قراءة في الصراع المذهبي الاسلامي – بقلم : فرقد الربيعي 

 

مرض اطاح بنا وارسى قواعد الفرقة واباح الدماء ، المرض الذي انهك قوانا والضعف الذي مكن اعداءنا للنيل منا واعني بها الطائفية المقيتة التي تُعتبر احد اقبح اوجُه الظلم  فلقد ورثت امتنا الاسلامية كماً هائلا من فتاوى التكفير التي ادت بدورها الى ما نشاهده اليوم من صورٍ للظلم و القبح والفساد ، فما يجري حاليا هو تطبيق لفتاوى دعاة التكفير من كل مذاهب الاسلام والواجب الشرعي والاخلاقي والتاريخي يُحتم علينا الوقوف بوجه هذه المنهجية والمنظومة القذرة من اجل انقاذ امتنا من بؤس الفتاوى القاتلة ، علينا ان نلتفت وندرك الى ان الطائفية  كانت ولا زالت العنصر الفعال في فرقتنا  والتي دمرت وقتلت الشعوب ، فخطر الطائفية وحُلكة سوادها دعانا لان نترجم حقيقة هذا الصراع بلغة يفهمها العقلاء لان لفيف من قادة الامة من ارباب القداسة والتدين وساسة الصدفة الفاسدين هم من ساهم باذكاء  الفتنة المشؤومة ، بلى فهي المرض الذي فتك بجسد الامة وهي الفتنة الدهماء التي مزقتنا بانيابها الرخامية ، لا نريد ان نصادر حقائق تاريخية قد حدثت فعلا ولا يوجد مبرر لتجاهلها في اختلاف المسلمين حول قيادة الامة بعد رحيل الرسول الاكرم فالفريق الاول اعتقد بالوصية والامامة بالنص هي البديل الشرعي عن شخص النبي والفريق الثاني آمن بالشورى والخلافة بالانتخاب ولكن بالرغم من ذلك الاختلاف إلا انه لم نسمع ان سيدنا عليا رضوان الله عليه قد سلَّ سيفه واباح الدماء لاخذ الخلافة بالقوة كما لم يتسبب بشرخ الاسلام وشق صفوف المسلمين بل التزم مساندة دولة الخلافة الاسلامية حفاظا على الاسلام وهيبته وصوناً لتضحيات النبي صلى الله عليه واله وصحبه وسلم حتى ورد عن الفريقين ان الخلفاء الثلاثة الاجلاء رضوان الله عليهم كانوا يستشيرون علياً ابن عم الرسول وزوج ابنته فاطمة  في شؤون الدولة وامور السياسة والاحكام الشرعية وهذا ان دلَّ فهو يدل على احترامهم الكامل لشخص علي بن ابي طالب والاعتراف بقدراته التي لا ينكرها القاصي والداني ، لذا عندما نقرأ التاريخ بإمعان نجد ان اصل الخلاف قد نحى منحى الفكر ولم ينح باتجاه تكفير احدهم للبعض الاخر ، لكن للاسف قد سمح ابناء الاسلام لاعدائهم بعد انتهاء مرحلة الخلافة الراشدة وبعد رحيل علي عليه السلام تحديدا لان ينجروا خلف دعاوى التكفير التي اسس لها رموز انتحلوا صفة الاسلام وهم اشد اعداءه وقد تناسى المسلمون ان لهم عدوا يتربص بهم في كل حين  ، ولو نظرنا الى عمق التاريخ واللغة لتيقنا بان مصطلح التشيع والتسنن ليسا الاساس في الفرقة الحقيقية للمسلمين فقليلا من الابحار في سِفر التاريخ ولجج اللغة العربية سنجد ان ذينك المصطلحين اللغويين يؤكدان وبوضوح بانهما لا يمكن ان يكونا مصدر الخلاف لكل حليم فقد جاء في المعاجم اللغوية بان معنى الشيعة هو الاتباع والانصار او المشايعة بمعنى المتابعة والمناصرة والموالاة  وقد قال الزهري بان الشيعة هم انصار الرجل واتباعه وكل قوم اجتمعوا على امر فهم شيعة ، وقد ورد في القران الكريم عدة ايات تؤيد ذلك المعنى نسوق ايتين كشاهد لاتمام الحجة وبيان الحقيقة .. قال تعالى :{ وان من شيعته لابراهيم } وقال تعالى : { فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه  } في قصة نبي الله موسى عليه السلام وهنالك آيات اُخر تحمل نفس المعنى ، و اما بالنسبة لمعنى السُنة فهو الطريقة او النهج ، هو تصرف يتبعه اناس من جماعة او منطقة معينة ، وقد جاء في المصباح المنير بان