القضية الكردية وبازار المصالح الدولية – غرب كردستان نموذجآ-  بيار روباري

 

على ما بدو بأن مقولة التاريخ لا يكرر نفسه، لا تنطبق على الشعب الكردي وقضيته القومية العادلة. وهذا واضح من خلال غياب الكرد القسري عن جميع المؤتمرات الدولية، التي ناقشت وتناقش مصير سوريا ومستقبلها، التي يشكل الكرد فيها، ثاني أكبر قومية بعد العرب.

 

السؤال الكبير:

كيف حدث ويحدث هذا، رغم التضحيات الجسام، التي قدمها الكرد ضد التنظيمات الإرهابية، ومن يتحمل مسؤولية ذلك؟ وهل ستعيد القوى الدولية والإقليمية نفس الكرة مع الكرد، وتمرر مصالحها على ظهر قضيتهم مثلما فعلت ذلك مراتٍ ومرات في الماضي؟

 

الإجابة على هذا التساؤل ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول:

من خلال نظرة سريعة للتاريخ الكردي المعاصر، يدرك المرء بأن القضية الكردية كانت على الدوام سلعة للبزار السياسي للقوى الدولية والإقليمية، وتاجرت بها كلما إقتضت مصالحها ذلك. وعلى ما يبدو إن التاريخ يعيد نفسه مرة إخرى مع الكرد، ولو في ظروف كردية مختلفة بعض الشيئ.

صحيح إن الوضع الكردي الحالي مختلف عن ما كان عليه ما قبل مئة عام، لكن الكرد لا يزالون يعانون من نفس المشاكل والأمراض تقريبآ. وجبهة أعداء الكرد هي نفسها تقريبآ، (تركيا، إيران، سوريا) والذي تغير فقط هو خروج العراق من جبهة الأعداء على الأقل رسميآ. واللاعبين الدوليين المؤثرين في قضيتهم (أمريكا، روسيا، بريطانيا، فرنسا)هم أيضآ أنفسهم.

 

فأمريكا وروسيا لقد تاجروا بالقضية الكردية في محطات كثيرة، وتسببوا للكرد بمأسي لا حصرة لها خلال المئة العام الماضية. ولقد تحدثت عن العلاقة الأمريكية – الكردية وإشكالاتها، والعلاقات الروسية الكردية في مقالات سابقة، ولا أرى حاجة إلى سرد تلك التفاصيل هنا مجددآ. وسأكتفي بالحديث هنا، فقط حول كيفية تعامل هاتين الدولتين مع الكرد في غرب كردستان (سوريا).

فالولايات المتحدة الأمريكية، رفضت في البدء التعامل نهائيآ مع الطرف الكردي الفاعل على الأرض حزب الإتحاد الديمقراطي (ب ي د)، ووصفته بالإرهاب، وحرضت عليه بقية القوى السياسية الكردية، وطلبت منهم بعدم التعامل معه. ومع تطور الأوضاع على الأرض، إضطرت أمريكا لتغير سياستها من (ب ي د) وجناحه العسكري قوات الحماية الشعبية (ي ب ك)، وفتح خطوط الإتصال معها، ولاحقآ التنسيق والعمل معها لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي في سوريا.

 

ولكنها رفضت وترفض إلى الأن، فتح علاقة سياسية مع الكرد والتعامل بنفس السوية مع الإدارة الذاتية. ورفضت تقديم الغطاء الجوي للقوات الكردية المتجهة لمدينة الباب بعد تحرير مدينة منبج. وطلبت من قوات سوريا الديمقراطية (ق س د)، التوجه نحو مدينة الرقة، عاصمة ما تسمى بدولة داعش. وعندما رفض الكرد ذلك، وطالبوا بتحرير الباب أولآ، شاهدنا قصفآ تركيآ بالطيران، لمواقع (ق س د) في ذات المنطقة بعد أيام قليلة من ذلك، وسط صمتٍ أمريكي مريب!

وتبع ذلك تدخلآ تركيآ عسكريآ مباشرآ في الصراع السوري، من خلال إحتلالها لمدينة جرابلس بالإتفاق المسبق مع روسيا وأمريكا والنظام السوري، وتنسيق كامل مع تنظيم داعش المجرم، الذي سلم المدينة دون إطلاق طلقة واحدة. وهذا ما دفع بالكرد الموافقة على الذهاب مع الأمريكان إلى جبهة الرقة، مع وعد بعدم السماح للأتراك بخول مدينة الباب من قبل الأمريكان، ولكن الذي حدث هو أن الأمريكان حنثوا بوعدهم، وسمحوا لحليفتهم في الناتو بدخول المدينة وإحتلالها كاملة، والتهديد بإحتلال منبج المحررة من داعش، والتوجه نحو الرقة معقل داعش.

