الاجابة الذكية بين الوطن والتكامل العقائدي – عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

 ان المقارنة بين الوطن والعقيدة تضيع فيها المعاني لانهما ليسا نقيضين بل العكس تكامل وتناغم في الغالب؛ فالإسلام يعتبر حب الوطن جزءاً من الانتماء الوجداني والإيماني و لا يمكن الابتعاد عن العقيدة والالتجاء الى الوطن لوحدة لأنهما احدهما يكمل الاخر ولا يمكن اختيار احدهما دون الاخر،فالعقيدة تلهم الإنسان المبادئ أما الوطن فهو الانتماء ولا يلغي احدهما الاخر.

كثيرا ما يتم السؤال “الوطن أم العقيدة؟ ،وهو  قائم على مقارنةٍ لا معنى لها؛ لان الوطن والعقيدة ليسا نقيضين حتى أختار أحدهما وأتخلى عن الآخر، في خضم جدل جديد طرح في هذه الأيام ، برزَ سؤالٌ محدّد أثارَ جلَبة من المواقف الساخطة والداعمة: العقيدة أم الوطن؟. عدّ البعض السؤال فخاً، ورأى آخرون في الأمر تمثيلية متفقٌ عليها بين المقدّمة والضيفة، فيما “أشاد آخرون بما وصفه البعض بـ”عبقرية الإجابة” التي ساوت بين الوطن والعقيدة وأنهما مثل عينَين لا غنى للمرء عن إحداهما، ” انا من الناس الذين يقولون بانها مسرحية جديدة طرحتها احدى القنوات الفضائية كانت اظن انها غير موفقة  “اريد من خلاله الاثارة فقط لا غيرها” فيما قالتها الفنانة القديرة الذكية الاء حسين و وقفت هذه المرأة موقفاً يعجز عن مثله الكثير من الآخرون”هذه عين وهذه العين الاخرى” «العقيدة وحب الوطن » مما أثار البعض مشككاً في وطنيّتها والحقيقة أن العقيدة تمنح الإنسان مبادئه، والوطن يمنحه انتمائه وجذوره ، هذا يكمل ذاك، ولا يلغيه ، فكيف يمكن لاي إنسان  ان يختار أحدهما دون الآخر  بين الأرض التي ينتمي  إليها، والمبادئ التي يؤمن بها، وكأن الوفاء لأحدهما يستوجب الخيانة للآخر؟ علينا لا نضع احدهما امام الاخر، بل أرى ان الإيمان الصادق والعقيدة الصادقة دافعًا لحماية الوطن وحبه مساحةً نمارس فيها قيمنا ومبادئنا. فلماذا نبحث عن صراعٍ بين شيئين يمكن أن يجتمعا في قلب إنسان واحد؟ ولماذا نحول ما يفترض أن يبني الإنسان إلى معركةٍ تنزقه؟ الوطن والعقيدة ليسا خيارين على طاولة مفاوضات؛ إنهما ركنان من هوية الإنسان، ولا يكتمل المعنى بإنكار أحدهما لصالح الآخر.

قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]هذه هي الحقيقة التي أراد الله أن تكون هي الوطن الحقيقي. ليس الوطن الذي يرسمه الاعداء، ولا الوطن الذي يحدده جواز سفر،

 إن تقديم العقيدة على الوطن لا يعني الدعوة إلى كراهية الأوطان أو التخلي عنها، فالإسلام لا ينظر إلى حب الأرض باعتباره أمراً مذموماً، بل إن سيرة النبي محمد صل الله عليه واله وسلم تقدم أبلغ مثال على عمق ارتباط الانسان بالارض، وكذلك هجرة النبي محمد صل الله عليه و اله وسلم من مكة إلى المدينة، فقد غادر الأرض التي نشأ فيها وأحبها، حفظاً على الرسالة وتمكيناً للدعوة الإسلامية وهذه المواقف التاريخية تؤكد أن الأرض ليست أعلى من الرسالة، وأن الانتماء الحقيقي لا يمكن أن يُقاس بالبقاء الجغرافي وحده، وإنما يُقاس أيضاً بالثبات على المبادئ والقيم، وإذا أصبح البقاء فيه مشروطاً بالتخلي عن العقيدة، فإن الأولوية الشرعية تنتقل إلى حماية الإيمان، بحسب الاستطاعة والظروف والأحكام التي اقراها ديننا وهي ليست دعوة إلى تفكيك المجتمعات أو إضعاف الدول، بل هو تأكيد على أن قوة الأوطان الحقيقية تنبع من احترام الإنسان وحقوقه ومعتقداته.
ولا شك يمكن ان الارض يغيرها النسان اما العقيدة  تبقى والرسول الكريم في حب مكة يقول” وَاللَّهِ إنَّكِ لخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ”

إن الوطن له حرمته والعقيدة لها حرمتها، ولا ينبغي التفريط في حرمة أي منهما، مع إقرارنا بأن حرمة العقيدة أجل وأعظم، ونتمنى أن نرى اليوم الذي ترفل فيه بلادنا بنعمة الأمن والإيمان والصحة والعافية، يهاجر إليها الناس بدلاً من أن يهاجروا منها، ويلتمسون فيها الرزق بدلاً من أن يلتمسوه في غيرها، ولا يكون ذلك إلا عندما تكون أوطاننا محكاً لحقوق الإنسان، عزاً لمواطنيها، متقبلة للإبداع والتغيير، بعيدة عن الجمود والانغلاق.

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *