قراءة جيوسياسية لـ إبراهيم كابان
في ظل التحولات السياسية والإستراتيجية التي تشهدها تركيا والمنطقة، يواجه النظام التركي تحديات متعددة تتعلق بصراعه مع الأكراد سواء داخل تركيا أو في سوريا. يبدو أن تركيا، على الرغم من تصريحاتها العدوانية المتكررة، لا تستطيع خوض حروب جديدة ضد الأكراد في سوريا، وذلك لأسباب عدة، من أبرزها فشل عملية الحوار مع الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، وتداعيات ذلك على الاستقرار الداخلي في تركيا، بالإضافة إلى الأوضاع الاقتصادية التي تضع قيودًا إضافية على قدرة تركيا على شن عمليات عسكرية جديدة. إلى جانب هذه العوامل الداخلية، هناك أيضًا تغيرات كبيرة في السياق الدولي والإقليمي التي تجعل من الصعب على تركيا اتخاذ خطوات عسكرية جديدة في سوريا.
فشل عملية الحوار وتداعياته الداخلية
منذ بداية الألفية الجديدة، سعت تركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية إلى حل الأزمة الكردية من خلال مسار الحوار السياسي مع الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، الذي يُعتبر شخصية محورية في الحركة الكردية. في عام 2013، بدأت الحكومة التركية ما سُمي بـ”عملية السلام”، التي كانت تهدف إلى التوصل إلى تسوية سياسية مع الكرد، إلا أن هذه العملية تعرضت للعديد من الانتكاسات. أبرز هذه الانتكاسات كان انهيار عملية الحوار بعد تصعيد أعمال العنف والتوترات العسكرية بين قوات حزب العمال الكردستاني والجيش التركي في السنوات الأخيرة.
إن أي إعلان عن حرب جديدة ضد الكرد في سوريا، من قبل تركيا، سيؤدي إلى انهيار أي أمل في إعادة إحياء عملية السلام الداخلية، حيث أن هذا الأمر سيعني تصعيدًا لا رجعة فيه بين الحكومة التركية والقوى الكردية في الداخل. كما أن العلاقة المتوترة بين تركيا والإدارة الذاتية في سوريا قد تلقي بظلالها على عملية الحوار داخل البلاد، مما يعقد إمكانية التوصل إلى تسوية سلمية مستدامة. إذا استمرت الحرب ضد الكرد في سوريا، فمن المرجح أن تزداد صعوبة التوصل إلى تفاهم داخلي بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني.
التحالف الكردي مع المعارضة التركية
في سياق الوضع الداخلي التركي، تزداد قوة المعارضة التركية بشكل ملحوظ، وباتت قوى المعارضة الكردية جزءًا رئيسيًا من هذا التحالف. تمثل الأحزاب السياسية الكردية في تركيا، مثل حزب dem، تيارًا معارضًا قويًا لحكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وقد عملت على كسب دعم القوى الكردية في سوريا، مما يعزز موقفها في مواجهة حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وفي حال إعلان تركيا عن حرب جديدة ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال سوريا، فإن ذلك سيؤدي إلى تعميق التحالف بين الكرد في تركيا وسوريا، مما يجعل من الصعب على أنقرة إتمام أي تفاهمات سياسية مع الكرد في الداخل. كما أن الكرد في تركيا قد يعتبرون ذلك تهديدًا مباشرًا لحقوقهم، وبالتالي فإن دعمهم للمعارضة سيصبح أكثر وضوحًا مما يضعف موقف أردوغان وحزبه في الانتخابات القادمة.
استراتيجية تركيا في الضغط العسكري
إلا أن تركيا، على الرغم من تلك التحديات، لا تزال تسعى لتحقيق مكاسب من خلال الضغط العسكري. العمليات الجوية المتكررة باستخدام الطائرات المسيرة ضد قوات سوريا الديمقراطية تأتي في إطار هذه الاستراتيجية. الهدف من هذه العمليات هو تحقيق أكبر قدر من المكاسب العسكرية على الأرض، سيما في المناطق الحدودية، قبل أي تدخل سياسي محتمل. من خلال هذه العمليات، يسعى النظام التركي إلى فرض واقع جديد على الأرض يستفيد منه في أي مفاوضات أو تسويات سياسية محتملة مع الكرد.
كما أن هذه الضغوطات العسكرية تهدف إلى إضعاف القدرة الإستراتيجية لقوات سوريا الديمقراطية، وفق المعيار التركي، والتي تمثل القوة العسكرية الأكثر تأثيرًا في شمال شرق سوريا، مما يسهل على تركيا فرض سيطرتها على تلك المناطق. من خلال تكثيف هذه الضغوط، تحاول تركيا أيضًا إرسال رسالة إلى القوى الدولية بأنها في موقع قوي يسمح لها بالتفاوض وفق شروطها في أي تسوية سياسية مستقبلية.
الجانب الاقتصادي: قيود جديدة على العمليات العسكرية
في الوقت الذي يواجه فيه النظام التركي تحديات كبيرة في سياسته الخارجية، فإن الوضع الاقتصادي الداخلي يضيف عبئًا آخر على قدرة البلاد على شن عمليات عسكرية جديدة. تركيا تعاني منذ سنوات من تراجع في النمو الاقتصادي، ارتفاع معدلات التضخم، وتدهور في قيمة العملة المحلية، مما أدى إلى زيادة ضغوط الحياة اليومية على المواطنين التركي. هذه الصعوبات الاقتصادية تؤثر بشكل مباشر على قدرة الدولة على تخصيص الموارد اللازمة للحملات العسكرية الكبيرة.
