مدينة مبوگ كانت مدينة كردية وستظل كذلك – دراسة تاريخية – الجزء الأول-  بيار روباري

 

Bajarê Mabug kurdî bû û wê wisa jî bimîne

هذه الدراسة المقتضبة والمكثفة، التي تتناول هوية وتاريخ مدينة “مبوگ” تتناول النقاط الرئيسية التالية:

1- تمهيد.

2- جغرافية مدينة مبوگ.

3- أهمية مدينة مبوگ.

4- تاريخ مدينة مبوگ.

5- وضع المرأة في مدينة مبوگ.

6- العبادات في مبوگ.

7 أشهر الأعياد المقدسة في مبوگ.

8- أثار مدينة مبوگ.

9- ثامنآ، قلعة نجم.

10- أصل تسمية مبوگ ومعناها.

11- الخلاصة.

أولآ، تمهيد:

تاريخ بلاد الكرد (منطقة شرق الأوسط) القديم والحديث، يؤكد أن وطن الكرد كان على الدوام محل صراعات إقليمية ودولية ومطمع جميع القوى الإستعمارية، وهذا الوضع لم يتغير منذ ألاف السنين لليوم وبدليل صراع الأتراك اليوم والنظام الأسدي ونظامي الملالي الفارسي وروسيا وأمريكا وبقية القوى الكبرى في العالم على هذا الوطن، ولن تتوقف هذه القوى عن مسعاها لبسط نفوذها عليه والتحكم فيه، بسبب موقعه الجغرافي الإستراتيجي المهم جدآ والفريد، وما لم يتحرر الشعب الكردي ويستقل بنفسه، ويبني دولة مستقلة وتتحول كردستان إلى قوة إقتصادية وعسكرية وتكنالوجية إقليمية كبيرة يهابها الجميع فهذه السياسة الإستعمارية التوسعية لن تتوقف.

موقع كردستان يمنح لمن يسيطر عليها، الإمكانية للتحكم بمصير الشرق الأوسط، كونها تتوسط بين ثلاثة قارات (أسيا، أوروبا وأفريقيا)، وهذا الموقع ذاته كان أحد الأسباب الرئيسية في تعرض الشعب الكردي عبر التاريخ للغزوات ووطنه للإحتلال عشرات المرات، وفي النهاية قام المحتلين العرب، الأتراك، الفرس والروس بتقسيمه تقسيمآ شيطانيآ إلى عدة خمسة أجزاء.

وقبل ألاف السنين، أيضآ كانت كردستان مطمعآ للقوى المجاورة للشعب الخوري أسلاف الكرد، مثل الأشوريين، البابليين، المصريين، الأموريين، الكنعانيين، شعوب البحر، …. إلخ، وذلك لأسباب عديدة منها خصوبة سهول كردستان وهضابها وغناها بالأنهر والبحيرات وينابيع المياه الصالحة للشرب، وغناها بالثروات الطبيعية مثل الحديد والنحاس والفحم الحجري والأخشاب، وتنوع طبيعتها وإمتلاك جبالهاغطاءً نباتيآ شكل مرعآ وفيرآ للحيوانات الداجنة والبرية، بمعنى أنها كات مهيئة للحياة البشرية أكثر من غير من المواقع الجغرافية الأخرى.

ولمن لا يعرف إن كردستان، هي مهد الحياة البشرية وإكتشاف الزراعة وتدجين الحيوانات مثل الخيل، المواشي، البقر، الجاموس، الكلب والعديد من أنواع الطيور. هذا عدا إلى وضع أول أبجدية في تاريخ الإنسانية، والتي دونت في مملكة “أوگاريت” الحثية، مع أول وضع نوتة موسيقية سباعية السلم، ويضاف إليهم توحيد الإله ورفعه من الأرض للسماء.

ومنطقة جنوب وغرب كردستان كانت في قلب هذه المنطقة الجذابة، بسبب وفرة المياه، التربة الخصبة والجو المعتدل، كل هذا جعل منها مهدآ لأولى الحضارات البشرية وأقدمها على الإطلاق. ولو لاحظنا جميع الحضارات القديمة قامت في هذه المنطقة، أي على أرض كردستان والتي تبلغ مساحتها نحو 2 مليون كيلومتر مربع وتطل على أربعة بحار.

وأولى المستوطنات البشرية والمزراع والكهوف في هذه المنطقة يعود تاريخها إلى عشرات ألاف السنين قبل الميلاد، ومن ضمنها مدينة “مبوگ” التي سماها كيخسرو “من- به” وتعني (أنا أجود) بعد أن إستعاد أرض أجداده الخوريين والميتانيين والحثيين وضمها إلى الدولة الساسانية الكردية، والتي نحن بصدد دراسة تاريخها والتعرف على هويتها القومية، وذلك من خلال التعرف على سكانها الأصليين الذين بنوا هذه المدينة، وأقاموا فيها لسنين طويلة وجعلوا منها منارة حضارية. ومن دون ذكر هذه الخلفية ووضعها في ذهننا عند دراسة تاريخ هذه المنطقة ومدنها التاريخية، لا يمكن فهم ما حدث ويحدث اليوم للشعب الكردي ومعه للمنطقة أيضآ.

ثانيآ، جغرافية مدينة مبوگ:

Nîgervaniya bajarê Mabugê

تقع مدينة مبوگ إلى الجنوب من مدينة ” گرگاميش” وعلى الجهة الغربية من نهر الفرات ويبعد عنها حوالي 36 كيلومتر. والمسافة بينها وبين مجرى نهر الفرات حوالي 30 كيلومتر، وتبتعد عن مدينة حلب التي يتبعها إداريآ حوالي 80 كيلومتر.

ويتبع مدينة مبوگ إداريآ ثلاث نواح هي: ناحية أبو قلقل، الخفسة ومسكنة، ويبلغ عدد قراها (285) قرية. ووصل عدد سكان المدينة في عام 1931 نحو (3.800) الف نسمة، وفي عام 2011 بلغ عدد سكانها ما يقارب (100.000) نسمة، أما عدد سكان منطقة مبوگ يبلغ حوالي (603.099) الف نسمة. ويرتفع مستواها عن سطح البحر حوالي (470) متر. ويعيش في مدينة مبوگ بجانب الكرد المستوطين العرب، وقلة من الشركس الذين جلبهم إليها الدولة العثمانية قبل 150 عامآ بالضبط.

وتشتهر منطقة “مبوگ” بزراعة شجر الزيتون، اللوز، الجانريك، الدراق، الخوخ، اللوز، المشمش، التوت، الكرز، الإنجاص، السفرجل والكرز. هذا إلى جانب زراعة الحبوب مثل القمح، الشعير، العدس، الجلبان والحمص وغير ذلك. هذا عدا عن زراعة الخضروات الصيفية المختلفة، وكل زراعتها بعلية والمروي قليل جدآ بحكم قلة المياه وبعدها عن نهر الفرات.

ثالثآ، أهمية مدينة مبوگ:

Girîngiya bajarê Mabugê

أهمية مدينة مبوگ تتلخص في عدة نقاط، وهذه النقاط إختلفت بإختلاف حكامها والظروف المحيطة بها:

النقطة الأولى:

نشأتها كمعبد أو بيت للعبادة، ولهذا أخذت شيئآ من القادسة وتكرس مكانتاها الدينية بشكل أكبر بعدما وقعت في يد الكنعانيين (الأراميين)، حيث أقاموا فيها هيكل لإله العواصف “حدد” إضافة إلى إلهة المياه ” أتاركاتيس”، وتمثال هذه الأخيرة كان عبارة عن إمرأة جالس في مركبة تجرها الأسود، وفي يدها آلة موسيقية وعلى رأسها تاج.

النقطة الثانية:

كونها كانت بوابة الجزيرة الفراتية إلى حلب ودمشق وبيروت، والعكس صحيح أي أنها كانت مدينة بوابة حلب ودمشق وبيروت وألالاخ إلى منطقة الجزيرة ومدينة “هوران” بحكم إمتلاكها جسرها يعبر من ضفة الفرات الغربية للضفة الشرقية، وكان هذا الجسر الوحيد لعبور النهر. وهذا الموقع الجغرافي المميز جعلها بوابة للتجارة وأيضآ خطآ للدفاع. فمثلآ جعل الرومان منها أهم قاعدة عسكرية لجيشهم، ومنها كانوا ينطلقون للإغارة على بلاد ما بين النهرين أي بقية كردستان، وقد أشاد “يوستنيانوس” بأسوارها المنيعة. وفي العصر الأموي كانت تابعة لجند قنسرين وحلب، وتابعت وظيفتها كقاعدة حربية وإستخدمها العرب كنقطة إنطلاق لحمالاتهم التوسعية الإحتلالية ضد الروم وكليهما كانا محتلين لأرض كردستان.

النقطة الثالثة:

المنطقة المحيطة بالمدينة كانت صالحة للزراعة على الدوام، بسبب توفر قنوات ري تحت الأرض، وهذا ما منح المدينة ميزة وهي تأمين حاجتها الزراعية بنفسها، وكانت معروفة سابقآ بزراعة شجر التوت وتربية دودة القز، ومن ثم صناعة الحرير الطبيعي، وإستمرت في صناعة الحرير حتى نهاية العام 1241م، ولكن بعد تدميرها تحولت إلى مراع في القرن التاسع عشر.

وفي العصر الحديث توسعت الزراعات المروية فيها بعد تنظيف القنوات القديمة بفضل المزارعين الجدد القادمين من المناطق الأخرى كالباب. وتتميز المدينة بشبكة من الجداول والأقنية الجوفية أكثر من أي منطقة أخرى في البلاد. وبعد أن كانت مدينة مبوگ مركزاً لإنتاج القنب، تحولت إلى مركز لإنتاج القطن منذ الحرب العالمية الثانية، ولكن التوسع في زراعة القطن، أدى إلى استنزاف رصيد المياه الجوفية، مما أدى إلى جفاف بساتينها حتى أصبحت تعتمد على مياه نهر الفرات.

من هنا كان يغلب على سكان هذه المدينة العمل بالزراعة، أو رعي الماشية إلى جانب بعض الحرف الضرورية لتلبية حاجاتهم العملية والقتالية ضد الغازين لمدينتهم والمعتدين. أما القسم الشمالي والشمالي الشرقي للمدينة، كان أكثر تطوراً من القسم الجنوبي والجنوبي الغربي، الذي يغلب على سكانهما الطابع الريفي والاهتمام بتربية الدواجن والمواشي. وإلى الشمال من مدينة مبوگ، وعلى امتداد نهر “الساجور” تقوم هضاب مغطاة بالأحجار الصوانية، وتعود إلى العصر الحجري القديم والمتوسط، مما ممكن أهالي المدينة والمنطقة على إستخدام تلك الحجارة في صنع أدواتهم الضرورية لحياتهم اليومية، شأنهم في ذلك شأن جميع الناس في عصور ما قبل التاريخ. كما إستغل سكان المنطقة القدماء، وفرة المياه في المنطقة وقربها من سطح الأرض وسهولة تناولها، فأوجدوا أنظمة للري وأنشؤوا أقنية للسقاية تحت الأرض، فأصبحت المنطقة منتجعاً للراغبين في الحياة الهادئة المستقرة، والتي جعلت من الزراعة وتربية المواشي والدواجن مصدر رزق كبير لهم. ولقد أشار المؤرخ “ياقوت الحموي” إلى ذلك عند حديثه عن مدينة مبوگ بما يلي:

“كان حول مبوگ سور مبني بالحجارة ومحكم البنية، بينها وبين الفرات ثلاثة فراسخ وبينها وبين حلب عشرة فراسخ، شربهم من قُني تسيح على وجه الأرض، وفي دورهم آبار كثيرة، أكثر شربهم منها لأنها عذبة صحيحة”. ملاحظة من عندي تقديرات الحموي فيما يتعلق بالمسافة بين مبوگ وحلب وبين مبوگ ونهر الفرات لم تكن دقيقة وهي أكثر من ذلك.

——-

الفرسخ:

أولآ الفرسخ مصطلح كردي بهلوي قديم، وهو مقتبس عن اللفظة الكردية (پرسنگ). والپرسنگ (الفرسخ) يعادل حوالي 5.76 كيلومتراً بامكانا القول تقريبآ 6 كيلومتر.

رابعآ، تاريخ مدينة مبوگ:

Dîroka bajarê Mabugê

الحفريات التي قام بها علماء الأثار في مدينة مبوگ وقلعتها والنقوش التي عثروا فيها، كشفت أن تاريخ بنائها يعود إلى أكثر من (2.000) ألفي سنة قبل الميلاد، وبنيت في عهد الدولة الخورية (الهورية) أي ما قبل عهد الدولة الميتانية والحثية الكرديتين، ومنذ ذاك الوقت مرت الميدنة بمراحل نهوض وخفوض وذلك تبعآ للحكام الذين حكموا المدينة، كونها تعرضت للعديد من الغزوات كالغزو الأشوري، الكنعاني، الروماني والفارسي وغير ذلك. إلا أنها إزدهرت وإنتعشت ولعبت دورآ مهمآ في العهد الحثي الكردي دون شك، بسبب إهتمامهم بها لقربها من عاصمتهم ” گرگاميش” وتوسطها بينها وبين مدينة حلب الحثية المهمة.

وقلعتها التي كانت ذات يوم هي المدينة ذاتها، كانت زاخرة بالآثار والنقوش القديمة والتاريخية المهمة، ولكن للأسف الشديد لم يبقى من قلعتها أي (المدينة الأثرية) سوى الأطلال ويحيط بها حي سكني يطلق عليه إسم “التبّة”. حيث دمرت بفعل الغزو والإعتداء عليها، وبفعل الإهمال من الحكام وجهل سكان المدينة في العصور الأخيرة.

 

هنا أود أن أتوقف عند مصطلح (القلعة) ومعناه، لأن معرفة ذلك سيسهل على القارئ الكريم كرديآ أكا

أو سواه، فهم السياق العام للمدن الهورية القديمة التاريخية والقاسم المشترك بينهما. إن كافة المدن الخورية، السومرية، الإيلامية، الميدية، الميتانية، الحثية القديمة، تقريبآ كلها بنيت على شكل حصن وفوق سطح التلال والجبال، وكان يحيط بجميعها أسوار عالية وعريضة، وخنادق تملئ بالماء، بهدف حمياتها من أي غزو أو عدوان خارجي، ومدينة مبوگ لم تشذ عن تلك القاعدة، وهي تشكل مع باقي الحواضر، جزءً أساسيآ من تاريخ أسلاف الشعب الكردي والكرد أنفسهم، وبالتالي هي جزء من تراب وطنهم كردستان وبالتالي جزء من تاريخهم وثقافتهم وحاضرتهم وطقوسهم الدينية. وسوف أقوم بشرح أصل ومعنى مصطلح “القلعة” باللغتين الكردية والعربية لإعطاء الموضوع حقه ولفهمٍ أفضل.

مصطلح القلعة:

مصطلح كردي خوري قديم معرب، ويعني الحصن الممتنع في الجبل، وهو مأخوذ عن اللفظة الكردية

(كلوت). وكلوت تعني المدينة في الكردية القديمة، لأن الناس كانت تعيش في القدم ضمن قلاع محاطة بأسوار عالية ومبنية في مناطق عالية ووعرة، لحماية نفسها من الهجمات المعادية والغزاة.

Têgîna “Kela” ji peyva kurdiya – Xorî tê û di zimanê Xoriyan de navê wê (Kelot) bû. Û Kelot tê wateya bajar/şar, jiber kû kurdên berê bajarên xwe li ser pişta gir û çiyan digrtin û dor sûr dikirin, jibûna xwe ji êrişên neyaran biparêzin û şerê wan bikin.

Û tu werî rastiyê divê ev peyv bi tîpa (Q) were nivisandin jiber bilêvkirina vê tîpê di kurdî de wek bilêvkirina tîpa Îngilîzî (q) ye.

