لا يخفى على أحد أن ما يحدث من تغيرات مناخية كبيرة وتشمل كل أنحاء العالم، هو من صنع يد البشر. الإنسان أكبر وحش عرفه الكون عبر التاريخ، ونتيجة لجشعه وطمعه الذي لا حدود له، بنى مصانع صناعية ضخمة، تطلق يوميآ ألاف الأطنان من الغازات السامة في الهواء، مما تسببت بإرتفاع درجات الحرارة ونتج عن الإحتباس الحراري، وإحداث ثقب كبير في طبقة الأوزون التي تحيط بالكرة لأرضية وتحميها.
هذا عدا عن إفراغ ألاف الأطنان من المواد السامة في الأنهار والبحيرات والجداول، مما أدى إلى تلوث مياه الأنهر والقضاء على الحياة فيها. ليس هذا وحسب وإنما بدأت تشكل خطرآ على البيئة وحياة الإنسان ذاته وكافة الكائنات الحية معه. ويضاف إلى ذلك دفن النفايات النووية في باطن الأرض، مما أدى إلى تسربها إلى بأعماق الأرض وإختلاطها بالمياه الجوفية، التي تشكل المصدر الرئيسي لمياه الشرب للعديد من دول العالم وشعوبها.
هذا وجه من أوجه المشكلة والوجه الثاني، هو عوادم ملايين السيارات حول العالم والطائرات والسفن والبواخر. والكثيرين من لا يعون كم الغازات السامة التي يضخها هذه الأليات في الهواء يوميآ. وكميات الأسمدة الكيماوية الضخمة، التي تضخ سنويآ في التربة لزيادة الإنتاج والقضاء على الحشائش، وروث البقر الذي يؤثر تأثيرآ سلبيآ على المناخ والطبيعة، والوجه الثالث هو قطع الأشجار بشكل مرعب بهدف البيع من قبل العصابات، مما أدى إلى تصحر مساحات واسعة من الأراضي بفعل ذلك إضافة إلى الجفاف الذي تشهدة العديد من المناطق.
كل هذه العوامل وغيرها، أدت إلى إرتفاع درجات الحرارة على كوكب الأرض مما أدى إلى إنهيار الجبال الثلجية في القطب الشمالي، وإحداث تغيرات بيئية حادة، تسببت في إضرابات مناخية متعددة الأشكال منها الفيضانات وإرتفاع درجات الحرارة في مناطق غير معهودة. ففي الوقت الذي تغرق أوروبا تحت الفياضنات، أمريكا الشمالية التي كانت تعرف ببرودة أجوائها تعاني من الجفاف وإرتفاع حاد في درجات الحرارة التي وصلت إلى أرقام قياسية غير مسبوقة بالتاريخ. حيث وصلت درجات الحرارة في الغرب الكندي والأمريكي إلى 50 درجة مئوية. والجفاف دفعت بكل من ولاية أوريغون وواشنطن الأمريكيتين إلى تقنين مياه الشرب!!!
وما شهدته ألمانيا وبلجيكا وهولندا خلال الأيام الماضية من هطول أمطار غزيرة تخطت حاجز (150) ملليمتراً في اليوم الواحد، وشكلت موجة فيضانات عارمة وسريعة جرفت معها مئات السيارات والبيوت وعشرات الجسور في طريقها. وتخطى عدد ضحاياها (150) شخص، والتهديد قائماً ما لم نخفض نسبة إنبعاث ثاني أكسيد الكربون بنسبة معقولة. في ظل هذه التغيرات المناخية الحادة من الصعب التكهن مسبقآ بحدوث مثل هذه الفيضانات، رغم التقنيات العالية التي يملكها هذه البلدان لمراقبة حالة الجو. خذوا مثلآ ما يحدث الأن في الصين من فيضانات ضخمة ومخيفة.