تكاليف شن حرب برية ضد قوات سوريا الديمقراطية ستكون باهظة للغاية، ليس فقط من حيث الجوانب العسكرية مثل تجهيز القوات، واللوجستيات، والذخائر، ولكن أيضًا من حيث التأثيرات السياسية والاقتصادية الداخلية. كلما تصاعدت التوترات العسكرية، زادت الحاجة إلى تخصيص المزيد من الموارد لدعم العمليات العسكرية، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من الانكماش الاقتصادي في تركيا.
علاوة على ذلك، فإن استمرار الأزمة الاقتصادية يمكن أن يقوّض دعم الشارع التركي لحكومة أردوغان، مما يزيد من تعقيد الوضع الداخلي. في هذا السياق، قد يجد أردوغان نفسه في مأزق صعب بين تلبية طموحاته العسكرية في سوريا وضرورة الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الداخلي.
الجانب الدولي: القيود السياسية والضغوطات الدولية
على الصعيد الدولي، كانت تركيا تمارس نوعًا من “البلطجة السياسية” ضد الدول الغربية من خلال التلويح بعصا اللاجئين السوريين، حيث كانت تهدد بفتح الحدود أمام المهاجرين إلى أوروبا في حال لم تتلق الدعم الكافي. بالإضافة إلى ذلك، استخدمت تركيا سياسة زعزعة الاستقرار في منطقة الشرق المتوسط لتحقيق مصالحها، سواء من خلال تدخلها في ليبيا أو إثارة الإشكاليات في ملفي القبرص واليونان إلى جانب دعمها لعدد من الجماعات المسلحة في سوريا.
ومع ذلك، فإن هذه السياسة لم تعد فعالة بنفس القدر في الوقت الحالي. العلاقات بين تركيا والغرب، وخاصة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، شهدت تدهورًا مستمرًا بسبب سياسات تركيا الإقليمية، بما في ذلك العدوانية في سوريا. على الرغم من محاولات تركيا استخدام ورقة اللاجئين أو التهديدات العسكرية للتأثير على السياسة الغربية، إلا أن هذه الضغوطات لم تثمر عن نتائج دائمة في دفع الدول الكبرى إلى منح تركيا دعمًا غير مشروط.
كما أن العلاقات التركية مع روسيا وإيران، اللتين كانت تركيا تعتمد عليهما في السنوات الماضية لتأمين تغطية سياسية لبعض عملياتها العسكرية في سوريا، قد شهدت أيضًا تراجعًا في الآونة الأخيرة. روسيا، التي كانت تدعم العمليات التركية في سوريا في إطار اتفاقات غير معلنة، أصبحت أكثر تشددًا في موقفها تجاه تركيا، خصوصًا في مناطق مثل إدلب، حيث تتنافس مصالح روسيا وتركيا. كذلك، العلاقة مع إيران تأثرت بشكل كبير بسبب الخلافات في العراق وسوريا.
العوامل الإقليمية والدولية المتراجعة
العوامل التي ساعدت تركيا في إجراء عمليات عسكرية سابقة ضد الكرد في سوريا، مثل الدعم الضمني من روسيا أو الضعف في المواقف الدولية، تراجعت بشكل كبير. اليوم، تركيا تجد نفسها في وضع صعب على المستوى الإقليمي والدولي، حيث تسعى للتوازن بين التهديدات العسكرية والمفاوضات السياسية، بينما تجد نفسها في عزلة أكبر.
من هذا المنطلق، أي خطوة تركية للتصعيد العسكري ضد قوات سوريا الديمقراطية ستواجه تحديات أكبر على الساحة الدولية، بما في ذلك معارضة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين يضغطان على تركيا للحد من تصعيدها العسكري، فضلاً عن الضغط الروسي والإيراني.
النتيجة المحتملة: استمرارية الصراع أو تسوية مؤجلة
في النهاية، رغم محاولات تركيا تكثيف ضغوطها العسكرية على الكرد في سوريا، فإن الخيار العسكري وحده لا يبدو كافياً لتحقيق الاستقرار طويل الأمد. أي تصعيد جديد ضد قوات سوريا الديمقراطية قد يكون له تداعيات كارثية على العملية السياسية في الداخل التركي، ويؤدي إلى عواقب وخيمة على حكومة أردوغان. كما أن الوضع الاقتصادي المتدهور يضع قيودًا كبيرة على قدرة تركيا على تحمل تكاليف حرب جديدة.
بالإضافة إلى ذلك، تراجع الدعم الدولي والعلاقات الإقليمية يجعل من الصعب على تركيا التصعيد العسكري بشكل موسع. لذلك، لا يمكن لتركيا أن تواصل خوض حروب جديدة ضد الأكراد في سوريا دون أن تتحمل تكاليف باهظة داخليًا وخارجيًا. في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة والعزلة الدولية المتزايدة، ربما تكون الاستراتيجية الأكثر عقلانية هي متابعة الضغط العسكري المحدود، مع إبقاء الباب مفتوحًا لمفاوضات سياسية تحت الطاولة، بهدف الوصول إلى تسوية تضمن مصالح تركيا الأمنية والسياسية دون تهديد استقرارها الداخلي.
– مدير شبكة الجيوستراتيجي للدراسات


لا تستطيع لكنها ستفعل ورغم أنف أبو أمريكا , أما الضرطة الروسية والفسوة الإيرانية فقد نفذ مفعولهما لا صوت يخيف ولا رائحة تزعج , لقد ماتا دولياً