رحيل مبدع يعادل سقوط كوكب – بيار روباري

 

لا أبالغ إن قلت إن رحيل مبدع حقيقي، وصاحب إرث فني أو أدبي أو علمي، يعادل سقوط كوكب بحاله. والفنان القدير “سمير غانم” رحمه الله، هو واحد من هؤلاء المبدعين الموهبين، ورحيله خسارة للإنسانية جمعاء، وليست فقط لعائلته الصغيرة وبلده مصر.

عائلة الفنان سمير هي أكبر بكثير من ذلك، أي زوجته وبناته وإخوته، فعائلته كل من شاهد أعماله الفنية الراقية وإستمتع بها، وخاصة المسرحية منها. فقد كان الراحل فنانآ مسرحيآ من الطراز الأول، وتحديدآ في الكوميديا.

لقد ملئ الدنيا فرحآ وضحكة وبسمة، هذا الفنان الرائع والمتواضع. شخصيآ أنا واحدآ من شباب جيلي من الكرد بروزأفا، الذين تأثروا بالفنان “سمير غانم” وتثقفوا على فنه ومسرحياته وإستمتعوا بها كثيرآ. كان هذا الفنان الجميل عملاقآ على خشبة المسرح وقدوة للكثيرين من الفانيين المبتدئين. الرحمة على روحه وطيب ثراه، ولا شك أنه سيخلد كأحد عباقرة الكوميديا في منتطقتنا.

المبدع أيآ كان مجال إبداعه، هو قنديل يضيئ درب إمته والإنسانية، والراحل سمير غانم واحد من هذه القناديل. وكلما كثرت قناديل الشعبٍ، كلما كان أكثر تطورآ ورقيآ ووعيآ. ولولا المبدعيين، لكانت الحياة على كوكبنا هذا، كريهة وسوداء وقاسية كصحراء جرداء، لا ماء فيها ولا خضار ولا حياة.

ما هو الإبداع؟

الإبداع بكلمات مختصرة، هو الإتيان بشيئ جديد في مجال ما من مجالات الحياة، أو إعادة صياغة الحاضر وتقديمه بمضمون وشكل أخر مضافآ إليه شيئآ جديدآ، حتى يكون أكثر حداثة وتطورآ من السابق. والإبداع في أساسه موهبة، يضاف إليها الإجتهاد الشخصي، الممارسة، التجربة، الخبرة، الرغبة والثقة بالنفس أيضآ مطلوبة.

الإبداع يخطو بالإنسان إلى مستويات أعلى، ويرتقي بدرجات تفكيره ويستدعي تحرير الطاقة الذهنية وتفجيرها، وهذا يحرر الشخص المبدع من الخمول والكسل العقلي. هذا إلى جانب تنمية قدراته العقلية، وتنظيم طاقاته وصقل مهاراته، وهذا يجعل من الأشخاص الموهيبين، يبدعون وهذا يعطيهم ثقة زيادة بالنفس، والتطلع إلى الأمام بروح عالية.

أهمية الإبداع:

إن أهمية الإبداع في حياة الإنسانية، يكمن في خلق الجديد والقيام بإكتشافات جديدة، كما هو طريق التطور والتقدم في كل مجال من مجالات الحياة المختلفة. الهدف من الإبداع هو تحسين مستوى حياة الإنسان روحيآ وماديآ. وكلما كان الإنسان مبدعآ، كلما زاد تطلعه للأفضل، ويكبر طموحه ويسعى لتحقيق المزيد من الجديد والأفضل.

والأهمية الثانية للإبداع هو الإرتقاء بالمجتمع عن طريق تشجيع الأفراد على الكتابة والقراءة والتعليم، كما يعمل على تنمية المعرف الإنسانية. ويجعل الإبداع العمل مثمراً في وسط الجماعة مما يؤدي لنمو روح العمل.

مراحل الإبداع: للإبداع عدة مراحل منها:

1- تهيئة الإنسان:

تعد مرحلة التهيئة من أهم المراحل في الإبداع الإنساني، وتتم من خلال تعليم الأطفال تعليمآ جيدآ في جميع المراحل المدرسية. وثانيآ، الإهتمام الشخصي في إكتساب العلم والمعرفة من خلال القراءة، وأخذ بعض الدورات المتخصصة، ومن دون العلم والمعرفة لا يوجد إبداع.

 

2- مرحلة الاختمار:

كل ما يتلقاه الإنسان تندمج مع أحساسيه وأنسجة دماغه وتترسب وتنتظر لحظتها المناسبة للتحول إلى عمل ملموس. في لحظة ما تنفجر هذه الملومات والأحاسيس في عقل الشخص المبدع على شكل لحن، أغنية، قصيدة، رواية، لوحة، ألة، جهاز، فكرة، قصة، مسرحية، ….. إلخ. ومرحلة الاختمار تعد من أكثر المراحل صعوبة، حيث يكون الذهن قلق وغير مستقر.

 

مرحلة الإلهام:

الإلهام، هي لحظة إنفجار أو تحول تلك المعلومات والصور والأحاسيس، التي خزنها العقل المبدع وأحاسيسه، إلى عمل جديد في مضمونه وفكرته ونصوصه وعمله. الإلهام يحدث بشكلين حسب رأي: الشكل الأول:

يحدث نتيجة تعرض الإنسان لموقف غريب ومفاجئ فيتفجر عقله على شكل عمل أدبي أو فني أو إبتكار جهاز جديد أو طريقة جديدة أو نظرية.

