وهج الخدود المتجمدة –  وليد حاج عبدالقادر / دبي

 

 

عندما تتالى الأحزان وتصر ان تتراكب حسينو في نمطية حياة وحيد خلت نفسك ذات يوم ،ان تحوطك تلك الأحزان وتتالى ، وحينما تحس وانت الطفل بأن الأحزان  ! أجل .. بأن الاحزان قد تجاوزت حدها وان نطقك للحروف تكاد أن تدمع هي قبل عينيك .. اجل حسينو ! ماكان ابن عمك قادي قد بلغ به العمر الى ثلاثة شهور وبينما كنتم .. احل كنتم تتدرجون ذات يوم ، وقادي تتبادلان هدية وحمدي حمله ، وها انتم تقطعون من جديد تلك الوديان والتلال ، وبدا عمك شارد وكأنه في عالم آخر غير عالمكم ! وبشكل لا إرادي انعطفتم صوب تلك التلة الوعرة ، وكانت صرخة عمك ! … لا لا .. هناك طريق اسهل ؟ .. نعم حسينو ؟ هو گري عمك وإن شرد ! لكنه يقظ ابدا ! .. أووه كن واقعيا .. كفى حسينو ؟ و .. دخلتم بوطان وتدرجتم في مير آڤدلي .. أجل حسينو ! وانعرج عمك متقصدا الى حيث هما القبرين  ، وقف ورفع يديه وتمتم بشيء ، وادركت بأنها بعض من آيات القرآن ، وبعدها واكبتم السير الى حيث بدأت تلكما المنارتين تشمخان عاليا والجامع بحجارته السوداء المشذبة وتلك البوابة الكبيرة العتيقة ، وكان ذلك البيت الذي يحتل ركنين من ذلك الشارع المقابل ، والدكان ذي الباب الخشبي ولكنه مقفل ، دخلتم البيت وكان بعض من أقرباء جدك حسينو ، وهي عمته لابيك وبناتها كن في البيت تحوطن جدك المنهك ، لالا كان شبه فاقد للوعي ، فمه شبه مفتوح وعيناه مسبلتان في الافق وشعر ذقنه قد طال قليلا ، أجل حسينو .. اجل حسينو .. وما ان سمع صوت ابنه گري وهو يتقدم صوبه ويصيح : ت جاواي يابو .. ت باشي يابو ..وقد خطف يده واخذ يلثمه بشفاهه يقبلهما ، حرك جدك حسينو عينيه وما أن لمحك وتامل حمدية التي كانت  تحمل الطفل قادي ، سلطة بعينيه عليكم وهو يحملق وفي نظرته إليكما وينقلها فيكم جميعا وهو يتأمل عينا عمك گري ، اجل حسينو ! وانت الطفل حينها كنت ولكنها كانت رسائل صريحة من جد حنون مشفق على ابن دارت فيه ايامه ففقد اخوه الأكبر وفقد زوجة اخيه وطفل يتيم كان قد سلم الى غير بيئته واستجلبوه من تلك البيئة الغربية و .. نعم حسينو ! إيماءته صوب قادي وتلك الدمعة أحسستها قاسية جدا كلما اتذكرها اشعر وكأنها – شيژنن – أنسال تتقطع في جسدي .. أجل ! لم يستطع ان يتكلم ولكن إيماءاته كانت اقوى بصداها من كل الصرخات ، حتى من دوي الرعود والبروق ، اجل حسينو ! قضيتم لربما ليلة او ليلتين ، وبدا بعض من التحسن يظهر على محياه ولكنه ينكشف على ذلك الوهن وخريف العمر بأثقال همومه يأبى ألا ان يستعر اكثر ، وبدا جدي يتقبل الموائمة فيجلس ويحتسي بعض من الشوربات وحلق له عمي ذقنه واغتسل وبدأ لسانه وكأني به قد فكت عقدته ، وقضينا على هذه الحالة شهر او اكثر وصحته تتحسن ببطئ ومع تحولات الطقس وزحف الربيع أصر على عمي أن نستعد للعودة الى حكمية .. هي لحظات سجال قوية كانت وعمي بالرغم من حديته المعروفة إلا أنه أصر ألا يزعجه و .. كانت لفتة زكية من جدي .. أجل حسينو ! .. كانت لفتة زكية وفي الواقع هي كانت لفتة من عمة جدك له بان يزوج گري بإمرأة تحتضن هؤلاء الصغار وترعاهم و : أشارت عليه بإحداهن من دائرة الأقرباء وهي أرملة توفي عنها زوجها ولديها ولدين طفلين .. بدا عمك گري ياحسينو ! وكمن تفتحت فيه مسامات القريحة بالكامل فتأتأ في البداية واحمر وأخذ وجهه يعرق وخرج من الغرفة بحجة قضاء حاجة ، ومالبث ان عاد وقد هدأت روحه وسحنته وان كانت لاتزال متوهجة وخاطب أباه : وهل سنذهب الى حكمية قبل الخطبة ام بعدها .. ابتسم جدك حسينو فقد عرف بأن الفكرة قد تسلطنت في راس عمك .. عدل جدك من جلسته وتوجه بكلامه قائلا : من غد ساطلب من عمتي ان تفاتحهم وبعدها بأيام تستطيع ان تتزوج فالأرملة كما الأرمل يمكن لابل يحبذ دائما ألا يمرا بتجربة الخطبة بأفراحها والعرس أيضا .. بعد زواجكما ان شاء الله بإسبوعين وسيكون الجو بربيعه قد زحف سننطلق جميعا الى حكمية .. لقد اشتقت إليها ففي كل شبر منها تفوح رائحة امك رحمها الله ..