Kelot  ——>  Kelat  ——>  Kela  ——>   قلعة

التلة التي بُنيت عليها القلعة قديمآ، هي هضبة ردمية عالية ومحاطة بوادٍ من الجهات الأربعة، وهو في الواقع عبارة عن خندق تم حفره من قبل سكانها الخوريين قبل حوالي خمسة ألاف سنة قبل الأن حول القلعة بهدف حمايتها وحماية من فيها من سكان، من أي غزو وعدوان خارجي محتمل. وكانت الناس تقوم بتخزين المؤن بكميات كافية من الطعام والمياه، بحيث يكفي الأهالي عدة أشهر إذا ما حوصرت من الخارج، وعادة ما كان للقلاع مخارج سرية يهرب الناس منها عندما تتعرض للقصف والنيرات، أو في حال نفدت المواد الغذائية، لذلك سميت بالمدينة.

وكان لقلعة مدينة مبوگ سورٌ حصين يحيط بها ومبني من الحجارة الكبيرة بشكل محكم ومتين ليستطيع صد أي عدوان ويصمد في وجه القذائف النارية منها والكرات الحجرية. والسور قديمٌ قدم القلعة ولا علاقة للسلوقيين به كما روج البعض لذلك، هذا ما أكد عليه أكثرية المؤرخين ومنهم المؤرخ والجغرافي المعروف: “ياقوت الحموي” (1179 – 1229م). وعندما توسعت المدينة إلى خارج أسوار القلعة تم بناء سور ثاني يحيط بالمدينة، لرد أي عدوان وغزو لها من قبل أي غازٍ وطامع وما كان أكثرهم في تلك الحقبة.

وتحدث الرحالة والجغرافي الأندلسي “ابن جبير” (1145 – 1217 م) عن السور في كتابه: “رحلة إبن جبير:

حيث قال: ” مبوگ بلدة فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، يحف بها سور عتيق، تحف بغربيها وشرقيها بساتين ملتفة الأشجار، مختلفة الثمار والماء يطرد فيها، ويتخلل جميع نواحيها، وخصص الله داخلها بآبار معينة شهدية العذوبة، سلسبيلة المذاق، تكون في كل دار منها البئر والبئران وأرضها كريمة تستنبط مياهاً كلها، وأسواقها وسككها فسيحة متسعة، ودكاكينها وحوانيتها كأنها الخانات والمخازن اتساعاً وكبراً، وأعلى أسواقها مسقفة، ولها قلعة حصينة في جوفها، وأهلها أهل فضل وخير فمعاملاتهم صحيحة وأحوالهم مستقيمة. كما يحف بها سوراً عتيقاً ممتد الغاية والانتهاء، وقد تم ترميم السور في الحقبة الرومانية، ويذكر أن يوستنيان، أشاد سوراً حصيناً، حيث عجز عن إقتحام مبوگ كيخسرو ملك الفرس، عندما قدم للمنطقة وبسط سيطرته على المنطقة. فسور مبوگ منيع مناعة أسوار تلك الحقبة، وقد وجدت أنقاضه لتدل على متانته”.

 

وكان يربط مدينة مبوگ بشرق نهر الفرات، جسر حجري قديم مُقاماً على نهر الفرات ويشكل بوابة الجزيرة نحو الغرب ومدينة حلب والعكس أيضآ صحيح. وكان بمثابة المعبر الوحيد في تلك الحقبة، وهذا الجسر كان يقع في القرية المسماة باسمه أي جسر مبوگ. وهذا الجسر كان من الأهمية بمكان كونه كان بوابة الدخول للمدينة من الجهة الشرقية لنهر الفرات، وأيضآ بوابة الدخول لمدينة حلب، والجسر كان يقع مقابل “قلعة نجم” ويمر من أمامها وهذا الجسر أعطى أهمية بالغة للمدينة وجعل منها نقطة عبور في الإتجاهين، والقلعة سوف نتحدث عنها فيما بعد، وعلى كل هي الوحيدة الباقية على حالها حتى الآن من كل أثار مدينة مبوگ.

أما “إبن حوقل” فوصفها على الشكل التالي:”مبوگ مدينة حصينة، وكثيرة الأسواق القديمة، يُصنع فيها نوع من الحلوى معمولة من الزبيب، والجوز والفستق والسمسم، تصدر إلى حلب وأماكن أخرى، والمدينة قديمة الآثار عظيمة الأسوار في تربة ندية رطبة تميل إلى الصفرة (زعفرانية)، يغلب عليها وعلى مزارعها الأعذاء (لزرع الذي لا يسقيه إلا المطر)، والمدينة حصينة عليها سور أزلي، روحي وبقربها مدينة سبخة. أجمع هؤلاء الرحالة في وصفهم لمدينة مبوگ أنها طيبة الهواء، جيدة التربة غزيرة المياه، كثيرة البساتين، والمخازن والدكاكين، .. الخ

وعن جسر مدينة مبوگ تحدث الكاتب والباحث والرحالة الشركسي السوري: “وصفي زكريا ” الذي عاش بين أعوام (1889 – 1946م)، حيث قال في كتابه ” المشاهد والآثار في بلاد الشام: “بأنه إندثر منذ زمن بعيد، وزالت آثاره تماماً، وقد يدرك البعض الذين كانوا يقتلعون الرصاص من مداميك الجسر حين كانت أسسه ماثلة على الضرر الذي ألحقوه به. وتم بناء قلعة نجم فوق مدخل الجسر بهدف التحكم بمرور القوافل، والجحافل التي تدفع الرسوم كضريبة مرور، والتي لا طريق لها إلى حلب إلا من على هذا الجسر”.