الشكل الثاني:

هو ورود فكرة أو صورة أو عمل فني أو أدبي إلى العقل دون إنتظار ذلك. وفي كلا الحالتين المصدر هو داخل الشخص المبدع في تلك اللحظة وليس محيطه. عند الكتابة والقيام بعمل فني، ينظر المبدع لداخله فقط. والوقت في كلا الحالتين غير معروف، ولا مضمون الموضوع الذي سيرد إلى عقل المبدع، ولا بأي لغة سيأتي إن كان متعدد اللغات.

 

مرحلة التحقق:

في هذه المرحلة تتحول تلك المعلومات والصور والحواس المخزونة، إلى فكرة واضحة وتولد كأي كائن حي، وبحاجة لرعاية الشخص المبدع، والعمل عليه وتنقيته وإعطائه صيغة نهائية، ومن ثم التأكد من فائدته وجدواه وتأثيره على المجتمع.

 

أنواع الإبداع

للإبداع عدة أنواع منها:

1- الإبداع الفني:

الإبداع الفني هو إمتلاك المبدع موهبة فنية خاصة يستطيع من خلالها، الخروج بلوحات فنية غنائية، موسيقية، رسم، نحت، تصوير، إخراج، وغيرها من اللوحات أو الأعمال الفنية. وهم فئة من المبدعين يرتقون بالذوق العام ووعيه وهي أعمال تلبي حاجات الإنسان الروحية.

2- الإبداع التعبيري:

الأشخاص الذين يملكون موهبة التعبير، يتميزون بقدرتهم على تحويل مأسي الناس وأفراحهم ورغباتهم وأحاسيسهم بالأشياء وأمالهم، إلى أعمال أدبية جميلة وممتعة، على شكل قصيدة، قصة، رواية، حكاية، حكمة، قول مأثور، كتاب، منشور … الخ. وبجانب هؤلاء المبدعين الفنانين، هم أكثر الناس تأثيرآ في المجتمع وهم ذاكرته أيضآ.

3- الإبداع الإنتاجي:

يتميز الأشخاص المبدعون إنتاجياً، أنهم قادرين على ابتكار الأجهزة والألات والمعدات والطرق الحديثة لزيادة الإنتاج وتوفير التكاليف. وهناك مبدعين أخرين قادرين على إبتكار حلول إدارية غير تقليدية لحل المشاكل، في العمل بهدف تحسين شروط العمل وزيادة الإنتاج.

4- الإبداع الخلاق:

هو نوع من الإبداع يتميز أصحابه بموهبة فريدة، يستطيعون من خلالها إيجاد الحلول لأصعب المشاكل.

الإبداع المتجدد:

يتميز بعض الأشخاص المبدعين بموهبة غير موجودة عند أقرانهم، وهي قدرتهم على الإبداع المتجدد، أي إيجاد الحلول المثالية والجذرية للمشكلات. والفئة الأخرى تبدع في تطوير نفسها وتجدد في عملها، وفي كل مرة تأتي بشيئ جديد.

 

بعد هذا العرض سؤالي هو: أين هم المبدعين الكرد وكم نملك منهم على كل صعيد؟؟

 

يؤسفني أن أقول نحن الكرد فقراء جدآ بالمبدعين وفي جميع المجالات. كم عالم فيزياء لدينا؟ كم عالم رياضيات لدينا؟ كم فيلسوف لدينا؟ كم عالم فلك عندنا؟ كم مختر أدوية عندنا؟ كم مخترع في التكنلوجيا والطيران عندنا؟ كم شاعر وكاتب مرموق يعتد بهم عندنا؟ وقس على ذلك. أما أنصاف الكتاب والشعراء والمؤرخين والفلاسفة والعلماء والمغنين والموسيقيين ما أكثرهم.

نحن أثريا بعدد دكاكين السياسة (الأحزاب)، والسياسيين اللصوص الذين يتاجرون بمأسي شعبنا الكردي وبناء مزارع وإمارات خاصة بهم. الشعب الكردي خلال تاريخه الطويل أنجب الكثير من المبدعين لكن أكثريتهم خدموا أعداء إمتهم للأسف الشديد مثل: “محمد كرد علي، يشار كمال، صلاح الدين الأيوبي، ابن تيمية، محمد علي باشا، ابراهيم تاتلس، خالد تاجا، معروف الرصافي، أحمد شوقي، منى واصف، علي بدرخان، محمود المليجي، هيكل، العقاد، …. إلخ”.

كيف يمكن للشعب الكردي إمتلاك مبدعين حقيقين، وقادة الكرد التجار يحاربون المثقفين الكرد (علماء، أدباء، فنانين، مخترعين، صحفيين، ..) في لقمة عيشهم ويهددونهم كل يوم في أبنائهم وعوائلهم، ويفرضون تعتيم إعلامي عليهم. ويحيطون أنفسهم بمجموعة من الأبواق الرخيصة، بل هم عاهرات ومستعدين لفعل كل الموبيقات من أجل المال والمنصب.

لن تتحرر الإمة الكردية مِن ما هي فيها، ما لم تمتلك الألاف من العلماء والأدباء والفنانين والمخترعين في كل مجالات الحياة، وما لم يسود مناخ من الحرية والديمقراطية، وإستلام دفة القيادة سياسيين شرفاء مخلصين لشعبهم الكردي ووطنهم كردستان.

 

في الختام، الف رحمة على روح أيقونة الكوميديا المصرية الراحل « سمير غانم» وسلام يا صاحبي.

 

21 – 05 – 2021