وأكدت المعلومات التي نشرها المراصد الجوية الأوروبية، أن كمية الرطوبة التي تدفقت إلى وسط غرب أوروبا آتت من البحر المتوسط والقابلة للتساقط، كانت كبيرة للغاية وبحسب العلماء يمكن مقارنتها بتلك التي سجلت على السواحل الأميركية المطلة على خليج المكسيك أثناء إجتياح الأعاصير لها. والأمطار الغزيرة التي هطلت فوق غرب المانيا وشرق بلجيكا وجنوب هولندا، يتوافق مع توقعات العلماء وتحذيراتهم حول عواقب ارتفاع درجات الحرارة نتيجة تغير المناخ بفعل الأنشطة البشرية. حيث أن كل إرتفاع في درجات الحرارة بمعدل درجة (1%) مئوية واحدة، يزيد من قدرة الهواء على حمل الرطوبة تصل إلى معدل 7% في المائة. كما إن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة معدلات تبخر المياه بشكل أسرع من على سطح الأرض.
لا شك بأن العوامل الطبيعة والتغير المناخي ليست وحدها هي المسؤولة عما حصل من فيضانات، بل هناك دور مباشر للإنسان في حدوث ذلك، وهذا عبر إنشاء مباني، طرق، مصانع، مزارع، بنى تحتية متنوعة في مجاري السيول والمناطق الطبيعية المؤهلة بالسكان لاحتواء مياه الفيضانات. وللحيلولة دون تكرار ذلك، يجب توسيع مجاري الأنهر وتعميقها وتقوية السواتر الترابية المحاذية لها ورفع سقفها، وتجنب بناء المساكن مباشرة على شواطئ الأنهر والوديان. أعتقد أُهملت هذه الإمور في الماضي، وبات من الضروري تلافي مثل هذه الحالات، والإستعداد بشكل أفضل للتعامل مع أثار الفيضانات التدميرية.
قبل يوم من حدوث الفيضانات أعلن الاتحاد الأوروبي عن خطة مناخية قوية وواسعة وأعتقد ما حدث سيخفف من معارضة الرافضين للمشروع وشروطه القاسية التي تفرضها لخفض الانبعاثات الكربونية.
والحق يقال إن الدول الأوروبية وشعوبها هي الأكثر وعيآ بمخاطر التغير المناخي، وشاهدنا أن هذه الدول نفسها هي الأكثر إلتزامآ بإتفاقية المناخ الدولية التي وقع عليها أكثرية دول العالم. ولكن سياسة ترامب الحمقاء وإنسحابه منها، أضعف جهود القائمين على الإتفاقية وتطبيقها. وحسنآ فعل الرئيس بايدن عندما أعلن عن عودة أمريكا إلى الإتفاقية والإلتزام ببنودها. ولا يمكن حل معضلة المناخ بشكل منفرد، لا بد من تضافر جهود جميع الدول وخاصة الصناعية منها وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، بريطانيا، فرنسا، المانيا، روسيا، إيطاليا، اليابان، كندا، السويد، كوريا الجنوبية، الهند وبرازيل.
حالة الطقس التي رأينها مؤخرآ فوق غرب أوروبا وشمال غرب أميركا خلال الإسبوع الماضي برأي مؤشراً واضح على ما ينتظرنا من أحوال جوية سيئة وقاسية في المستقبل، ولا شك فيه إن كوارث تغير المناخ ستطال جميع الدول والمناطقلاولن تفرق بين بلد صناعي أو بلد نامي. وما لم نقم نحن البشر بتغير إسلوب حياتنا بشكل جذري، لن نستطيع تجنب الكوارث المناخية المتقلبة، فإن المجتمعات البشرية ستبقى محكومة عليها العيش مع المأسي.
في الختام، حل معضلة المناخ تقع على عاتق الدول الصناعية بالدرجة الأولى، وهي يجب أن تتكفل بتحمل مسؤولية ذلك كونها هي من تسببت بهذه الكارثة، ولا يجوز تحميل العبئ للدول الفقيرة نهائيآ.
21 – 07 – 2021