 

وفوق هذا وذاك، لم تفعل أمريكا والروس شيئآ، من أجمل مشاركة الكرد في محادثات جنيف الجارية بين النظام والفصائل المعارضة له، والتي سيتم فيها بحث مستبقل البلد. وهذا يؤكد مدى كذب ونفاق الطرفيين الروسي والأمريكي، وخداعهما للكرد والتضحية بهم وقضيتهم من أجل تحقيق مصالحهم الخاصة. وغياب الكرد عن المفاوضات تعني تجاهل وجود الشعب الكردي، وعدم الإعتراف به من قبل النظام السوري والمعارضة العربية على حدٍ سواء. ولا أظن يمكن حل الأزمة السورية الدامية، من دون حل القضية الكردية، ورحيل نظام القتل والإجرام، وإنشاء نظام ديمقراطي حقيقي مكانه، بعيد عن الأخونة والدولة الدينية والقومية العنصرية والطائفية، التي حكمت البلد حوالي ما يقارب المئة عامآ، وحولت البلد إلى سجن كبير.

 

القسم الثاني:

رغم خروج القضية الكردية من حالة التعتيم الإعلامي التام، وبروزها كقضية إقليمية كبرى، وحصول الكرد على أكثرية حقوقهم القومية والسياسية في جنوب كردستان  وسيطرة الكرد على 80% من أراضيهم في غرب كردستان، وتأسيس كياني خاص خاص بهم، إلا أن حركة التحرر الوطني الكردية، مازالت تعاني من نفس المشاكل والأمراض، التي كانت تعاني منها قبل مئة عام. فالمصالح الشخصية والأنانية مازالت تلعب دورآ رئيسيآ، في تشرذم القوى السياسية الكردستانية، ومن ثم المصالح العائلية والحزبية الضيقة، وثالثآ، إختراق الأحزاب السياسية من قبل الأنظمة المحتلة لكردستان، ورابعآ، الضغوط الخارجية، التي تمارسها الدول الإقليمية والدولية الكبرى على مختلف القوى الكردية. كل ذلك تسبب في حالة التشرذم، التي تعيشها هذه الأحزاب والقوى،

 

وهي عاجزة اليوم عن توحيد صفوفها وخطابها السياسي، وتحديد أهدافها ومطالبها من النظام السورية والمعارضة معآ، ولهذا فشلت في إبرام إتفاق سياسي معهما، بحيث يضمن حقوق الشعب الكردي في سوريا المستقبل.

 

لقد إستغل أعداء الكرد وخصومهم، التشرذم الكردي أفضل إستغلال، وخير دليل ذلك، هو الإئتلاف الوطني السوري في حالة الكرد في غرب كردستان، والحكومة العراقية المركزية، في حالة الكرد في جنوب كردستان. والأسوء من كل هذا، هو تعاون بعض الأطراف الكردية مع أعداء إمتهم، والإرتماء في أحضان دول محتلة لوطنهم، والوقوف موقف العداء ضد قسم من شعبهم دون خجل!!!

ولهذا لا يمكن تحميل القوى الإقليمية والدولية لوحدهم، مسؤولية غياب الكرد عن جنيف، وتبرئة القيادات الكردية من ذلك.

 

لماذا مشاركة الكرد كوفد مستقل عن المعارضة والنظام مهمة وضرورية؟

رغم قناعتي الشخصية التامة، بأن النظام الأسدي ليس جادآ في البحث عن مخرج للأزمة السورية، وبالتالي هو ليس معني بدستور جديد يضع سوريا على سكة الخلاص من نظامه الإجرامي الطائفي المقيت. هو باب سد اللوم حضر ويحضر إجتماعات جنيف المتعلقة بمستقبل سوريا، وإيجاد قواسم مشتركة مع المعارضة لإنهاء الوضع المأساوي الذي أوصل البلد إليه هذا الطاغية والعصابة التي تشاركه الحكم.

ورغم ذلك مشاركة الكرد ضرورية ومهمة لسببين:

السبب الأول:

إن حضور وفد كردي مستقل، يعني إعتراف النظام ومعارضيه بوجود الشعب الكردي في سوريا، وهذه النقطة مهمة للغاية. ووجود شعب يعني وجود أرض خاصة به، وهنا نعني بذلك “غرب كردسان”. وهذا ما سيحدد شكل وعمق الحقوق القومية الكردية والسياسية والدستورية. أما حضور بعض إمعات الكرد ضمن وفد المعارضة الإستطنبولية ووفد النظام، يعني لا وجود للشعب الكردي وإنما مواطنين كرد، كما أعلن الطاغية مرارآ وأقطاب المعارضة.

