هل كان مستشار ترامب عميلاً سرياً لأردوغان‎

في ظل التدقيق الجاري في تعاملات رودي جولياني مع أطراف خارجية، تُثير تقارير صدرت في الآونة الأخيرة تساؤلات حول ما إذا كان عمدة نيويورك السابق – والذي يعمل حالياً مستشاراً مستقلاً للرئيس ترامب – قد انتهك قانون تسجيل العملاء الأجانب في الولايات المتحدة، فيما يتعلق بأعمال تخص تركيا.
وقال أيكان إردمير، الزميل الأول في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، والعضو السابق في البرلمان التركي، لموقع أحوال تركية “منذ أن انضم جولياني إلى غرينبرغ تراوريغ في يناير 2016، وسجله يُثير تساؤلين… هل لم يسجل نفسه كعميل أجنبي في إطار قانون تسجيل العملاء الأجانب، وأيضاً هل لم يضع حداً أخلاقياً بين مصالح موكله رضا ضراب، ومصالح وكلاء آخرين لغرينبرغ ترواريغ تتضارب معها، وهؤلاء هم الحكومة التركية.
وقال المحامي برادلي بي. موس، المتخصص في قانون الأمن القومي، لموقع أحوال تركية “في أقل تقدير، من الواضح أن السيد جولياني باشر عمل، يمكن القول بأن الإطار الأخلاقي الذي يحكمه يستدعي التسجيل بموجب قانون تسجيل العملاء الأجانب… أقول بكل صدق، إنه كان ينبغي عليه فعل ذلك، ومن غير الواضح إلى الآن لماذا آثر ألا يفعل”.
وذكرت شبكة إن.بي.سي أن جولياني ترك بالخطأ رسالة مهمة على البريد الصوتي لأحد صحفييها في السادس عشر من أكتوبر. في تلك الرسالة، يمكن سماعه وهو يتحدث عن أنشطة تتعلق بتركيا والبحرين.
ويأتي ذكر تركيا في الحوار عندما يسأل جولياني “هل روبرت موجود؟”
ويرد عليه رجل غير معروف الهوية قائلاً “إنه في تركيا”.
يرد جولياني بسرعة قائلاً “المشكلة أننا نحتاج بعض المال”. وبعد فترة صمت، يقول “نحتاج بضع مئات من الآلاف”.
وتكهنت إن.بي.سي بأن يكون روبرت المُشار إليه هو روبرت مانغاس، وهو محام عمل جولياني معه في شركة غرينبرغ تراوريغ إل.إل.بي. ومانغاس وشركته مسجلان كعميلين أجنبيين للحكومة التركية.
وقال متحدث باسم غرينبرغ تراوريغ إن مانغاس لم يزر تركيا منذ عام 2013، ولم يتحدث إلى جولياني منذ أن غادر الأخير الشركة في عام 2018.
وفي عام 2017، طُلب من مانغاس وجولياني وزميلهما لورانس ليفي تقديم إفادات إلى المحكمة التي تنظر قضية الولايات المتحدة مع رضا ضراب، تاجر الذهب التركي ذي الأصول الإيرانية ، فيما يتعلق بمخطط نفذه الأخير للتحايل على العقوبات المفروضة على إيران بمساعدة بنوك تركية.
وسأل القاضي ما إذا كان تمثيل جولياني ومايكا موكاسي، وهو محام عام أميركي سابق، لضراب قد شكّل تضارباً في المصالح ينزع عنهما الأهلية، بالنظر إلى وضع غرينبرغ تراوريغ كعميل أجنبي لتركيا وتمثيلها لعدد من البنوك الأميركية التي تعرضت للاحتيال في إطار المخطط.
وفي إفادته، أبلغ جولياني المحكمة بأنه وغرينبرغ وُكِّلا بهدف محاولة حل القضية “في إطار اتفاقٍ ما، بين الولايات المتحدة وتركيا، يعزز مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة ويسهم في مصلحة السيد ضرّاب”.
وفي فبراير 2017، سافر جولياني وموكاسي إلى تركيا لمقابلة الرئيس رجب طيب أردوغان بشأن القضية. دعا الاثنان بعد ذلك إلى إطلاق سراح ضرّاب في اجتماع غير معتاد في المكتب البيضاوي مع ترامب، وبعد ذلك مع وزير الخارجية ريكس تيلرسون. وقيل إن تيلرسون اعترض، وكان وجه اعتراضه أنه سيكون من غير الملائم على الإطلاق التدخل في قضية جنائية ما زالت منظورة.
