الرجولة ليست عضوآ ذكريآ ولا موقعآ سياسيآ-  بيار روباري

 

مفهوم الرجولة لدينا في الشرق الأوسط، تم تشويهه بشكل مخيف للغاية، بسبب تأثير الأديان وتحكمها بالمنظومة الإجتماعية والأخلاقية والتربوية، ورسخت هذه المنظومة أنظمة الحكم الإستبدادية، وبعض أحزابنا السياسية، وقاموا بتغذية هذه الثقافة المقية سنين طويلة للحفاظ على الوضع كما هو.

دعونا في البدء نعرف مفهوم “الرجولة“، ومن ثم الدخول في صلب موضوع مقالتنا هذه، ولا شك أنه موضوع هام وشائك وحساس، ولا بد من وضعه على طاولة التشريح وتناوله بجرأة.

 

الرجولة: بإختصار هي الأخلاق، عزة النفس، الإيباء، الشهامة، الكرم، القول والفعل الحسن، الجرأة، الإخلاص، الوفاء، العطاء، الإلتزام، الحكمة، التواضع، المودة، تحمل المسؤولية والشدة عند الضرورة، ويعتذر عندما يخطئ. والرجولة تعني أيضآ أن تكون حرآ، وتحترم حرية وخصوصية من هم حولك، وتعيش في بلدٍ يظله الحرية والمساوة. ولا علاقة للرجولة بالحسب والنسب، ولا بالمال، ولا بالشهادة الجامعية، ولا بالعضلات، ولا بالموقع السياسي، ولا بحجم العضو الذكري.

 

لذا لا يمكن إعتبار كل مَن أطلق على نفسه صفة الرجلِ رجلآ، ولا كل ما سمي طيرآ طائرآ وإلا تساوى الباز مع الدجاجة، لأن كليهما ينتميان إلى نفس الفصيل. الرجولة بالمختصر “أدبٌ وتربية قبل أن تكون لقب، والرجل الحقيقي هو ذاك الذي يُعتمد عليه، ويتعلم من أخطائه ويجعلها تعود بالفائدة عليه في النهاية“.

 

وبناء على هذا التعريف الذي أوردناه، كم رجلآ يوجد لدينا بين أبناء الكرد؟ برأي قلة قليلة ولا يتعدى نسبتهم 10%، كأقصى حد. إنه رقمٌ صادم ومخيف حقآ، وسببه نوعية التربية، التي يتلقاها الطفل في البيت وفي المدرسة، وما تقدمه وسائل الإعلام المختلفة وخاصة المرئية منها كالتفزيون من برامج ثقافية وتربوية، وأخيرآ إنضم إليهم وسائل التواصل الإجتماعي والشبكة العنكبوتية.

 

المسؤول الأول والأخير عن هذا الوضع المأساوي، هو السلطة السياسية التي تحكم البلد، وتضع البرامج التعليمية والتربوية، وما تسمح به من بث برامج ثقافية وتربوية عبر الإعلام المرئي. وفي الحالة الكردية المسؤولين عن هذا الوضع، هم المحتلين لكردستان وحكومتي جنوب وغرب كردستان، إضافة للأحزاب السياسية الكردية، والمنظومة الدينية بكل مسمياتها وعناوينها ومذاهبها.

 

وإذا أردنا الخروج من هذا الوضع المزري، وتحرير الرجل الكردي من تلك المفاهيم والقيم المتخلفة

والبالية، علينا في كل من غرب وجنوب كردستان، وضع منظومة تعليمية حديثة ومتطورة تمكن المرء من التفكير خارج الصندوق، وتكف يد الأديان، والعادات المعتة التي عفى الزمان عنها ومضى، وتثقل من كاهل الإنسان الكردي، وتبني قيم إنسانية حديثة تتلاءم مع روح العصر، وتربية النشئ عليها. هذا الأمر ليس صعب التحقيق في الواقع، كل ما في الأمر هو إمتلاك الإرادة السياسية والإيمان بذلك والبدء في العمل، وأولى هذه الخطوات الإبتعاد عن عبودية الأصنام، التي يمارسها أحزابنا الخلابية.

