( سفر برلك وسبل العودة – وليد حاج عبدالقادر / دبي

 

حينما يتخلى عنك من راهنت بحياتك من اجلها .. حينما تصل بك اوجاعك فتتخيل بأنك لست سوى إيشارب او حذاء تتحسس أنت بذلك فترمى بك الى تلك الزبالة .. او على أقل تقدير .. لا لا تمهل قليلا ولا تلق الكلام جزافا ، او تاخذك آلامك الى متاهات يدرك كل ممن كان حولك الى ذاتها المتاهات ، وهاهي دواليب عربتك ياالتعيس تقودك الى حيث هي ذاتها كانت اللأدرية يا عاشقا خلت ذاتك في يوم بدت لك الغيوم المعتقة سوادا كانت وخلتها قوس قزح كما الرعد ببرقه أشبه بلفحات متتالية وبكثافة لضجيج من وهج شمس يومض ويختفي و .. كان الوجد هو ذاته يا حبا بان كما كنت انا وحيدا وهاهي ذاتها مشاعري .. كم احببتك فتاتي .. كم عشقتك اميرتي .. خاتونتي .. رباااه ! اذن ؟ لمن ساختزنها .. لمن سأختزلها ؟ لمن ساراكم لواعج عشقي هذا ؟ .. صه ايها البائس كنت لا ام لك ولا أب ؟ لا لا لا .. غدر الزمن ومشيئة القدر هي كانت وكنت أنت الطفل وهي اختك التائهة حسينو و .. ويحي لوجعك ياالحب وها هي حبات سرياليتها تتفتت ! .. لم يبق  لك سوى بؤسك وشظايا قلبك الذي تفطر ! .. نعم ! لم يكن غبيا ؟ .. أجل لم اكن فطنا ولكنها علائم الغباء والبله ! لا لا مطلقا ! هي ليست ذلك بل هو القمع الإرادي الذي تراكم بفعل الأنين الداخلي الصامت ، وذلك الحنين الطاغي للاشيء وكل شيء .. هو الوجع بلا وجع كما الأمل بلا أمل وكلها توجد ولا توجد سواها ياالعشق التي هي أنت مجنون أضحيت وهاهي اوجاع الدهور تقحط طبقات تحجرها والعين اختلط دمعه بدمه و .. بالفعل لم يكن غبيا وإن لم يكن ذكيا أيضا ولكنه كان يدرك تماما مآلات المستقبل وما ستسير به عجلة اقداره والأدهى هي انه كان مثقلا بتراكمات تتالت و .. يعلم أيضا رغم غزارة معارفه والتجارب التي مرت به وقصص الخلان والمحيط ولكنه بعمره ما توقع ان تكون جراحات الوجد وجع وهسيس الفراشات التي كانت تتطاير من فوق رأسها ان تدفعه الى جنون غيرة قاتلة ، هو الوجع وهو عمره ما فكر بسنين العمر الطويلة ولا مطلقا بكم الأوجاع المتراكمة .. كم هو صعب ان تستفيق من النوم كل يوم وابتهالك للمولى ان يلاقيك عزرائيل الموت .. كم هو قاس ان تلتفت حواليك وتتذكر سينم كجا بوهارا وتتشفع بكل الأولياء ان يكون موتك خلف الباب .. كم هو قاس ان تتحطم فيك كل المشاعر كمرآة من زجاج .. كم هو بؤس أن تعيش ولو برهة والاحاسيس تدفعك من جنون الى جنون .. عمري ما احسست بالغربة عن الذات .. عمري ما ظننت بأن الغيرة ستدفعني الى جنون فاتخبط في لا ادرية واتمناها خناجر تتقطع بي وفي دواخلي وقلبي يتمزق أشتات وأشتات .. بت فعلا كمجنون .. بالفعل أنا المجنون امشي ولكن الى أين ؟ او اعود من أين ؟ وإلى أين ؟ ان كنت في الأساس لا ادري من اين اتيت ؟ فكيف لي والعودة الى عينه المكان الذي منه  اتيت ! ولكن ؟ هل لي تحديد من اين اتيت ؟ او الى أين ساذهب ؟ هذا هو السؤال الذي توهني ويتوهني وسيتوهني ! هل اعلم من أنا ؟ بالتأكيد لا .. بائس محطم أنا .. كم اشتهيك ياالموت .. كم اشتهيك ياالموت و : يبقى الوجد يا حبا كما كان وظل هو ذاته عنوان عشقي ايتها المفتون أنا بها هياما و .. تظلين يا طفلة في العشق لاتزالين ، والهيام يتسرب باحمراره يكسو مشارب وجهك ياالجميلة أنت أقر بسطوتك وانا المثقل بحب أدرك كم هي مرهفة الأحاسيس وأنا اقتعد الأرض أغوص عميقا في محراب عشقك ياالحبيبة كم اعشقك ، وهي الحقيقة التي تضج چين أنت و .. انت المتيم في محراب حتى حجارته تذوب في حنينية عشق يتقطر فيه ومنه الشهد عزيزتي سيدة على عرش قلبي فاتنتي أنت .. أتدركين كم اعشقك ؟! .. أشك في ذلك ..

