مَن المسؤول عن هذا الوضع الكردي المتردي؟- بيار روباري

 

 

هذا الوضع الكردي المتردي ليس وليد اليوم، ولم يخلق من تلقاء ذاته، وإنماء هو نتيجة ممارسة سياسية خاطئة إرتكبتها الأحزاب والقوى السياسية الكردية على مدى عشرات السنين، التي تحتل مكانآ واسعآ على الساحة الكردستانية، وأخص بالذكر حزب البرزاني والطالباني وحزب اوجلان، وما يدور في فلكهم من دكاكين تحت هذا المسمى أو ذاك.

توقع بعض المحللين المتفائلين أن يكون هذا القرن، قرنآ كرديآ بإمتياز في بداية الألفية الثلاثة. وإستندوا في ذلك إلى التحولات العميقة التي جرت في العراق بفعل التدخل الأمريكي، وتمكن الكرد من نيل جزء كبير من حقوقهم القومية، التي إقرها الدستور العراقي الجديد والذي تم الإإستفتاء عليه من قبل الشعب العراقي، ونال أكثرية الأصوات وصادق البرلمان المحكمة العليا عل تلك النتائج.

وزادت جرعة تفاؤل هؤلاء المحللين والمراقبين، عندما نهض الكرد في غرب كردستان، وواجهوا أعتى تنظيم إرهابي المسمى “بداعش” وتمكنوا في النهاية هزيمته وبسط سيطرتهم على الجزء الأكبر من المنطقة، التي تمتد من الحدود مع جنوب كردستان في الشرق إلى الحدود مع مدينة إدلب في الغرب، والتي تصل طولها إلى 850 كيلومتر.

 

السؤال الجوهري: مَن المسؤول عن وصول الوضع الكردي إلى هذه الحالة المتردية؟

 

لا شك هناك ثلاثة أطراف مسؤولة مسؤولية مباشرة، عن ما وصل إليه الوضع الكردي من تردي وهذه الأطراف هي:

1- الطرف الكردي. 2- الدول المحتلة لكردستان (إيران، تركيا، العراق وسوريا). 3- القوى الدولية وعلى رأسها بريطانيا، فرنسا وأمريكا وألمانيا وروسيا.

 

سوف أتناول في مقالتي هذه، فقط الطرف الكردي كونه صاحب العلاقة وهو المعني الأول بالأمر، أو هكذا يجب أن يكون. وثانيآ، لا يمكن أن نتوقع من دول المحتلة لكردستان أن يعملوا لصالح الكرد وهذا أمر بديهي، وإلا لما إحتلوها بالأصل. والدول الكبرى تبحث عن مصالحها وهي تتصارع فيما بينها على مناطق النفوذ وبسط السيطرة وكل ذلك على حساب الشعوب الأخرى. وفي النهاية الدول ليست جمعيات خيرية، وفي السياسة الدولية لا مكان للأخلاق، وما يحكم العلاقات بين الدول هي المصالح، ونحن الكرد لسنا دولة ولا نملك ما نبادله مع هذه الدول أو غيرها.

 

لا أظن هناك داعي لوصف الحالة الكردية، فهي معروفة للجميع، والكل على إطلاع عليها ويراقب ما يحدث في عموم كردستان من تغيرات وأحداث وتطورات ذي شأن معين. بإختصار الوضع في شمال كردستان مسدود بسبب همجية النظام الأردوغانني وتعامله الفاشي مع الشعب الكردي، ودعم القوى السياسية التركية المناهضة للكرد له، والسياسة الفاشلة لحزب العمال الكردستاني وضياعه للبوصلة تمامآ، وعدم إمتلاكه لرؤية واضحة وإستراتيجية محددة.

 

وفي جنوب كردستان، تحولت عائلتي البرزاني والطالباني إلى مافيات حقيقة، بعدما تقاسموا الإقليم فيما بينهم وبسطوا نفوذهم على موارده الطبيعية والمالية، وإعتماد كل عائلة على طرف إقليمي محتل لجزء من كردستان (تركيا وإيران)، لمواجهة بعضمها، وهذا التناحر والصراع المرير أدى إلى ضياع مستقبل الكرد في بناء وطن حقيقي موحد ويضم كافة ترابه الوطني (شنكال، كركوك، شيخان، مندلي، ومناطق أخرى)، وينعمون بلقمة عيش كريمة والحرية في ظله، كل ذلك تبخر وتحولت حياتهم إلى جحيم حقيقي من الناحية الإقتصادية والسياسية والإجتماعية، بفضل سياسة النهب والسلب والفساد المستشري في كل دوائر الإقليم، والإستبداد الذي مورس ويمارس يوميآ بحق كل معارض فردآ أكان أو فريق سياسيآ. هذا إضافة إلى سياسة معادة القوى الكردستانية الحية في الأجزاء الأخرى، وعلى وجه التحديد في غرب كردستان وشمالها.