 

يمكنني القول، إن وضع المرأة والرجل الكردي في غرب كردستان، أفضل حالآ من الأجزاء الأخرى وذلك لعدة أسباب، أولآ سيطرة الفكر اليساري على الجماهير الكردية في غرب كردستان، والفضل في ذلك يعود للحزب الشيوعي السوري أولآ، ولحزب العمال الكردستاني ثانيآ، وهذا حد من دور الأديان، وإندثار النظام العشائري والقبائلي المقيت، وزيادة عدد المتعلمين والدارسين، وزيادة الوعي بين الناس وتحديدآ المرأة بفضل حزب العمال (ب ك ك)، الذي أحدث ثورة حقيقة في المجال ومشكورٌ على ذلك.

 

لا شك أن هذا المشروع يحتاج إلى وقت طويل وجهد عظيم، هذا فيما يتعلق بالأجيال المسنة ومتوسطة العمر، ولكن العمل مع الجيل الشاب، لن يأخذ جهدآ ووقتآ طويلآ. وهذا بفضل وسائل الإعلام الحديثة، وسهولة التواصل مع العالم، في أي والوصول إلى المعلومات في أي لحظة يريدون. ومن هنا فإن قيمه ومبادئه ونظرته للحياة والعالم تختلف عن الأباء والأجداد. العقبة الوحيدة، برأي هي السلطة المستبدة في كل من جنوب وغرب كردستان، التي تكبت الحريات، وتفرض لونآ واحدآ على المجتمع، لهذا الخطوة الأولى التي يجب القيام بها، هي فتح المجال أمام الحريات العامة، وحرية الرأي، وإنهاء الحكم العائلي والحكم الأيدلوجي. وعلينا أن نركز على الأجيال الشابة بالأساس، لأنهم هم  مستقبل هذه الإمة العظيمة.

 

قال غاليليو، عالم الفلك والفيلسوف والفيزيائي الإيطالي المشهور:

“لا تستطيع أن تُعلم رجلاً أي شيء، ولكنك تستطيع أن تساعده على إكتشاف ذلك الشيء. إن طبيعة الرجل لا تسمح له بالتغير إلا في حالات نادرة. ويمكننا القول بأن الرجل “لا يتغير” بل “يتطور” أو “يتقدم”. ولذلك، على المرأة ألا تحاول تغيير زوجها، بل عليها أن تساعده على تطوير وتنمية ذاته”.

 

والمرأة كإم، عليها دور كبير في هذا المجال، ولا يجوز لها أن تميز بين أطفالها البنات والذكور، وتزرع فيهم روح المساوة والمحبة. وتعلم الذكور أنهم جزء من المرأة وليس العكس. وبأن الرجولة لا تعني قوة العضلات، ولا طول اللسان ومد اليد على الأخرين، وإنما هي العطاء وإحترام الأخر وإحتضانه، والرفق بالمرأة والتواضع.

 

الأنثى تود أن ترى الرجل على الشكل الأتي: سندآ لها وحضنآ دافئ ويمنحها الأمان، وليس عقبة في تحقيق ذاتها وغاصبآ لها ومصدرآ للوجعٍ الدائم.

وإذا عاد للبيت (زوجة، حبيبة)، حتى لو لم يحمل باقة وردٍ في يده، يكفي أن يحييها بكلامٍ رقيقٍ جميل، ثم يحضنها ويقبل يدها قبل أن يقبل ثغرها المائي. ومن بعدها يبدي ملاحظة حول تصفيف شعرها، أو ثوبها أو نوع العطر الذي تعطرت به، ومن بعدها السؤال عن عملها، ويأخذها من خصرها ويتجه بها نحو الصالون، والجلسوس معآ لبعض الدقائق، ولا يبدأ عودته بالسؤال عن الطعام، كما يفعل أكثرية رجالنا للأسف.

معنى هذا الكلام، أن الرجولة ليست كلامآ يا معشر الرجال، بل هي ممارسة يومية يشعر بها المقابل ويلمسها لمس اليد، ويراها بالعين المجردة والفؤاد المتقد.

 

ختامآ، أتمنى أن تصل رسالتي إلى كافة الأطراف ذوي العلاقة، وهم الرجال الكرد، ثانيآ المسؤولين السياسيين، الإمهات والتربويين، المشرفين على الإعلام وخاصة المرئي منه.

مع الحب والتحية.

 

01 – 07 – 2020