ليس كل ما يجمع الناس يصنع وطناً ،
ولا كل ما يوحّد الجغرافيا يؤسس لدولة متماسكة .
الوطن ليس مجرد مساحة أرض تحددها الخرائط ، ولا مجموعة مؤسسات تفرض سلطتها على السكان ، بل هو قبل كل شيء عقد اجتماعي وسياسي يقوم على الاعتراف المتبادل ، والمسؤولية المشتركة والشعور بالانتماء ، والمشاركة الحقيقية في صياغة المستقبل المشترك .
وهنا بالتحديد تبرز إحدى أعمق الإشكاليات في فلسفة الدولة الحديثة :
عندما تحاول السلطة في مجتمع متعدد القوميات والثقافات واللغات أن تتعامل معه باعتباره مجتمعاً متجانساً يحمل هوية أحادية .
ما يجب معرفته هو إن الفارق الحاسم والجوهري هو بين وحدةٍ قائمة على الاعتراف بالتنوع ، ووحدةٍ قسرية تسعى لفرض التشابه تحت شعار «الوحدة الوطنية» .
في الفلسفة السياسية ، لا تُقاس قوة الدولة بقدرتها على جعل مواطنيها متشابهين ، بل بقدرتها على تنظيم اختلافاتهم ضمن إطار دستوري وقانوني يضمن المساواة والحقوق . وقد أشار الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور إلى أن تجاهل الهويات أو إنكارها لا يمثل موقفاً محايداً ، بل يتحول غالباً إلى شكل من أشكال الإقصاء والتهميش ؛ كما أن الإنسان ليس مجرد رقم في سجلات الدولة ، بل هو كائن يحمل لغة وثقافة وذاكرة تشكل الجوهر الحقيقي لهويته .
من هنا ومن هذا المنطلق ، فإن الاعتراف بالتعدد لا يعني أبداً تفكيك الدولة أو إضعاف وحدتها ، كما يحاول الخطاب السياسي الأحادي تصويره ، بل هو المدخل الحقيقي لتعزيز استقرارها . والمشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود هويات متعددة داخل المجتمع ، وإنما في غياب صيغة سياسية وعقد دستوري عادل يستوعب هذا التنوع .
ولعل الخلط بين وحدة الدولة ووحدة الهوية من أكثر الأخطاء التي ألحقت الضرر بالتجارب السياسية ؛ فالدولة قادرة على أن تكون واحدة في مؤسساتها ودستورها وسيادتها ، دون أن يكون مجتمعها نسخة ثقافية واحدة .
بل إن الإصرار على فرض هوية أحادية يحول الانتماء الوطني من مساحة جامعة ودافئة إلى مصدر دائم للتوتر والانقسام .
وفي هذا السياق ، تكتسب المواطنة المتساوية معناها الحقيقي ؛ فهي لا تُشترط بالتخلي عن اللغة الأم أو الذاكرة القومية أو الخصوصية الثقافية . ولا يمكن الحديث عن مساواة حقيقية إذا كان بعض المواطنين مضطرين لإخفاء هوياتهم كي يحصلوا على الاعتراف الكامل بحقوقهم .
إن العدالة السياسية لا تعني منح الحقوق على الورق فحسب ، بل تقتضي إزالة العوائق التي تحول دون ممارستها فعلياً ، مما يجعل الاعتراف بالتنوع جزءاً لا يتجزأ من العدالة الدستورية .
وعند الانتقال من الإطار النظري إلى الواقع السوري ، تكتسب هذه الإشكالية بُعداً وجودياً ومُلزماً . فسوريا ليست مجتمعاً أحادي الهوية، بل فضاء تاريخي واجتماعي غني بتعدد قومياته وثقافاته وأديانه ومذاهبه. والكرد والعرب والسريان والآشوريون والتركمان وغيرهم ليسوا طارئين على جغرافيتها، بل هم أركان أساسية في تكوينها التاريخي والاجتماعي.
بناءً على ذلك، فإن بناء سوريا الجديدة لا يمكن أن يقوم على إعادة إنتاج النماذج السياسية السابقة التي تعاملت مع التنوع باعتباره “تهديداً ينبغي تذويبه”، بل باعتباره حقيقة وطنية ينبغي مأسستها دستورياً .
إن الاعتراف باللغة الكردية ، وصون الحقوق القومية والثقافية ، وضمان المشاركة السياسية المتكافئة ، لا تتعارض مع وحدة سوريا ؛ بل هي الشروط الأساسية للإجابة عن السؤال الأهم: كيف نُبتني دولة يشعر جميع مواطنيها بأنهم شركاء حقيقيون، لا مجرد سكان يخضعون لسلطتها ؟
وهذا لا يعني بطبيعة الحال إلغاء الحاجة إلى هوية وطنية جامعة ، أو منح أي مكون حق الانعزالة ، فالمواطنة المشتركة تظل الإطار الناظم للجميع ، ولكن بشرط ألا تتحول إلى أداة لإلغاء الخصوصيات أو احتكار تعريف الوطن .
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في التخلص من الاختلافات ، بل في تحويلها من أسباب للصراع إلى عناصر غنى وتكامل، عبر دستور واضح، ومؤسسات مستقلة ، وقضاء عادل لا يتغير بتغير موازين القوى .
فالوطن الذي لا يتسع لهويات مواطنيه يظل مشروعاً ناقصاً، والدولة التي تطلب من مواطنيها التشابه قبل الاعتراف بحقوقهم تضع الانتماء في مواجهة الحرية .
وفي النهاية ، لا يُصبح الوطن موحداً عندما يتخلى أبناؤه عن اختلافاتهم ، بل عندما لا يعود اختلافهم سبباً للتمييز بينهم .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