كما جاء على ذكر الجسر “ابن الأثير” في كتابه (الكامل في التاريخ – الجزء الثالث) حيث قال: “فجلا أكثرهم إلى بلد الروم، وأرض الجزيرة، وقرية جسر منبج، ولم يكن الجسر يومئذ، وإنما اتخذ في خلافة عثمان للصوائف، وقيل كان له رسم قديم”.

أما المؤرخ والجغرافي “ياقوت الحموي” قال عن الجسر ما يلي: “وعندها جسر؛ يعبر عليه، وهي معروفة بجسر منبج. وتعبر على هذا الجسر القوافل من حران إلى الشام”.

لقد تم تدمير جسر مبوگ أكثر من مرة، بدواعي صد العدوان وأثناء الغزوات للمدينة، ولكن أخر مرة تم هدمه كليآ وكان ذلك نهاية حياة الجسر بشكل نهائي، على يد الخليفة الإموي “عبد الله بن العباس” حيث قام بحرق وتدمير الجسر سنة 749 ميلادي. وقد مر فوق هذا الجسر شخصيات مرموقة من المفكرين، الملوك، السلاطين، الرحالة ومنهم الرحالة (ابن جبير، وجوليان الروماني، وفرانس كومون الفرنسي وغيرهم).

المعلومات المتوفرة لحد الأن عن مدينة “مبوگ” خلال فترة الخوريين والحثيين للأسف قليلة للغاية، بل شحيحة وتكاد تكون معدومة، وعن مرحلة الإحتلال الأشوري لها أيضآ، وذلك بسبب الهدم والتدمير والحرق الذي تعرضت له المدينة مرات عديدة عبر تاريخها الطويل، نظرآ للغزوات والغارات العسكرية والإحتلالات المباشرة من قبل أطراف عديدة. هذا عدا عن عمليات النهب والسلب التي تعرضت لها مدينة مبوگ، كل ذلك بسبب غناها وموقعها الجغرافي المهم كبوابة لمدينة حلب والجزيرة بالإتجاهين. لذا كانت على الدوام نقطة صراع بين الدول والممالك والإمبراطوريات لألاف الأعوام وحتى الأن، وهذا ما أفقدها جزءً كبيرآ ومهمآ من تاريخها وإرثها الحضاري.

والسبب الثاني برأي قلة أعمال التنقيب والبحوث فيما تبقى من أثار المدينة القديمة من هاتين المرحلتين

(الخورية، الحثية)، ولا شك أنهما مرحلتين أساسيتين في تاريخ المدينة والأهم من بين كل المراحل، كون المرحلتين تتعلقان بجذورها وكيفية تطورها عمرانيآ، إجتماعيآ، حياتيآ، معرفيآ، دينيآ ولغويآ.

هناك معلومات قليلة عن مرحلة الإحتلال الأشوري للمدينة، وكذلك فترة الإحتلال الكنعاني لها. كون مبوگ كانت جزءً من مملكة “بيت عديني” الكنعانية، وكان الأشوريين يسمونها “بيت أديني” ويعود تاريخ هذه المملكة إلى القرنين العاشر والتاسع قبل الميلاد، وعاصمتها كانت مدينة “تيل برسيف” أي (تل أحمر) الحالية، وإمتد نفوذها شرقآ حتى البليخ، وغربآ عبر الفرات حتى بلدة الباب تقريبآ. وكانت تقع على الضفة اليسرى لنهر الفرات قرب مصب ساجور، وإلى الجنوب من بلدة گرگاميش وتبعد عنها حوالي (50) كلم.

وفي عام (856) قبل الميلاد، قام الأشوريين بغزوها وإحتلالها وثم إستيعابها في الإمبراطورية في عهد “شلمنصر الثالث”، وإحتلوا معها عاصمتها (تل برسيف) ودمروها وحولوها إلى عاصمة لولاية أشورية وسموها ” كارشو لمانو آشريد” أي قلعة أو حصن شلمنصر. وعندما إحتل الأشوريين مدينة مبوگ” قاموا بتغير إسمها إلى (ليتا) وهذه السياسية الإستعمارية البغيضة، أي سياسة تغير أسماء المدن الكردية قديمة قدم البيزنطية، والفارسية والإحتلالات العربية الإستيطانية والتركية لأرض كردستان، ومازالت هذه السياسة الإجرامية مستمرة لليوم.

ومن ثم يدعون هؤلاء الأوباش بأن سوريا أشورية، عربية، وغيرك ذلك!!!! والذي أعطى الأمر بتغير إسم المدينة المجرم الأكبر في التاريخ القديم والحديث الملك (أشور) الذي أطلق إسمه على شعوب متعددة الإنتماءات وشكل منهم وبهم إمبراطوريته الشريرة التي بناها بالدم وجماجم البشر. وبنى فيها قصرآ فخمآ ملكيآ لنفسه، ثم إستعاد الملك الآشوري “تيغلات بلاصير الثالث” السيطر عليها في عام 738 قبل الميلاد.

