بيت الأحلام- مراد سليمان علو

 

1

إن كنت ساذجا، فهذه مشكلتك وحدك..

ليست مشكلتي، ولا مشكلة العالم. إنها مشكلتك؛ لأنك بدلا عن تقديم النصائح للثعلب، وتعليمه خدع وحيل جديدة ستسمع طوال الوقت طرائقه القديمة وحيله المستهلكة للإيقاع بالآخرين..

والمثير للسخرية أن صديقنا الثعلب في هذا الوقت الطيب الذي تقضيه معه يفكر بطريقة يخدعك بها كالآخرين..

على العموم أنها نتائج سذاجتك، والمضحك دائما ستكون بحاجة لقزم مثل نيلز ليخلصك وينقذك.

طبعا تفكر بالانتحار، وستنتحر فأنت تشعر بضيق المكان وتحاول مساعدتنا بفسح المجال لأحدنا..

لن ألومك على فعلتك ولا تبدو بتلك السذاجة وسيأتي دورك لتنال وساما أو درعا كما الآخرين.

لا بأس فقد تربينا على الشعور بالذنب..

كانت اليهود في أمان الرب في بيوتها مطمئنة بأنها ستدخل الفردوس من أوسع ابوابه الألمنيومية، فذهبنا إليهم متبخترين وأسرناهم جميعا وجلبناهم إلى بابل ليخدمونا مما اضطر جبريل إلى تغيير مسار هبوطه ليسلم أوامر القسم الثاني إلى النبي عزرا/ عزير ورفاقه الأسرى..

وبعد أن فعل بنا الفرس ما فعلناه باليهود وحرقوا بابل وبدأ العتاب بيننا وبين اليهود المساكين شعرنا بالذنب..

ومنذ الفرمان الأول وكلما جاء فرمان شعرنا بالذنب..

نسينا اليهود، وابتلينا بالالتفات لأنفسنا؛ لأن الفرمانات لا تتوقف وكأنها بول مصاب بالسكري.

 

2

والآن المطلوب فتح بعض الأبواب والدخول..

عليك الالتزام بهراء القارئ؛ لألتزم بدوري بهراء الكاتب..

سأفضحك، وهذا هو هراءي، ولستَ ملزما بقراءة فضائحك وهذا هو هراءك..

أول أنثى وآخر أنثى تدخل سوق المخيم الشعبي تقول لها: أنك تدخلين السوق كغزالة شاردة ولا يليق بك هذا المكان، ولا يليق بك سماع كلمات السوق السوقية..

أنت ملتزم بكلماتك ككراس بيد الجنود لتعليم الصولات الليلية، وهذه الكلمات تبدو وكأنها تمهد الطريق لك لفعل شيء وهي بطبيعة الحال وكما تعلم مجرد أكاذيب..

الناس لم تعد تثق بالكلمات..

أنها حتى لا تجبر الخواطر هذه الأيام..

الا تخيفك سرد الحقائق قبل وقوعها؟

يوم أمس كنت في حفلة لأحد شيوخ عشائرنا وقرأت لهم بصوت عالي قصيدة عن ملابسة الداخلية الملوّنة ففرح بها جدا وبدأ يقدم لي قطع صغيرة من مخه بدلا عن مخ الذبيحة التي على طاولة الطعام ويقول بفرح شكرا لأنك أثنيت على طريقة تسريحة شعري.

عندما تكتب الشعر لمن هب ودب سيأتي وقت لا تنسجم فيه مع عضوك التناسلي وسيعتبر الناس شعرك مجرد كلمات ولن يثقوا بذهابك إلى المريخ ضمن وفد لإيجاد علاج لسلاسة البول وإيجاد حل للقضية الفلسطينية التي بالأساس ليست قضية.

 

3

المشروبات الغازية تضر الصحة وكذلك المشروبات الروحية والتبغ والقهوة والملح والسكر..

يثور الناشطين الشباب ويقولون على الحكومات وقف انتاجها فترسل لهم خطاب تعيين براتب مجزي، والإعلاميون يتخبطون فلا يمكنك أن تجعل الثعلب ثعلبا..

لا تحاول أن تعلم شخصا كيف يكتب..

سيكتب بكل الأحوال وستنشر كتاباته وسينال الجوائز وستشعر بالغرور لأنك علمته الكتابة فلا تفعل لأن الكلمات لا قيمة لها..

والجوائز لا قيمة لها..

والمديح لا قيمة له..

فقط ذلك السكير الذي يكون صاحيا لساعة أو ساعتين ويقرا لك ثم يرجوك كمحارب ذاهب إلى حرب عبثية وتحس بالألم في كلماته وهو يقول لك: أرحم عظام جدي وأستمر بالكتابة. حينها ستشعر ببلبلة سوق بابل في داخلك وستخرج لتبحث عن شابة لتراقصها في ذلك المساء ولن تسمع نشرة الأخبار ولا تعير أهمية بالأنواء الحوية وستنسى نصائح طبيبك.

