الصداقة بين بحر الوفاء وإعصار الغدر ..    منصور سناطي

 

الصديق من صدَقَك لا من صدّقكَ ، وهو الكامل في صراحته يقترن قوله مع فعله وهو الكثير الصدق ، وهو يمزّج الإخلاص بالمحبة ، وهي علاقة ثقة متبادلة يفوح من مساكب

زهرها عطراً فواحاً يملآْ الأرجاء ويمطِر خيرها على المحيط والفرقاء ، وهي كالشجرة الباسقة جذورها متجذّرة في الأعماق وفروعها باسقة واوراقها نَظِرة ، تغذيها الكلمات  الطيبة والألفة الصادقة المحببة اللطيفة دون رياء ، وهي تكامل وتشارك في الهموم والمسرّات ، وهو شعور لا تقاس مدياته بمقياس ، ولا توزّن موازينه بميزان ، فهو خارج الزمان والمكان وشعور لا يعرفه إلا المؤهلين الصادقين الأوفياء العارفين معنى الصداقة الحقّة ، ويفهموا معنى الحياة  ، التي لا معنى لها دون صداقات مبنيّة على الودّ والوفاء والإيثار دون إنتظار المقابل أو الرّد من الصديق فهو عطاء بلا حدود او شروط .

فالإنسان فرد إجتماعي بطبعه لا يستطيع العيش وحيداً وبسعادة إذا لم يكن له إسناد من الأهل والخلاّن ، يتبادل ويتقاسم معهم هموم ومصاعب الحياة لتذليلها والمشاركة الوجدانية في الأفراح والأتراح ، ولكن   !!  هل كل الصداقات تعطي ثماراً يانعة  وشمس مشرقة وماءً رقراقاً وخضرّة قشيبة تبّهر الأبصار ؟

في الحقيقة علينا التأني بحكمة وحنكة عند إختيار الأصدقاء ، لأن غدر الصديق أشد إيلاماً من غدر العدو ، فغدر الصديق قتل عمدٍ مميت لا يغتّفر ولا يحتّمل ، فالذي نعتبره نصف روحنا وجزء منا ،  نكتشف بأنه كان عدواً مخفياً متنكراً في هيئة صديق ، فهو من أسوأ

مرارات الزمن الرديء ، وتصبحّ غصة في الحلق لا يمكن بلعها ، ولا يمحو ألمها تقادم الأيام

والسنوات ، وهولا يستحق العتاب ولا الحزّن عليه ، ولكن غدر الصديق يفقدك الثقة بالآخرين

فالصداقة كنز ثمين يضيّعها مرضى النفوس ، فلا  تأمن من خان غيرك ، فهو يدمن الخيانة فلا تأمن جانبه ، ومن خانك مرة لا تصدّقه إذا عاد إليك معتذراً ولا تأتمنه لا على مالك ولا على عرضِكَ .

وإذا رأيت أن شخصاً لا يثق بأحدٍ ، فهو على الأكثر تعرض إلى خيانة الأصدقاء ، ولهذا عليك أن تحبّ الناس ولكن لا تثق بسهولة إلا بعد التجارب والإختبارات ، فالصديق وقت الضيق كما يقال ، فهنيئاً لمن له صديق او أصدقاء اوفياء بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ سامية والله يكون في عون من خانه صديقه وغدر به بعد أن إتمنه فأصبح سكيناُ في خاصرته ، فأدمى الذكريات الجميلة بقبيح فعلته الغادرة .