إزدهرت مبوگ في ظل حكم المحتلين والغزاة السلوقيين، الذين جعلوها المحطة الأهم في طريقهم بين أنطاكية وعاصمتهم مدينة سلوقية التي تقع على نهر دجلة. لقد تم نهب المعبد من قبل “كراسوس” (هو الملك الذي قتل سبارتاكوس عندما قاد ثورة العبيد) في طريقه للقاء البارثيين (53 قبل الميلاد). وبدأت مدينة هيرابولس (مبوگ) بسك العملة في القرن الرابع قبل الميلاد.

—————————–

السلوقيون (312 – 64) قبل الميلاد:

هم سلالة هلنستية ترجع تسميتها إلى مؤسس الأسرة الحاكمة للدولة السلوقية، “سلوقس الأول نيكاتور” أحد قادة جيش إسكندر الأكبر، شكلت هذه الدولة إحدى دول ملوك طوائف الإسكندر، التي نشأت بعد موت الإسكندر المقدوني، وخلال القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد حكمت منطقة غرب آسيا، وإمتدت من تراقيا غرباً وحتى الهند شرقاً. كان للسلوقيين الدور الكبير في تفاعل الحضارة الإغريقية مع الحضارات الشرقية. كثيراً ما يرد ذكر السلوقيين لدى المؤرخين الغربيين كأعداء لروما، خلال ما عرف بالحروب الرومانية والشرقيين في الفترة ما بين (192 – 188) قبل الميلاد بقيادة أنطيوخوس الثالث الكبير.

وبعد سيطرة الإسكندر المقدوني على المنطقة، أعادت زوجة سلوقس الأول (خليفة الإسكندر) بناء معبدها للتدليل على مدى احترام السلوقيين لهذه الآلهة. ومما زاد في أهمية مانبگ وأصبحت خط الدفاع الأول في مواجهة الفرس في العصر الهلنستي، وإستمرت في لعب هذا الدور في العصرين الروماني والبيزنطي فيما بعد.

كانت المدينة محصنة بسور منيع تعرض للتخريب والهدم بعد هجرها، وفي عهد الإمبراطور جوستنيان اتخذها قاعدة له بعد أن أمر بترميم أسوراها، وأخذت الجيوش تنطلق منها لغزو بقية بلاد أسلاف الكرد أي بلاد الخوريين، وكما ذكرنا سابقآ أنها كانت محاطة بسور وكان المرء يحتاج لأكثر من ساعتين ليدور حوله، وحجم الخرائب الذي تحتويه المدينة عظيم بامتداده، وهو ما شكل مقلعاً واسعاً إستغله السكان المحليين في بناء منازلهم. وحتى يومنا يمكن مشاهدت تلك القطع الحجرية داخل المنازل الخاصة بالمواطنين، والتي كانت جزءً من أعمدة بالأصل، وقواعد الأعمدة وسواقف المدينة الأثرية.

هكذا إندثرت أغلب أجزاء السور وحلت مكانه أبنية سكنية، إلا أنه بالإمكان مشاهدت بعض الأجزاء منها حيث يتطلب هذا الأمر مزيداً من البحث والدقة، ولا سيما وأنها تقع داخل المنازل أو أسفلها اليوم، وهذه الأجزاء تعود لعصر “جوستنيان” وأعمال الترميم التي أمر بها أثناء استقراره في المدينة، وتتووضع هذه الأجزاء في الجهة الشمالية والشرقية، أما أجزاء السور في الجهة الجنوبية والغربية فهي مهدمة بالكامل ولم يتبقى منها إلا ما هو ظاهر.

لقد ذكر المؤرخ البارز “بروكوبيوس القيسراني” الذي عاش بين أعوام (500 – 560 م)، والذي بات المؤرخ الأول في لقرن السادس للميلاد بحكم مرافقته لقائد الجيش الروماني “بيليساريوس” في حروب الإمبراطور جستنيان، ووضعه عدة كتب أهمها: “حروب جستنيان” و”بنايات جستنيان” و”التاريخ السري” المحتفى به.

حيث قال: أنه في القرن الثالث قبل الميلاد، كانت “مبوگ” عاصمة مقاطعة الفرات وإحدى أكبر المدن في المنطقة، وأعظم مدينة في هذا الجزء من العالم. وفي عام (363م) دمرت المدينة تماماعندما جمع “جوليان” فيها قبل أن يسير نحو الهزيمة والموت في بلاد ما بين النهرين. كما أن الملك الساساني “كيخسرو الأول” غزا المدينة ودمرها بعد فشل الإمبراطور البيزنطي “جستنيان الأول” في الدفاع عنها. وفي عام (630م) وعلى أرض مدينة “مبوگ” أرغم الإمبراطور البيزنطي “هرقل” أعدائه الفرس على إعادة الصليب، الذي كانوا قد إستولوا عليه من مدينة القدس عام (610م)، وكان البيزنطيون يعتقدون أن ذلك الصليب هو ذاته الذي صلب عليه السيد “المسيح”، ومن هنا جاءت أهميته للبيزنطيين، وقد بقي عند الفرس حوالي 20 عامآ. ولهذا كان من الطبيعي أن تظهر مدينة مبوگ في الخرائط الرومانية في القرن الرابع الميلادي كأكبر مدينة. وجاء القرآن  بدورهعلى ذكر الخلاف بين البيزنطيين والفرس في سورة الروم – الآية رقم (3): “غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين”.