 

وفي شرق كردستان، فالوضع يراوح محله والزب وكومله فاتحين مكاتب في مناطق العائلة المالكة الطالبانية، فقط يصدرون بيانات شجب وتنديد، ولا يسمح جماعة طالباني بأعمل ضد حليفهم الفارسي.

و فرع حزب العمال لا يفعل شيئ هو الأخر، سوى إطلاق تصريحات لا نفع منهم، لأن قنديل على علاقة مع ملالي طهران ودمشق.

 

أم غرب كردستان الوضع فيها ملتهب وقابل لتغيرات دراماتيكية بين لحظة وأخرى، بسبب تكالب القوى الشريرة على الكيان الكردي الغير مكتمل من قبل عصابات اردوغان وبشار الأسد ومجمرمي المعارضة السورية، المدعومة من قطر وحليفتها تركيا. وقطعان الطائفيين الشيعة من مرتزقة حزب الله اللبناني والشيعة العراقيين بقيادة جاحفل إرهابي ايران القتلة المحترفين، والتي كان يقودها المقبور قاسم سليماني، ويضاف الى كل هؤلاء إمعات المجلس الوطني الكردي- الإسطنبولي.

ومن الجهة الأخرى المتاجرة الأمريكية بزنود الكرد وقضيتهم القومية، وبعض السياسات العقيمة لقيادة (ب ي د)، وهي في الحقيقة سياسات قنديل، التي دفعت الكرد السوريين الإبتعاد عن الثورة السورية بالقوة وعدم القيام بأي عمل ضد النظام الأسدي المجرم. وإنتهجوا سياسة لا لون لها ولا رائحة ولا مستقبل، وإستفردوا بغرب كردستان، وطرحوا مشروع الإمة الديمقراطية، وهو في الواقع مجرد وهم لا وجود له في الواقع سوى في مخيلتهم. والنتيجة غرب كردستان اليوم يقف على مفترق طرق، وخاصة بعد حصر نفوذ الإدارة الذاتية في شرق الفرات وعدم إعتراف الغرب بها.

 

أقولها وبملئ الفم، إن المسؤول الرئيسي عن هذا الوضع المتردي الراهن، هي القيادات الكردية الحالية والتي سبقتها بسنوات.

 

هل يعقل أن أعداء الكرد، كلما أحسو بأن القضية الكردية ستخطو خطوة للأمام، إجتمعوا وبسرعة مذهلة ونسقوا فيما بينهم، ويباشرون بالعمل المشترك ضد الكرد، بغض النظر عن الجزء الذي يشكل “خطرآ” في نظهرم عليهم، كما كان الحال مع خطوة الإستفتاء في جنوب كردستان، رغم العداء بين الأطراف الأربعة والخلافات العميقة.

في المقابل، لا تتجرأ القيادات الكردية على أن تلتقي على مستوى القيادات العليا سرآ أو علنية، وعلى الأقل قيادات الأحزاب الرئيسية والمقصود بهم (حزب البرزاني والطالباني وحزب اوجلان والديمقراطي – شرق كردستان).

 

ما الذي كان يمنع في الماضي والأن من عقد هكذا لقاء على مستوى قيادات الصف الأول؟

 

أنا سأقول لكم ما الذي يمنع ذلك؟

 

إن الذي يمنع عقد لقاء كردي على مستوى القيادات، هي المصالح الشخصية لتلك القيادات أولآ، وثانيآ، المصالح الحزبية وثالثآ، المصالح الجزئية أي كل جزء من كردستان. والعقبة الثانية، هي حكومات الدول المحتلة لكردستان وخاصة تركيا وإيران، لم لهما من تأثير ونفوذ على قيادة حزب البرزاني وأوجلان والطالباني.

هذه القيادات ليست مؤهلة على الإطلاق، لأن تخطوة خطوة كهذه وتقلب الطاولة على أعداء الإمة الكردية. ولا يوجد في برنامج أي حزب كردي واحد مشروع كردستاني حقيقي. دعكم من الشعارات الكاذبة، التي يرفعونها بهدف دغدغة المشاعر القومية للشعب الكردي، لأنها تجد رواجآ لدى الكرد الذين يفكرون بعواطفهم لا بعقولهم.

من يفكر بكردستان وحريته شعبه، لا يقسم المقسم كما فعلوا بجنوب كردستان. ومن لديه مشروع كردي لا يطرح مشروع “الإمة الخلابية” في شمال كردستان، ويطلق تسمية “شمال شرق سوريا” على غرب كردستان، ويرفض رفع العلم الكردي. لا يوجد حزب كردي واحد في كل كردستان، لديه مشروع كردي وكردستاني، كلهم تحولوا إلى دكاكين يعتاشون منها لا أكثر.