معنى السنة هو الطريقة حسنة كانت ام سيئة او هي السيرة حميدة كانت ام ذميمة وقد ورد لهذا المعنى نص في القران وهو : { ولن تجد لسنة الله تحويلا } وقال تعالى : { سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا } فلذا يمكننا القول بعد هذا الاستقراء اللغوي والتاريخي نستشف بان الجهل هو من اوصلنا لان يكفر احدنا الاخر رغم اسلام الطرفين وقد استثمر الاعداء هذا الجهل وعدم التمييز فتجذر وتعمق ذلك الخلاف بتخطيط من منافقين انتحلوا الاسلام كذبا وزورا من كلا الطرفين فقد عملوا بكفاءة منقطعة النظير في خدمة مصالح اولئك الاعداء الحقيقيين الذين يستترون خلف الكواليس ، فلذا يعتبر حسب التفسير اللغوي لذينك المصطلحين ان كل السنة شيعة وانصار للرسول ولمنهجه وان كل الشيعة سنة لإتباعهم لسُنة الرسول وتطبيقها وللاسف ان من المواريث الدخيلة على امتنا الاسلامية والتي ورثناها عن طريق اعدائنا بان السنة يكنون العداء لعلي واهل البيت عليهم السلام وان الشيعة يسبون الصحابة ويطعنون بشرف امهات المؤمنين رضوان الله عليهم ولكن الحقيقة بان كل اهل السنة يحبون عليا واهل البيت عليهم السلام إلا المتطرفين منهم وان كل الشيعة لا يعتدون بكلمات نابية على امهات المؤمنين والصحابة رضوان الله عليهم إلا المتطرفين منهم فلقد كان مدار الخلاف في الجانب الفكري العقائدي ولكن لم يصل حد التكفير واباحة الدماء والاعراض وغيرها ، قلنا من يدرس التاريخ بعمق وبدقة سيكتشف اسباب وتداعيات تشظي المسلمين بعد رحيل النبي الاكرم وخاصة بعد رحيل اخر ائمة وخلفاء المسلمين علي بن ابي طالب ، فما فتيء بعد ذلك المسلمون يتقاتلون ويتناحرون فيما بينهم بسبب تلك المسماة بالطائفية فلو امعانا النظر لوجدنا بان المسلمين جسد واحد ولكن تسبب بعض رموزهم من رجال الدين ارباب المصالح النفعية بتمزيق الامة الاسلامية الى فريقين سنة وشيعة بل لم يكتفوا لهذا الحد فقد سعوا لتجزئة هذين الفريقين الى مِلَل ونِحَل فمن يعقل هذا الكلام يُدرك بان لا شيء تحت مسمى الاسلام يُدعى بـ سنة وشيعة ، فقد خاطب الله بكتابه العزيز الامة التي امنت بدعوى النبي [ بالمسلمين ] ولم يجزئهم بمثل ما نسمعه اليوم وكذا احاديث النبي الامجد صلوات الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم كلها تؤكد عدم وجود تجزئة في الاسلام فهو منظومة كاملة وابناؤه جسد واحد ، فلذا لم يردنا غير عنوان سنة النبي وكلا الفريقين يسعون لتطبيق سنة النبي وهذا يعني إن كل  المسلمين ينضوون تحت هذا العنوان ، مع هذا لو سلمنا باننا مختلفون بعض الشيء رغم اتفاقنا في قواسم جوهرية عدة ، فهل نبقى نتقاتل ونبيح دماء بعضنا البعض ؟! علينا ان نغلق هذا الباب فقد استثمره واستغله اعداؤنا في تشتيت وتمزيق الاسلام وابناءه ، انها الفتنة الغبراء التي يروم اعداؤنا من خلالها ان يفتكوا بالاسلام تحت مسمى الطائفية البغيضة ، ألم نقرأ في كتاب ربنا المجيد بان من قتل مسلما بغير ذنب كأنما قتل الناس جميعا ؟! الم يؤكد الله في كتابه الكريم بان الفتنة اشد من القتل الم نقرأ في السُنة بان دمِ المسلم وعرضه وماله على المسلم حرام ؟!، فما لدعاة الامة يؤججون الطائفية ! هل هذه الفِعال نصرة للدين مالكم كيف تحكمون ؟! اما إن الاسلام دين التسامح والرحمة ودين الاخوة الصادقة ودين الاخلاق الفاضلة والانسانية ، فوالله لو تكاتفتم ولم تزمروا وتطبلوا للطائفية وكان ولاؤكم لاوطانكم وللاسلام لِما احتوشكم شرار الخلق الذين صنعتهم اسرائيل وقوى الظلام ولِما وصلنا لهذا الحال ولعشتم بسلام واطمئنان ولرضي الله عنكم وانزل بركاته ، عجبي عليكم ابناء امتي ألم تختلج في صدوركم اسئلةٍ تطرح نفسها ، لماذا يحصل كل هذا بنا ؟ لماذا نحن على ما عليه اليوم ؟ لماذا لم نذق طعم الراحة والهناء ؟ ومالذي جنيناه من صراعنا المرير ؟! حصل كل ذلك لان بعضنا يخون بعضنا الاخر ، وبعضنا ينافق على البعض الاخر ، فقد هجرنا الاسلام وحللنا المحرمات بغير دليل فقط طاعة للهوى والشيطان ولاننا نصفق لحكام الجور وائمة الضلال والخيانة لاننا سذج لا نفقه  شيء ويُحركنا الاعلام ويتحكم بعقولنا فلنعد الى رشدنا فلقد دمرنا الاسلام بسفاهتنا فياولينا من كل ما اقترفناه ، لابد من تفعيل القواسم المشتركة والتمحور حولها ونبذ ما عداها وان نرجع كسابق عهدنا اخوة متحابين في الله وبحب نبيه الامجد قبل دبيب الفتنة الى صفوفنا ، علينا ان نتأسى باسلافنا الذين قضوا ردحا من الزمن بصحبة نبينا الاقدس حيث جسدوا اروع صور الاخاء والمودة والايثار كانوا متعايشين بسلام  ، كانوا بحق بنيانا مرصوصا لانهم اعتصموا بحبل الله ولم يتفرقوا ، كما علينا ان نُحدث توازناً اليوم في حبنا لاوطاننا وقومياتنا ومذاهبنا واعراقنا وان يبقى قاسم الانسانية هو المنهج الاسمى والقاسم الاوحد فجميع الكتب السماوية حثت على احترام الانسان لاخيه الانسان فالدين الذي لا يحترم الانسانية ليس من صنع الله ، لطالما ذُبحت الانسانية على مذبح الحقد الطائفي والعرقي والقومي والاقليمي فلتسموا نفوسنا ولترتقي الى مصاف النبلاء والذين تجذرت الانسانية في عقولهم وقلوبهم ولابد من ان نُحدث فرقا نوعياً في هذا المضمار لكي يُسهم في تغير الواقع المرير الذي نكابده منذ امدٍ طويل واولى الخطوات ان نقوم بنسف المفاهيم التي استحوذت على عقول ابناء امتنا ومزقتهم شر مُمزق وان نضع الانسانية نصب اعيننا ولا ننساها ونتغافل عنها ونجعلها النقطة التي ستُحدث الفارق النوعي الذي يُحاكي جميع الاديان والاعراق والقوميات ، وطريق الاعتدال في الافكار والتوجهات واحترام الرأي الاخر بصدق ومجادلته بالحسنى من اهم اسباب ودواعي نجاح الفكرة  ، وهذا السلوك يُعتبر من ابلغ صور التحضر فلغة التحاور الحضاري ليس لعقا على الالسُنِ بل هي منهج تطبيقي يألفه ارباب الثقافة والانسانية دون غيرهم  حتى يصبح جزءا من سجاياهم ، فلطالما سمعنا الكثير من ابناء الاسلام يتبجحون ويمجدون الحضارة الغربية ولكنهم غفلوا عن النقطة الجوهرية التي اوصلت الحضارة الغربية الى ما هي عليه الان وكيف اصبحت بهذا المستوى من التطور والرُقي في التعايش السلمي ، حققوا كل ذلك بتمسكهم بالانسانية وتركوا لكل فرد حرية التعبير في العبادة والفكر ، لانهم تمسكوا بالعلم والانسانية ارتقوا ، فلماذا لم ناخذ منهم غير ثقافة الإباحة الاخلاقية وتركنا الجوهر فأي مُفارقة هذه ؟! وأي ازدواجية في الفكر ؟! فلذا علينا نبذ التكفير المذهبي لانه السرطان الذي نخر جسد الأمة وفتك بأبنائها ، وكذلك علينا ان لا ننسى ونتغافل عن الامبراطوريات التي انهارت على يد العرب والمسلمين امثال امبراطورية الفرس والروم و كذا اليهود فلازال ذلك العدو الغشوم يتربص بأمتنا الدوائر ويبتغي لها الشر ، علينا ان نعي ما يجري حولنا وليس من الحكمة  تناسي ذلك فما يجري لنا اليوم هو بتخطيط تلك القوى التي اُطرت بعناوين ومسميات مختلفة واتبعت حيثيات عدة لتنفيذ مآربها ، فان اصحاب تلك الامبراطوريات يحلمون باسترداد واستعادة امجادهم وبسط نفوذهم ونحن الارض الخصبة لمشروعهم المشؤوم فحذاري أمة الاسلام … حذاري أمة العرب .