لاشك فيه أن الامبراطور “قسطنطين” رفع من مكانة مبوگ الهورية – الحثية، من خلال الإهتمام بها وإعتبارها مدينة مقدسة، لأن فيها بالذات حصلوا على الصليب الذي صلب عليه المسيح حسب زعمهم. فأصبحت عاصمةً للجزيرة الفراتية الگوزانية، وكانت محصنة بشكل جيد وأشاد بذلك الامبراطور يوستنيان بنفسه قائلآ: أن المدينة كانت تملك أسوراً منيعة عجز عن إقتحامها كسرى الأول “أنو شروان” عام 1145 ميلادي، عندما قاد جيشآ يتألف من حوالي (30) ألف جندي وإتجه نحو المدينة بهدف بسط سيطرته عليها وإستعادتها من البيزنطيين، فقام حاكمها بعرض مبلغ (3) آلاف دينار لقاء عدم إقتحامها وقبل كسرى بذلك، وإشترت المدينة سلامتها بهذا المبلغ. وظلت المدينة في العهد البيزنطي كأحد المراكز المهمة لأصحاب عقيدة الطبيعة الواحدة في المسيحية.

كما هو معلوم فإن البيزنطيين بعد سيطرتهم على مدينة “مبوگ” قاموا بتغير إسمها وأطلقوا عليها تسمية

“هيرابوليس” والتي تعني المدينة المقدسة. والذي قام بتغير إسم  المدينة هو القائد البيزنطي “سلوقوس نيكاتور”، وبعد تغير إسمها بنى فيها معبدآ لربة المدينة الكبرى “أتارجاتيس- أترعتا”، وكانت تعتبر في ذاك الوقت إلهة الخصوبة ورئيسة بقية الألهة في تلك المنطقة.

لقد أورد المؤرخ الفرنسي “جان بابلون 1889 – 1978م” في كتابه (إمبراطوريات سوريات) ما يلي:

إن الكهنة في مدينة هيرابوليس “مبوگ” كان يتصرفون وكأنهم يملكون تفويض مطلق ودائم من الإله ودمجوا السلطة الدينية الكهنوتية والسياسية مع بعض وحصروها في يدهم. فقط في عهد الملك أو الحاكم “ماركوس أوريلوس”، جرت العادة في أن يجرى تغير رئيس الكهنة كل سنة.

ويضيف بابلون: كان الكاهن في مدينة هيرابوليس يرتدي الأردية الأرجوانية ويعتمر التاج، لكن لم يكن يسك النقود باسمه وإنما باسم الربة (أتاركاتيس)، وفي زمن (إسكندر الأكبر) كان الملك (عبد حدد) في (مبوگ) مسبوكآ على النقود في شكل كاهن يرتدي ثوبآ كهنوتيآ ويقدم البخور على الهيكل ممسكآ بيده مروحة طقسية.

وقد ظهر ذلك على النقود الفضية من وحدة (الديدراخما) بوجه جانبي يساري وقد نُقش خلف رأسه الشمس والقمر وأمام وجهه نقش كنعاني يذكر اسم الملك (عبد حدد) ويظهر على الوجه الآخر الملك الفارسي راكبآ في عربة يقودها سائس وتجرها الخيول، وذلك على غرار عادة ملوك الفرس المنقوشة صورهم على نقود صيدون على الساحل الخوري، وتؤرخ هذه القطعة من العام 340 -332 قبل الميلاد.

إن إصدار وسك النقود في مدينة مبوگ (هيرابوليس) عمليآ بدأ قبل إحتلال إسكندر المقدوني للمنطقة

وتوقفت لفترة ثم عاودت المدينة بسك النقود الفضية والبرونزية في عهد الحاكم ” أنطيوخوس الرابع”

الذي عاش بين أعوام (175ـ 164) قبل الميلاد ولقب بي (أبيفانس)، وحملت بعضها الشعارات السلوقية، وجزء منها حملت أسماء الملوك المحليين. لقد تم إعادة إنتاج النقود بترخيص من الإمبراطور تراجانوس الذي منح هذه المدينة حق إمتياز الإصدار النقدي من العملات، بهدف تنشيط المنطقة اقتصاديآ وإعادة الحياة لها، وتلاه إمتياز الإمبراطور (ماركوس أوريلوس أنطونينوس)، الذي أغدق على المدينة بأن رفعها إلى مرتبة المستعمرات الرومانية بين عامي (215 ـ 217م)، ومنحها حق إصدار نقود فضية من وحدة (التيترادراخما) التي تتراوح أوزانها بين (10.50غ ـ 14غ)، وعُرفت باسم (تيترادراخما النسر).

الدراسات التاريخية تؤكد بأن مدينة “مبوگ” الخورية – الحثية تعرضت للدمار بشكل كامل أو بشكل جزئي عدة مرات عبر تاريخها الطويل على يد الغزاة والمحتلين وما أكثرهم في تاريخ هذه المدينة. وأول عملية تدمير تعرضت لها هذه المدينة الخورية العريقة، بحسب المصادر التاريخية كان ذلك في زمن “فرعون” الأعرج الذي أحرق المدينة سنة (600) قبل الميلاد. بينما الساسانيون دمروها عن بكرة أبيها في عام (363) ميلادي. وفي العام (540) ميلادي تعرضت لدمار على يد كسرى عندما سيطر على المنطقة وضمها إلى إمبراطوريته.

