعضها الآخر ينتهي قبل أن تبدأ نتائجه.
لكن عندما يجتمع أكثر من أربعمئة شخصية كردية في مؤتمر واحد، فهذا رقم لا يمكن المرور عليه وكأنه تفصيل عابر. فالأرقام في السياسة ليست دائماً مجرد أرقام، بل قد تكون رسالة بحد ذاتها.
مؤتمر قامشلو عام 2025 كان، من هذه الزاوية، حدثاً يستحق التوقف عنده. ليس فقط بسبب عدد المشاركين، وإنما لأن القضية الكردية تحتاج، قبل أي شيء آخر، إلى رؤية سياسية مشتركة تستطيع أن تتحدث باسم أصحابها، لا إلى أصوات كثيرة تتحدث في اتجاهات متناقضة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالاجتماع الكبير جميل في الصور، والقاعة الممتلئة تمنح شعوراً بالقوة، والبيانات الختامية قد تكون مليئة بالمفردات الكبيرة. لكن السياسة لا تُقاس بعدد الكراسي المشغولة، ولا بعدد الصور، ولا بطول البيان الختامي. السياسة تُقاس بما تستطيع الجماعة أن تفعله عندما تجلس أمام طرف آخر يمتلك قراراً ومؤسسات وأوراق قوة.
وهنا ربما نحتاج إلى شيء من الصراحة، حتى لو كانت الصراحة مثل الحصى في المياه الراكدة.
الكرد لا تنقصهم القضية، ولا تنقصهم الجغرافيا، ولا التاريخ، ولا عدد أصحاب الكفاءات. وما ينقصهم، في كثير من الأحيان، هو القدرة على تحويل هذه العناصر إلى قوة سياسية متماسكة.
فحين تتعدد الأحزاب والتيارات والمرجعيات، يصبح لكل طرف حساباته الخاصة، وقد تتحول القضية العامة إلى مجموعة من القضايا الصغيرة، وكل طرف يرى أن مفتاح الحل موجود في جيبه.
وهنا تبرز مشكلة قديمة لا تحتاج إلى كثير من الشرح: الشخصنة.
عندما يصبح السياسي أهم من المؤسسة، والحزب أهم من القضية، والرأي الشخصي أهم من المصلحة العامة، يصبح الوصول إلى موقف مشترك أصعب من الوصول إلى اتفاق بين مؤتمرات القمة العربية، التي طالما عرفت كيف تجتمع، وكيف تختلف، وكيف تصدر بياناً ختامياً يظل أحياناً أكثر تماسكاً من واقعها السياسي!
ولعل الفرق بيننا وبين تلك المؤتمرات أن الكرد لا يملكون ترف الاختلاف إلى ما لا نهاية.
فالمنطقة تتغير، والتحالفات تتبدل، والمصالح الدولية لا تنتظر أحداً. وما كان ممكناً بالأمس قد لا يكون متاحاً غداً. لذلك فإن امتلاك قضية عادلة لا يعني تلقائياً امتلاك القدرة على تحقيقها.
وهنا أعود إلى صورة المؤتمر الكبير في قامشلو.
أكثر من أربعمئة شخصية اجتمعت، وهذا بحد ذاته يمكن أن يكون بداية مهمة، لكن البداية تحتاج إلى ما بعدها: رؤية واضحة، وأولويات محددة، ووفد سياسي موحد، وخطاب يستطيع أن يخاطب دمشق والعالم من موقع أصحاب القضية، لا من موقع المتنافسين عليها.
فالاختلاف في الرأي طبيعي، بل ضروري. لكن تحويل الاختلاف إلى انقسام دائم ليس ديمقراطية، وتحويل التعدد إلى خصومة سياسية ليس قوة.
نحن بحاجة إلى وحدة سياسية لا تشبه «وحدة الأمطار الموسمية»؛ تظهر عندما تشتد العاصفة، ثم تختفي عندما تشرق الشمس.
وبحاجة أيضاً إلى تجاوز ما يمكن تسميته، بشيء من المشاغبة، «روح المريدية» في السياسة؛ حيث يصبح الدفاع عن الزعيم أو الحزب أهم من الدفاع عن الفكرة، وكأن نقد السياسي خيانة، ومراجعة القرار خروج عن الجماعة.
السياسة ليست طقساً دينياً، والسياسي ليس شيخ طريقة.
ولذلك فإن المطلوب ليس أن يتفق الجميع على كل شيء، فهذا غير واقعي، وإنما أن يتفقوا على الحد الأدنى الذي لا يجوز التفريط به، وأن يختلفوا بعد ذلك كما يشاؤون.
فالحقوق الدستورية، والاعتراف بالهوية واللغة، وضمان المشاركة السياسية، وبناء دولة سورية لجميع مواطنيها، ليست ملكاً لحزب أو شخص أو جهة واحدة. إنها قضايا تتجاوز الأسماء والمراحل والظروف.
والأهم أن تكون هناك آلية واضحة لاتخاذ القرار السياسي، حتى لا تتحول كل أزمة إلى مؤتمر جديد، وكل مؤتمر إلى لجنة، وكل لجنة إلى بيان، ثم نعود إلى نقطة البداية.
قد يقول البعض إن السياسة تحتاج إلى الواقعية، وهذا صحيح. لكنها تحتاج أيضاً إلى معرفة أين تكمن القوة الحقيقية.
والقوة ليست في كثرة الأصوات المتفرقة، بل في القدرة على جمعها حول هدف واضح.
فالبركان، مهما كان صاخباً، إذا لم يعرف إلى أين يقذف حممه، فقد لا يلد جملاً… ولا حتى فأراً سياسياً.
المشكلة إذاً ليست في قلة الكرد، ولا في غياب قضيتهم، ولا في ندرة الكفاءات. المشكلة في تحويل كل هذه العناصر إلى مشروع سياسي قادر على الاستمرار، والتفاوض، والصمود.
ولذلك فإن مؤتمر يضم أكثر من أربعمئة شخصية لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة لتبادل التحيات والتقاط الصور، بل فرصة لاختبار سؤال أكثر أهمية:
هل نستطيع أن نختلف داخل إطار واحد، أم أن كل اختلاف سيقودنا مرة أخرى إلى أكثر من موقف، وأكثر من وفد، وأكثر من خطاب؟
في السياسة، لا أحد يمنح القوة لمن لا يستطيع تنظيمها.
والعالم لا يتعامل مع حجم المظلومية وحده، بل ينظر أيضاً إلى القدرة على تمثيلها، وتنظيمها، وتحويلها إلى مطالب واضحة قابلة للدفاع عنها.
ولهذا، فإن الطريق لا يبدأ من البحث عن زعيم جديد، ولا عن حزب جديد، بل من بناء قواعد سياسية جديدة تجعل القضية أكبر من الأشخاص، والمؤسسة أقوى من الفرد، والمصلحة العامة أوسع من الحسابات الحزبية.
فالسياسة تعترف بالأقوياء… لكنها لا تكافئ المتفرقين.
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