وتُظهر المستندات المودعة في إطار ما يستلزمه قانون تسجيل العملاء الأجانب – خلال تمثيل ضراب ومانغاس وبعده – أن مانغاس ومحامين آخرين في الشركة استمروا في حشد أعضاء وموظفين في الكونغرس الأميركي لمصلحة تركيا، وحصلوا مقابل هذا على 1.275 مليون دولار في عام 2017، و1.7 مليون دولار في عام 2018.
وقد تكون غرينبرغ تراوريغ الآن هي الأعلى أجراً بين الشركات التي تعمل لصالح تركيا، بعد أن تخلت بولارد بارتنرز – وهي شركة في واشنطن على صلة بترامب – عن بنك خلق كزبون لها في أعقاب اتهام البنك التركي المملوك للحكومة بالاحتيال، وغسل الأموال، والتآمر في إطار مخطط للتحايل على العقوبات الأميركية على إيران، في الولايات المتحدة يوم 15 أكتوبر.
وبعد أن فشلت الجهود التي قام بها جولياني نيابة عن ضرّاب، أبرم الأخير اتفاقاً مع ممثلي الادعاء في الولايات المتحدة للتعاون وتجنب المحاكمة. وأصبح ضراب الشاهد الملك في محاكمة محمد حقان عطالله، نائب المدير العام لبنك خلق، والذي حكم عليه بالسجن لمدة 32 شهراً على خلفية وقوفه وراء استغلال بنوك أميركية في مخطط لغسل مليارات الدولارات من حصيلة بيع نفط إيراني لتركيا، والتحايل على العقوبات بهذا الشكل.
ويُشير الاتهام الموجه لبنك خلق أيضاً إلى ادعاءات بأن أردوغان وصهره بيرات البيرق، الذي يشغل حالياً منصب وزير الخزانة والمالية، أصدرا تعليمات إلى بنك خلق للاستمرار في مخطط خرق العقوبات بطلب من ضراب.
أما عطالله، الذي أُطلق سراحه بعد أن قضى مدة العقوبة في يوليو، فقد كافأته الحكومة التركية لأنه أنكر المخطط أمام المحكمة الأميركية. وفي 21 أكتوبر، عينه البيرق مديراً عاماً للبورصة الرئيسة في تركيا.
وعندما كان جولياني يعمل لصالح غرينبرغ تراوريغ، ضغط أيضاً على ترامب لتسليم فتح الله غولن، وهو رجل دين يعيش في المنفى وتتهمه تركيا بأنه العقل المدبر لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي حدثت في عام 2016. وأبلغ مسؤولون في البيت الأبيض صحيفة (واشنطن بوست) بأن جولياني أثار موضوع غولن أكثر من مرة خلال اجتماعات مع ترامب، يعتقدون إن الهدف منها كان طرح القضية بالنيابة عن الحكومة التركية.
وأصبح جولياني المحامي الشخصي لترامب بعدما استقال من غرينبرغ تراوريغ في مايو 2018. عمل جولياني بشكل مستقل مع ترامب، وهو شخصية محورية في فضيحة أوكرانيا التي دفعت إلى إجراء تحقيقات لعزل الرئيس. وهو أيضاً متهم على نطاق واسع بتولي “سياسة الظل” في الإدارة.
في النهاية، قد يُتهم جولياني بانتهاك قانون تسجيل العملاء الأجانب، فيما يتعلق بأوكرانيا. وينبغي أيضاً طرح مزيد من الأسئلة بشأن ما إذا كان عمله لمساندة المصالح التركية قد شكّل خرقاً لهذا القانون. وبينما يستثني القانون المحامين الذين يمثلون موكليهم أمام المحاكم، فإن هذا الاستثناء لا يغطي حشد دعم الرؤساء للتدخل في قضايا جنائية منظورة أمام المحاكم.
وقال موس لموقع أحوال تركية “ما زال أمامنا وقت لنعرف ما إذا كانت (وزارة العدل الأميركية) تعتقد أن أفعاله كافية لضمان المحاكمة الجنائية، خاصة في ضوء فشل محاولات المحاكمة في الآونة الأخيرة… لكن في أي حال من الأحول، فإن السمعة المهنية للعمدة السابق ما زالت تتضرر بشدة”.
والأمر الواضح، هو أن جولياني ظل طوال عام 2017 يحشد الدعم من أجل إطلاق سراح ضراب وتسليم غولن، كونهم من مصالح إدارة أردوغان ذات الأولوية، على الرغم من عدم تسجيله نفسه أبداً كعميل أجنبي لتركيا.
علي بارزان
احوال التركية