هل ستهاجم إسرائيل إيران مرة أخرى؟- عباس سرحان

 

في فجر الثالث عشر من يونيو/حزيران 2025، انطلقت شرارة حربٍ خاطفةٍ دامت اثني عشر يوماً، حين شنت إسرائيل هجوماً مباغتاً على إيران، أطلقت عليه اسم “عملية الأسد الصاعد”.

لم يكن ذلك الهجوم وليد لحظة، بل ثمرة سنوات من التخطيط والتجهيز، حيث استطاعت إسرائيل، بمساعدة استخباراتية متقدمة من شركائها وحلفائها، تحديد مواقع قادة الدولة والحرس الثوري والجيش الإيراني بدقة.

بل وذهبت أبعد من ذلك، فأنشأت مصانع للطائرات المسيّرة داخل الأراضي الإيرانية، استخدمتها لضرب بطاريات الدفاع الجوي ومراكز القيادة الحساسة.

الهجوم الإسرائيلي لم يكن منفرداً، بل جاء مدعوماً بمساندة جوية وصاروخية أمريكية، وغطاء إعلامي كثيف من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي صرّح حينها بأن “على إيران أن تستسلم”، واعتبر أن النظام الإيراني قد انتهى، وأن إسرائيل “تسيطر على الأجواء الإيرانية وتبلي بلاءً حسناً”.

لكن الرياح لم تجرِ كما اشتهت تل أبيب وواشنطن. فإيران، التي بدت في الأيام الأولى وكأنها تتلقى الضربات دون قدرة على الرد، استعادت عنصر المبادرة تدريجياً، وامتصت زخم الهجوم، حتى بلغ الأمر أن سيطرت هي على الأجواء الإسرائيلية، وأوقفت فعالية منظومة القبة الحديدية، لتتحول مباني تل أبيب إلى ركام بفعل الضربات الصاروخية الإيرانية الدقيقة.

وسط هذا التحول الدراماتيكي، بدا الذهول واضحاً على وجوه قادة الكيان الإسرائيلي، وارتبك الرئيس ترامب، الذي غيّر نبرة خطابه 180 درجة، مهاجماً نتنياهو وقادة إيران على حد سواء، وتقمّص دور الوسيط الحريص على السلام، قائلاً: “كفى، عليكم أن توقفوا هذه الحرب. إيران بلد عظيم وجميل، ويجب أن تمارس حقها في التجارة، وسنمكنها من بيع النفط إلى الصين”.

هذه النبرة الناعمة لم تكن لتصدر عن ترامب  لولا أن الصواريخ الإيرانية فعلت فعلتها، وحققت الردع المناسب.

وفي المحصلة، خسر نتنياهو وترامب الحرب، فلم يسقطوا النظام ولم يصلوا الى مفاعلات ايران النووية المدفونة بأعمال خيالية تحت الأرض. ووسطوا قطر لتتوسل إيران وتدعوها إلى وقف إطلاق النار، وهو ما تم فعلاً في الرابع والعشرين من يونيو/حزيران 2025.

الآن، وبعد أن استُنفدت كل أدوات الضغط العسكري، ما الذي تبقى في جعبة إسرائيل وأمريكا؟ الجواب ببساطة: لا شيء سوى الحرب النفسية، ومحاولات خنق إيران من الداخل عبر الضغوط السياسية والدبلوماسية والاقتصادية.

وهي أدوات اعتادت عليها إيران منذ عقود، وتكيّفت معها، بل واستثمرتها في تعزيز خطابها الداخلي والخارجي.

 

لذا، فإن الحديث عن ضربة إسرائيلية أو أمريكية وشيكة ضد إيران يبدو أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع. فالدول التي رأت بأس إيران، لن تتورط مجدداً في مغامرة عسكرية مكلفة، لا تضمن نتائجها، ولا تتحمل تبعاتها.