….

 

الايام دارت ..  نعم دارت ، وعمي لم يستطع البقاء في بوطان ، كما هي حكمية التي هجرها بعد دفن جدي في تلك البرية وإلى الآن لا أدري لما وكيف ومن قرر ذلك ، لالا من الذي اختارها لتلك البقعة ! أجل حسينو ولكن ! كن واقعيا وقر ؟ فهي بقعة رائعة لازالت بكل إحداثياتها ومفردات تفاصيلها تكاد ان تنطق وتتقافز لتتراقص كلماتها من ذاكرتك ! ولما لا وأنا حسينو العربانجي كنت وها انذا العطار ومن منا العربانجيون الديركيون لا يستذكرون تلك التلة في مقدمة قرية كاني كرك لالا ! لا تتقافز ايها الفهلوي ؟ هي – كاني هچيري – ذلك النبع الغزير كان يتدفق بمائه وكساقية ينعرج حوله فيحوط كتل الصخور تلك ، وتبقي محيطه دائما رطبا ونقيق الضفادع لا تخلو منه وليلتف باكواع وان كانت صغيرة لكنها كما هو نهر دجلة وهو يعانق بوطان كما قيل لك مرارا على لسان جدك فيما بعد ، وهي ذات المنظر كما كانت تبدو له وهو يتأمل المنظر من تلته تلك ..  نعم من تلة حسينو هناك بجانب حكمية ، وهي ذاتها مما قيل وفي ذات ربيع كان حينما لمحها .. أجل لمحها جدك ياحسينو لجدتك وكانت قد ازاحت خمار رأسها وباسنانها تقشر – قيڤار – بماء النبع وعيناه بحدية عينا الحدأة التقطت صورتها .. ومما قيل ياحسينو ! لقد تعب جدك كثيرا الى ان عرف اهلها وصار النصيب ومعه الهوس بحكمية والتلة والزراعة واوجاع  رحيلها التي أضحت وقودا لعشق تراكم ومع الأيام تصقل أكثر .. نعم حسينو ! ومن جديد هي الأيام دارت .. نعم لقد دارت الأيام وجدي لم يستطع البقاء في بوطان ، لابل وكان لسان حاله دائما يقول : وما الفرق بين بوطان وعين ديوار وبينهما وبين حكمية ، هي فقط مجرد فسحة كما نزهة قريبة بينهما ، وفي الواقع ! لقد انكشفت امامي كل الأسرار وبتلقائية من خلال عمي گري الذي كان قد اتخذ من الرحيل والتنقل نمطا لحياته .. اجل حسينو ! هو عمك وقد احترف التجارة ولعلها عطارتك انت بتنقلاتك هي من ذات الجينة وان اختلفت في الجوهر مع جدك وعمك گري ! نعم لقد أحب جدك. الإستقرار في دائرة بوطان بين عينديور وحكمية واتخذ من الزراعة مهنة وقيل فيما قيل بأن كركي حسينو هي من اروع وارقى البقع المزروعة كانت وكذلك عدة من – قرسيل – كانت له في السفوح المحيطة ببوطان الذي كان قد اتخذ فيه مسكنه إياه مقابل الجامع الكبير ، وذلك الدكان لم يكن سوى لعمك مارس فيها تجارته الأولى وقد خسر فيها فارتحل الى الموصل ومنها عاد الى عين ديوار وهكذا بخطه الدائري الى لحظة رحيل جدك .. و .. هي العدوى .. نعم العدوى ! فكان تشبث عمك بالعودة الى عين ديور ، وفي الواقع فقد كنت اتلقط انفاس عمي وأجزم مثلما سمعت من المحيط بأن قصة حب عمي لزوجته سليما كانت من أشهر حكايا المحيط ، لابل ومن اهم دوافع عمي في العودة الى عينديور والإستقرار فيها ليكون بقرب قبر زوجته .. وهذا ماتم بالفعل فبعد انقضاء فترة الحداد ، انطلقنا جميعا الى حيث عينديور ، وبعد حوالي اسبوع طلب مني عمي مرافقته الى بوطان  .