السر لا يكمن في أن تعطي ما تملك لصنعتك..

السر كل السر أن يعثر عليك سكران أو مجنون أو صعلوك ويشتمك ويلعنك ويقول لك ماذا فعلت لك لتوقظني..

ماذا فعلت لك لتكش كل هذه الفراشات البرتقالية نحوي؟

حينها ستبتسم مثلي وستقول: نعم الكلمات لم تعد لها قيمة!

 

4

لتجري مقابلة معي لست بحاجة أن تصبغ شعرك باللون الفضي اللامع لأنك مهما حاولت لن أمنحك نصا يقرص أو يطعن أو يجرح..

قصائدي تجتاح القرى الطينية وتقلب التنانير السومرية رأسا على عقب باحثة عن بقايا خبز يابس للعبور إلى الجهة البعيدة..

شكلنا مثل كلماتنا لم يعد مهما يقول أميتاب باتشان وهو يعبر ساحة سيباى الموحلة حاملا طرف دشداشته البيضاء بيده..

تفحص جيوبك جيدا ففيها بعض حبوب الفيتامينات غير الضرورية كما كلماتك وربمّا ستعثر على مفاتيح غرفة صديقي الفنان مروان الرسام فقد تركها عندي للحالات الحرجة، ويمكنك الذهاب إليه فهو أيضا طباخ ماهر ولكنه لا يجيد التحدث..

مروان يحيل الكلمات إلى لوحات وينتقم من سجائره كأعداء فيقوم بإشعالها واحدة بعد الأخرى، وحبيبته السابقة تلومني لأنه تركها وتقول بأنك حشوت رأسه بكلماتك الفارغة.

لا تهمني كلماتي أن أثارت اهتمامك أو لا، ما يهمني هو أن أثير أنا اهتمامك وأجعل منك معتوها يركض خلف الجوائز.

الذين لا يتكلمون عادة يوافقون على كل شيء..

وما أن تتحرك كلماتهم حتى يتهموك بالمجيء إليهم في الوقت غير المناسب..   

 

 

 

5

بعد الكثير من الحراث ستعثر على احلامك وبعد فوات الأوان ستعلم بأن الأحلام بحاجة لبيت تسكن فيه..

أبوك يريدك مثل القيصر وأنت تتصرف مثل ميكي ماوس وتصر على تنظيف أذانك بعد كلّ أذان..

التسكع أعطى للأحلام رونقا شبيها بالسنابل ..

يقول الغراب الجمال يصلح ليكون بيتا للأحلام ولكن أمسية في العراء ونار متأججة تتخللها عزف سيء على الكيتار يختلف عن ليلة في جبل شنكال مع نار من خشب البلوط وعرق بعشيقي وطنبورة تتراقص وتريك درب بيت الأحلام فتتسلق أول غيمة وتنسى بانك أسرفت في الشرب ..

طرق عديدة للذهاب إلى البيت:

السكر..

التأمل..

العثور على كابوس مناسب..

أو استئجار ليموزين ..

التفكير بالحلول يؤذينا جدا كما الغناء يؤذي ياس خضير..

 

6

عليك أن تشكر أحدهم على كسرة الخبز التي ستتناولها في العشاء وإلا غضب عليك الله وأرسل لك لحم غزال مشوي وبيرة بابلية سوداء..

تتمنى لو تعود فتى في الثالثة عشرة من عمره لا لتتبين سبب قيامك بأول ممارسة للعادة السرية بل للتعرف على ماوكلي ليقينك بأنه يعرف طريق العودة لبيت الأحلام أفضل من كلكامش..

الوحدة هي بيت الفن..

الهدوء هو بيت الأدب..

الجنون هو بيت العبقرية..

أما الأحلام فلها بيوت عديدة بعدد بيوت قرى شنكال الطينية..

بعدد قصائدي..

بعدد لوحات دالي لغالا..

 

 

7

الرقم القياسي لتناول الموز هو لقرد يسكن محبرة كاتب من جنوب أفريقيا لا يهمه ما يجري في شنكال أو سبب تدمير بيت الأحلام ..

والتواصل مع رسامة من بريمن أشبه بتقليد صوت قبال وهو يغني موالا شنكاليا يحكي قصة فرمان عثماني..

شرف وضع قلب الدجاجة المطهي في صحنك لا يعني بأنك تعرف طريق بيت الأحلام الطيني ونصائحي لم تعد مفيدة لك..

لماذا كلما سألنا عن الصغار ترتسم على وجهك بقعة ساخنة من آب..

وكلما سألتك عن السبايا تركض في حقل ثلجي هربا من الجواب الملئ بالسكاكين..

بيت الأحلام زوجة تجيد صنع الخبز في تنور سومري وبيت دافئ يغلي على مدفأته قوري الشاي ومزاج يشبه مزاجي لسحب أكبر كمية ممكنة من دخان الغليون وتحضير دستة أطفال لفرمان قادم..

آه، ما أجمل بيت أحلامي..

آه، ما أرعبه..!