ومن جهته استباح المدينة صاحب القسطنطينية الإمبراطور قسطنطين سنة 1070 ميلادي، وقتل وأسر المئات من أبناءها في تلك الحقبة. وفي سنة 1240 ميلادي إستولى “الخوارزميون” على مدينة مبوگ بعد أن قتلوا وأسروا أبناءها ونهبوا كافة مقتنياتها، وتعتبر حقبة الخوارزميين من أبشع وأوحش وأفزع الحقب التي مرت بها هذه المدينة وأهلها.

————————–

الخوارزميون، الخوارزمشاهات:

هي سلالة تركية مسلمة سنية حكمت أجزاء كبيرة من آسيا الوسطى وغرب إيران بين سنوات (1077 – 1220). وشأت الدولة الخوارزمية بين أحضان دولة السلاجقة التي حكمت مناطق واسعة في الشرق الإسلامي، فقد ظهر في عهد السلطان السلجوقي ملكشاه بن ألب أرسلان مملوك نابه في بلاطه، يسمى “أنوشتكين” نجح في أن يحظى بتقدير السلطان ونيل ثقته، فجعله واليًا على إقليم خوارزم، وظل على ولايته حتى وفاته سنة (1097) ميلادية.

 

وفي العام (1202م) هدم الملك “غياث الدين غازي” إبن صلاح الدين الأيوبي قلعة مبوگ ، خوفاً من انتزاعها منه. وفي سنة (1258م) دمر هولاكو المدينة عن بكرة أبيها. وفي العام (1344م) تعرضت المدينة لزلزال قوي وصل درجته (6.5)‏ درجة، ونتيجة ذلك تدمرت المدينة برمتها، وتحولت إلى خراب حقيقي، ووصل عدد الضحايا أنذاك إلى (57.000) ألف شخص.

وفي سنة (1401م) غزا مدينة مبوگ “تيمورلنك” من ضمن المناطق والمدن التي غزها، وإستولى على المدينة وجعلها مقراً لقيادة حملته العسكرية الدموية على كل المنطقة المحيطة بها، وبعد ذلك هدمها ولم يبقِ حجراً فوق حجر، وترك جنوده يفتكون بسكانها، وهكذا أصبحت المدينة خاوية على عروشها، وفي هذه الفترة توقفت الحياة في مبوگ التي بقيت مهجورة حوالي (500) سنة كاملة ودون إنقطاع.

عندما غزا العرب المسلمين المجرمين عام 636م بعهد الخليفة “عمر بن الخطاب” كانت مدينة “مبوگ” تحت سيطرة البيزنطيين، وتمكن “أبو عبيدة الجراح” الذي كان يقود الجيوش العربية الإسلامية السيطرة على بلاد الخوريين أسلاف الكرد، خاصة بعد إنتصارهم في معركة اليرموك، مما شجعهم على متابعة زحفهم نحو الشمال والشمال الغربي، فزحف أبو عبيدة بقواته نحو حلب ونهر الساجور، وكلف الجراح أحد قادته العسكريين وهو “عياض بن غنم الفهري” بإحتلال مدينة مبوگ ومن ثم لحق به بعد ذلك. وقد صالح إنطاكية على شروط هي: (الجزية أو الجلاء) فجلا بعضهم، وبقيا البعض في المدينة ففرض على كل واحد منهم دينارآ وجريبآ. وعمد أهالي مدينة مبوگ إلى عقد الصلح مع عياض على نفس الشروط التي صالح بموجبها أهل إنطاكية، وقد أقر أبو عبيدة ذلك، وهكذا إستطاع إخراج البيزنطنيين من المدينة وما حولها، (وبالنسبة للكرد الحثيين كلاهما كانا محتلآ وأسوأ من بعضهما البعض)، وبقيت المدينة بعدها نقطة حدود أيام الدولة العباسية خاصة في عهد الخليفة هارون الرشيد (786م)، الذي أعاد تنظيم الحدود الشمالية لدولة الخلافة العباسية، فعمد إلى فصل مبوگ عن (جند قنسرين) وجعلها مركز منطقة العواصم الجديدة، والتي كانت تضم مناطق الجزيرة العليا، وبذلك أصبحت تُشكل خط التماس الأول مع البيزنطيين حينذاك بسبب رغبته بإستئناف القتال مجددآ.

 

وعين عبد الملك بن عباس حاكماً لها، فعمد هذا الحاكم إلى بناء صروح كبيرة وقوية، إستخدمت كقواعد عسكرية للإنطلاق منها ضد البيزنطيين، وبذلك أصبحت تُشكل خط التماس الأول مع العدو، لذا كان لابد من تهيئتها عسكرياً ومدنياً بشكل جيد، لكي تتمكن من إحتواء ألألاف من المقاتلين القادمين من شتى البقاع التي إحتلوا للدفاع عن حدود الدولة العباسية، وقتال البيزنطيين سواء بدافع ديني أو رغبة بكسب المزيد من الأراضي والأموال. وما إن بدأ الضعف يدب في أوصال الدولة العباسية حتى بدأ بعض القادة من العسكريين أو أصحاب العصبيات الطامعين بالإستقلال، العمل باجتزاء إمارات ودويلات لهم من جسم الدولة العباسية، مع حرصهم على الاعتراف في الغالب بسلطة الخليفة العباسي، الذي لم يكن له حول ولا قوة في النهاية.

نهاية الجزء الأول وإلى اللقاء في الجزء الثاني.

ونحن في إنتظار أرائكم وملاحظاتكم القيمة ومنكم نستفيد.