….

 

 

كانت ليلة مظلمة جدا والجميع نيام .. عمك وزوجته الجديدة وقادي في غرفة وانت وهدية وحمدي وجدك في غرفة ، وكان جدك .. نعم حسينو ! جدك كان قد اعتاد ان تكون’ اول فرشة لك في الزاوية تليها فرشته وهي عادته ! أجل حسينو ! هو جدك وكماء هذا الجم عطوف وحنينيته سيل جارف تدرك بأنه يسيذكر في كل كيانيتك روح ابنه البكر احمد ابيك ، وتتذكر أيضا كظمه لذلك الألم يخفيه عن عمك لأنه لم سمى ابنه بقادي ولم يسميه بأحمد .. كم من ليلة كنت تستيقظ على بكاءه .. كم من لحظات كنت تفيق وهو يتأملك لابل كانت قد اصبحت عادة استيقاظك على إثر قطرات دموعه حينما كانت تتساقط على خدك .. اجل حسينو ! كانت ليلة كأداء في حديتها والألم كسكين حاد اخذ يتسرب في مسامات جسدك ، وهو سريالية اليتم وقصص الموت وطرقات الرحلات من دون عودة .. كانت ليلة ظلماء حسينو وحكمية باكملها هادئة لالا في ثبات عميق سواها بعض الحيوات فراشات تعزف سيمفونيات أزيزها ونقيق الضفادع يعلو وصرخات من منها قد اصبح لقمة لربما في فم ثعبان او اية آفة أخرى فهي هي ذاتها القانون حسينو كما البوادي إياها ! أجل هي شريعة هكذا بيئات البقاء فيها للأقوى .. استيقظت وكأنك كنت في حلم لا لا كابوس كان والعلة انك لاتتذكر سوى صدى حشرجة وتنفس اشبه مايكون جبرا ومصدره جدك وقد توسعت فيه عيناها المثبتتان صوب السقف وثوان كانت هدية قد وثبت الى جانبه بعد ان زادت من قوة ضوء القنديل .. تاملته وهو يبتلع ريقه بلعا ويتنفس بصخب .. هرعت الى غرفة ابيها وكانت حمدي ايضا قد استفاقت .. هي ليلة ظلماء حسينو وان كانت مقبلة على صباح مشرق ! اجل حسينو ادركتها بحسك العفوي وهاهو صوت اقدام عمك كري وزوجته ومن ورائهما هدية .. اقتعد گري وكمن يرمي بنفسه على جسد مسجى .. البرودة كانت قد بدأت تزحف ولون الجسد يميل الى التغيير خلتها بداية مجرد انعكاس لضوء القنديل – جرا – وصخب التنفس بحشرجاتها تحولت الى انين مكتوم صامت ، وهما العينان وقد تركزتا في السقف تلمح الرموش تتحرك وكأني بها تحت وطأة نسمات فراشة .. وجوم وخوف .. قلق من مجهول وجهل كامل في التصرف ، وهي الدموع كنت تلمحها في عيني عمك وقد تصخرت .. و .. لحظة كانت حينما مال عمك برأسه جبرا بعد ان مد يده الى جفني جدك يغلق بهما عيناه ورأسه كطفل وضعه على صدر جدك وأخذ يبكي ويبكي .. نعم حسينو هو البكاء ممض في ألمه والجرح يزيد في اوجاعه وها انذا ؟! نعم ها انذا حسينو الذي كنت اليتيم ومن جديد جداه ! كم من مرة سأتيتم من بعدك ؟ .. اجل حسينو الذي هو انا حامل لإسمك جدي وها انذا استفرغ بدموعي أشجاني ، وأبكي بعنف داخلي كل احزاني وكان جسد امك هي المسجاة في تلك الغرفة ! لا لا تبكي وتستصرخ كل اوجاعك وكأنه جسد أبيك هو المسجى في الغرفة .. لا لا لعلها يادي سليما هي بذاتها في الغرفة .. ربااه يادي سليما ! كم من مرة قبلتينني في هذه الغرفة بالذات قبلة ام ومسدتي شعري وحممتينني أماه .. أجل جدي ؟ يا أبا كنت لا كما كل الآباء وجد عركته الأحزان ، ومع هذا ملكت بحنينيتك قدرة توازي كل نواة ماء الشط جدي ،ابكيك جدي من كل قلبي ، ابكي ابن عمي قادي وأختيه لالا ابكيك عمي گري وابكي امي وابي كما هدية وحمدي ، لابل ابكي كلهذا الفيض في سلسبيل المصائب .. يالقلبك الكبير عماه ! يالشدة وبأسك والقدرة على تحمل كل هذه الملمات ! .. ومع الوقت وزحف الليل وصوت البكاء الذي بدأ يتعالى وتتالى قدوم الناس والمحيط وبدأت تراتبيات الدفن .. اجل ملكتني الحيرة ! لابل تمنيت من كل قلبي ان ينقل جثمانه الى بوطان وان يكون قبره بجانب قبر امي وأبي واتذكر لهفتي هذه وأنا العاجز حينها كما الآن وامنيتي التي اصبحت حسرة حينما تم دفن يادي سليما في تلة عينديور .. وبالرغم من شدة الحزن إلا انه فضولي كان الذي دفعني لأتتبع اولئك الذين حملوا عدة الحفر فمشيت ورائهم .. أجل ! هو الألم بوجعه ! .. رباه منك ياالألم وهو الألم وها قد اصبحت كالقدر ! .. رباه ياامي وانت ابي ! هاهو جدي وقد فضل الإنتقال الى عالمكم و هاهو سيودعنا وقد صمم ان يودعنا ايضا في قلب عمي گري .. اجل في قلب عمي گري وهو قلبه الذي ينوء اصلا تحت ثقل الأحزان ..