السبب الثاني:

إن مشاركة وفد كردي مستقل في مفاواضات جنيف، يضع القضية الشعب الكردي بسوريا والذي يبلغ تعداده أكثر من ستة ملايين إنسان، على طاولة المفاواضات وضمن الأجندة الرئيسية، وتكون مهمة الوفد الكردي هو الدفاع عن حقوق شعبه أولآ وأخير وفي إطار سوريا فدرالية وأن يكون “لقوات سوريا الديمقراطية” وضعها الخاص، وتضمين كل ذلك في الدستور الجديد. وليس الإلتهاء بمن سيجلس مكان الأسد وعصابته. لأن المعارضن هم أسوأ من النظام فيما يخص حقوق الشعب والديمقراطية.

 

ومن هنا يجب على المتفاوضين الكرد الإنسحاب من وفدي المعارضة والنظام، وتشكيل فريق كردي واحد، يضم ممثلين عن الأحزاب السياسية والمستقلين، ويدعمهم مجموعة من الخبراء في القانون الدولي والأنظمة الفدرالية، وخبراء في تاريخ إقليم غرب كردستان وجغرافيته والوجود الكردي خارج الإقليم، وحبراء دستوريين على مستوى عال. ويجب رسم حدود إقليم غرب كردستان وعرضه على الطرف الأخر دون خوف، ودعم هذا الفريق بطاقم إعلامي جدير ومحترف وذو خبرة عالية ومحترمة. وأي دستور يتفق عليه يجب عرضه الشعب الكردي فإن رفضه، سقط الدستور. هكذا يجب أن نعمل وحتى نستعين بخبرات الأخرين كالأوروبيين.

 

في الختام، لا بد من وضع القوى السياسية الكردية الرئيسية، الموجودة على الساحة الكردستانية أمام مسؤوليتها الناريخية، كي لا تقول يومآ ما، ياليتنا فعلنا هذا ولم نفعل ذاك. إن التاريخ لن يسامحهم إن لم يغيروا من سياستهم، التي لعبت دورآ سلبيآ، في عدم إتفاقهم والعمل سويآ من أجل خدمة شعبهم وقضيته العادلة. والشخصيات الكردية التي شاركت في وفود المعارضة السورية والنظام معآ، ليسوا أكثر من كومبارس، يؤدون دور المهرج لا أكثر.

مشاركة الكرد في اللجنة الدستورية كأحد الأطراف الرئيسية، ضرورة حيوية للشعب ومصيرية. لأن الدستور القادم هو ما سيحدد مستقبل البلد والكرد معه. وهنا السؤال المطروح: مَن الذي يمنع مشاركة الكرد كطرفي رئيسي في هذه اللجنة الدستورية وحضور جلسات التفاوض بين المعارضة والنظام؟ وأي الروسي والأمريكي والأوروبي من ذلك؟ أعتقد الإجابة على هذا التساؤل لا يحتاج إلى الإجابة للكثير من الذكاء.

 

************

One Comment on “القضية الكردية وبازار المصالح الدولية – غرب كردستان نموذجآ-  بيار روباري”

  1. الكاتب و الباحث بيار روباري تطرق الى موضوع غرب كوردستان وقدم ملاحظات ونصائح وارشادات مفيدة ومهم جدا عن مشكلة الكورد والبالغ عددهم اكثر من 6 مليون و عن خداع روسيا وامريكا و بريطانيا واستخدام الكورد كورقة رخيصة لاجل مصالحهم واهدافهم السياسية و الهيمنة على المواد الطبيعية ” النفط والغاز ” وغيرها وحذر الكورد في التعامل مع هذه القوى بحذر ويقظة واكد عل ضرورة المشاركة في الاجتماعات والمؤتمرات ” كوفد من خبراء الكورد ” حاملين نقاط البحث الخاصة بحقوقهم العادلة و المشروعة .. ابارك الكاتب على هذا الموضوع المهم والمهم جدا ونرجو ان يستفيد اصحاب القرار في غرب كوردستان من هذا الموضوع ومن المواضيع الاخرى والذي ينشر من قبل كتاب ومفكرين واعلامين الكورد وغير الكورد في ” صوت كوردستان ” صوت الامة الكوردية .

Comments are closed.