الفساد مرض معدی یمكن الوقایة منه- د.عبدالباقی مایی

 

٢٥\ ١٠\ ٢٠١٨

تماما” كما تنتقل جمیع الأمراض المعدیة من إنسان إلی آخر ینتقل الفساد أیضا” لیعدی أی فرد كان فی المجتمع المصاب. فلیس هناك من یتمتع بالمناعة ضد هذا المرض، سواءا” كانت مناعة موروثة من الآباء والأجداد أو مكتسبة نتیجة إصابة مسبقة بالفساد. ولایوجد لحد الآن أی لقاح ضد هذا المرض الفتاك لأن التسییس، ولیست السیاسة، یمنع تشخیص المرض، ولأن المصابون الأوائل فی أی مجتمع كان ینتمون إلی الطبقة العلیا فی المجتمع فیتمتعون بالنفوذ والسلطة التی تمنحهم القوة الكافیة لمنع الإعلان عن إصابتهم بهذا المرض بسبب الجهل أو خوفا” من الخزی والعار.

یتم عدوی مرض الفساد عن طریق التلذذ بالشهوات، مثل الجنس والقوة أو حب السیطرة  والنفوذ أو الرغبة فی السلطة والمنصب أو لغرض كسب مال أو جاه. فی هذه الحالات یمتلئ الإنسان بالفخر والإعتزاز فتتدفق الهورمونات المنشطة إلی الدم لتغذی الدماغ بما یلزم من المكافأة والإستعداد للربح والنجاح والتفوق، ویملأ هورمون الأدرینالین جمیع العروق لكی یفسح المجال للأعصاب أن  تتواصل بإندفاع وإستمراریة بحیث یصبح الهدف محددا والطریق مسدودا” أمام العملیات النفسیة المرتبطة بالأخلاق والضمیر والتساهل والتحمل وما إلی ذلك من الوظائف الإنسانیة الراقیة التی یتم تنسیبها للروح والعقیدة والمبادێ المقدسة حیث یعجز العقل فهمها فیتركها فی مهب اللذة الآنیة بعیدا” عن رقابة الأخلاق أو تحكم الضمیر.

یحصل الشخص علی المناعة الكتسبة فقط عن طریق الوعی والإدراك. فإما أن یكون الشخص ذو وعی عال أو ثقافة واسعة أو ذكاء خارق لكی یلاحظ المقومات و یستنتج المستلزمات ویبتعد عن الشهوات، أو أن یكون الشخص قد إقترب من الفساد والمفسدین عن طریق الأصدقاء والأقرباء فیلاحظ كیف ینخر المرض فی فكر الإنسان وسلوكه عن طریق التوسط و المحسوبیة والمنسوبیة فیفتك بضمیر صاحبه قبل كل شئ لیظهر تغییرا” فی أخلاقه وتبدیلا فی قیمه وتناقضا بین أقواله وأفعاله فیبدأ بالإفتخار بالحصول علی منصب دون شهادة تۆهله أو التسلل إلی مقعد دون قانون یبرره أو إكتساب مال دون جهد یستحقه، ویأتی بعد ذلك إستهتار بالمحاسن كالكرامة والوفاء والصدق والإخلاص بعد أن كان یعتز بها، ومدح بالرذائل كالكذب والتحایل والسرقة والتزییف بعد أن كان یستنكرها ویخجل من ذكرها.

تجری عملیة الوقایة من مرض الفساد بالتثقیف والتوعیة بدءا من الأسفل نحو الأعلی فی سلم السلطة والنفوذ، وتبدأ بصورة فردیة قبل أن نشرها فی المجتمع. فالطفل بطبیعة تكوینه المبرمج من خلال الجینات التی تتطور نحو الأصلح جاهز للوقایة من الفساد بصورة أسهل من الكبار. والشباب بطبیعته الثوریة المرتدة علی الرجعیة والتحفظ والتأخر، والمتحمسة نحو التقدم والتجدید والعدالة، یستطیع كسب المناعة بصورة سریعة عندما یصطدم بمظاهر الفساد ومقوماتها فی البیت والمدرسة والمجتمع. تتكون نواة التوعیة ضد الفساد بالتعرف علیه عن طریق العلم والمعرفة. فكتب التأریخ ملیئة بسرد القصص والروایات حول إنهیار الدول والإمبراطوریات بسبب الفساد. وتدرس فی المجتمعات المتقدمة نظریات علمیة حول أسباب الفساد وتأثیرها الهدام وكیفیة إنتشارها وإن لم تذكره كمرض نفسیإجتماعی لحد الآن. فقد توصل العلم الحدیث إلی إستنتاجات وآلات وأدوات علمیة جدیرة بفصل هذا المرض الفتاك من قیوده السیاسیة لكی یدخل فی الطریق العلمی الصحیح للتعریف والتحلیل والتجربة والبرهان كبقیة الأمراض المعدیة. وقد آن الأوان فی مجتمع كردستان أن یتم الكشف عن ستار هذا الكابوس الممیت حیث تم تشخیصه كمرض نفسإجتماعی وتتوفر حالیا فی هذا المجتمع جمیع المستلزمات الضروریة لمحاربته والوقایة منه بطرق علمیة ووسائل سلمیة دون تسییس أو تلبیس. (راجع البیان الأساسی لمرض الفساد فی مقالتی” الفساد مرض نفسیإجتماعی” فی صوت كردستان بتأریخ ٢١\١٢\٢٠١٧

https://sotkurdistan.net/2017/12/21/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D9%85%D8%B1%D8%B6-%D9%86%D9%81%D8%B3%DB%8C-%D8%A5%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%DB%8C-%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D9%82%DB%8C-%D9%85/)