 

كان بإمكان الشعب الكرديلا المناضل والمضحي، بأن يجعل من هذا القرن فعلآ وقولآ، قرنآ كرديآ وعن جدارة، لولا سياسات القيادات الكردية الحالية، المتسلطة والمستبدة والمفلسة إفلاسآ تامآ، لما إنتكس الحال وتردى الوضع في جنوب وغرب كردستان تحديدآ.

برأي ما زال هنا طريق طويل أمام الكرد، للوصول إلى حريتهم وإنتزاع كرامتهم، وطرد المحتلين من بلدهم والخلاص من هذه القيادات العفنة والتي تسببت بكوارث لا حد لها للشعب الكردي. وأنكى من ذلك لا تريد المغادرة وترك الساحة لجيل غير ملوث بالفكر العائلي والشمولي وعبادة الأصنام ويؤمن إيمانآ حقيقيآ، بمشروع الإمة الكردية وبناء دولة كردستان الديمقراطية، التي يحكمها المؤسسات والقانون ويُحترم فيها أدمية الإنسان وحريته، ولا يقتل صحفي أو كاتب أو شاعر لأنه إنتقد هذا المسؤول أو ذاك

ولا يُسلم لاجئ لجأ اليها هربآ من الموت (الإعدام) لأعدائه، ولا تغلق وسيلة إعلام. ويحاسب المسؤولين فيها إذا ما خالفوا القانون، ويحاكمون كما يحاكم المسؤولين الإسرائليين أمام القضاء، ويضعون السجن بدءً من رئيس الدولة ومرورآ برئيس الوزراء، وإنتهاءً بأي مواطن العادي.

 

لا يكفي أن يكون لديك دولة كشعب وخير مثال على ذلك: ما جرى للسوريين وهم أصحاب دولة معترفة بها عالميآ وهي عضوة بالإمم المتحدة، على الكرد الذين يفكرون بعقولهم، ولا يتبعون هذا الشيخ وذاك الصنم، أن يستفيدوا من التجربة السورية، وتعلم الدروس الضرورية منها. والمثال الثاني هو جنوب كردستان، وغرب كردستان لا أظن سيكون أفضل حالآ في ظل سيطرة الحزب والفكر الشمولي الواحد على كل شيئ.

 

خلاصة القول:

نحن الكرد مسحتلين منذ أكثر من 2500 عام، أي منذ إنهيار الدولة الميدية والى يومنا هذا. ولم يكن قد ظهرت الدولة العثمانية ولا العراقية وتركيا الحالية ولا ما يسمى بالجمهورية السورية. ولا الإستعمار الفرنسي ولا البريطاني ولا الأمريكان. إذآ العلة فينا، أي تفرقنا بين هذا الأغا والشيخ والبيك والعشيرة، واليوم حل محل الأغا والبيك رؤساء ما تسمى بالأحزاب السياسية والشيوخ ورؤساء العشائر مستمرين إلى الأن.

كما تشاهدون لم يتغير شيئ وما زلنا متفرقين على جماعات متناحرة ومتصارعة فيما بينها على الفتات، والأعداء ينهبون خيرات كردستان ويستعبدوننا كما كانوا في الماضي، فهل هناك سياسة عقيمة وحمقاء أكثر من هذه؟ لا أظن ذلك. وكيف لأناس بهذه الصفات والتفرقة أن يبنوا دولة؟ من سيصدق ذلك؟

 

30 – 04 – 2020

One Comment on “مَن المسؤول عن هذا الوضع الكردي المتردي؟- بيار روباري”

  1. كل الشعوب والأمم التي تحررت وحصلت على حريتها وحقوقها واستقلالها ورفعت اعلامها على سارية الأمم المتحدة في الأوقات الصعبة والمنعطفات التاريخية والمصيرية والحساسة تركت خلافاتها وصراعاتها الداخلية واختارت رمزا من رموزها ليقودهم الى بر الأمان وشاطىء النجاة وبخلافه سيبقى الشعب الكوردى محروما من نعمة الحرية والاستقلال ما لم ينتبهوا ويجمعوا صفوفهم ويوحدوا كلمتهم ويتركوا خلافاتهم وصراعاتهم الداخلية على المكاسب والمغانم والسلطة والمال والجاه الكاذب والزائل وبخلافه فان نارهم ستاكل حطبهم وخاصة وان اعدائهم شرسون لا يؤمنون بالتعايش والسلام وحقوق الغير ويتحينون الفرصة للقضاء على كل المكاسب والإنجازات التي تحققت بثمن باهض وانهار من الدماء الزكية الطاهرة

Comments are closed.