 

….

لازلت أبحث بعنف بين ركام الحرائق في دواخلي ومياه ينابيع شوقي وأتلمس كتل الثلج أعجنها ، ومن وهج خدودي المتجمدة ادعكها لتنبعث من بين زفرات انفاسي ذلك البنفسج و .. ترينه يحاكي وجنتيك ياالجميلة كنت وأضحيت الأنيقة تجدد يناعة جمالها .. جميلة انت وحق قدسيتك الهي ومعجزتك في التآلف بين البغلين ودوران عجلتيك ياالعربانة ..

حينما يدور بك عينيك لحظة مغادرتهما اغماضيتهما فيلف ويدور ويتناغم مع نسمات هادئة كما زفير طفل ملاك ينثر كروائح الزهور بسماته .. هو الألق ايضا عندما يضج بجوانيته واروعها – الألق – المتدفق كماء النبع وهو يعمد محيطه عشقا تركز في جوانيته وهو الشهد ياامرأة جميلة انت ومحياك كما الأهداب وهي تتلقط أقواس ظلالها انت ياالقمر هيفاء انت وهي الشفاه نضة وقد حيرتك قرمزها : أهو ذاته التوت البري وكنبيذ خمري وقد تقطر ؟ أم هو الكرز ياعشقا وقد بدأ ينضج ؟ لا لا ! ايها المتصوف انت في محراب عشق ينمو ويتجبر  .

هو عتق وقد أصر ان يتعتق وكعقيق أضحت تضج برونقها والصدر قد فاح منه فوحه لا تفاح كان ولا زهر الرمان سوى بلازورديته وهي ذاتها أزاهير الكرز يا عشقا اهيم بملمسها وهي ذاتها العصارة كرزا كان وقد تخمر كما وهج الشفاه أنت يامن أحببت ، وبت الهائم في محراب الملمس اتوه بينهما : أيهما الأجمل ! وناطق صمم ان يستنطقني هوى والشفاه تدلت و .. أنت التي احببتك .. رباه هل لي من سبيل فارتوي من نشوة حب تزيدني هوى وعشق يصر ان يتسرمد … هو العشق فاتنتي ، والعشق عمره ماكان غزلا وقتيا وان تقاطعت في محياك جمائل حسن ، وقامة هيفاء وصدر .. رباه ياالصدر كم بك وفيك أتوه فتوقظني محياك يا فاتنتي أنت فاقتعد الأرض اجثو على ركبتيك واتوه في لجة العشق أهيم .. أجل اهيم يا عشقا وقد صممت ان ابلغ في رحيق الشفاه سدرة المنتهى .. حبيبة أنت .. ملجئ كنت وملاذ أصر حضنك ان ينشرح بي وفي و .. هو عصارة لنشوة حب وقد أصر ان : يدوم ويتجدد وانت تصر ان تبقى أنت هو حسينو العطار ..

…..