 

أن يتملكك جنون العشق حسينو فتغتاب بكل شيء وفي كل شيء ، ان يهيمن على مخيخك جموح الأحزان فتصرخ من جوانيتك كما هي كانت آهات تلي آهات وفيض عينيك بدموعها المنهمرة تخالها كشلالات تستولد بركا وانهارا ! حينها ؟ اما كنت تدرك سر ذلك .. أجل حسينو ! أيعقل انه الحب وقد هيمن على كل احاسيسك ؟ .. أيعقل بعد كل جنون العشق والغيرة حتى من الفراشات وها أنت المرمي كجلمود صخر وقد تحجرت فيها كل مسامات العشق التي خلتها وبنيت اقاصيص لا لا اساطير وملاحم تبني عليها حميمية عشق ! ربااه ياالازل في عشق خلته في دواخلي .. ربااه ياالألم ها انت تهدر بطغيانك تستولد وجعا يفتك في كامل جسدي .. كم احسدكما ياالبغلين رباه افقدني الأحاسيس كلها واعمي في النظر و .. هي اوجاعي .. نعم هي اوجاعي حسينو وقد تعودت عليها و .. لكن : ربي .. إلهي ؟! أيعقل ان يستولد الحب كرها كبيرا وجزئياته قد تراكمت منها حرائق الوله لحبيب بات هو والعشق صنوان خلته أنت .. ايتها الدموع ؟ لما تحجرت فيكم انسيابية القرح المدماة وبتم كجفائها الدموع كما قلبها الملأى حبا خلته عشقا ولكن ؟ كم أريد أن ابكي .. حتى البكاء تحالف معها وبدا الجفاء كما شرايين قلبي تدعو بحثا وتبتهل للمولى ان تتصلب وتتقطع .. نعم ! .. ان تخال ذاتك سلطانا على قلب من تعشق والآمال تكبر فيك وتكبر و .. ربااه حسينو ؟! .. ربااه ياللألم وهاقد خيم وانسدل كما هذا الليل ولكن ؟ أيعقل انها بالفعل قالت ما قالته ؟ .. أيعقل ؟ ويحي ويحي ويحي ياالوجع هات دموعك وخففي من حرقة قلبي ؟ .. أيعقل ان انام ولا افكر بها ؟ وحتى في نومي ألا احلم بها ؟ وغدي أجل والغد واي غد ألا تدغدغ هي كامل مشاعري تدفعني دفعا الى سرديات عشق خلته فعلا وقد تأبد ! .. وكطفل صغير اوقف حسينو عربانته وتناول وسادته المرطبة ازلا بدموعه وهي شهقة بكاء عجزت العينان في تقطير دموعها ! رباااه ما اثقل البكاء حينما يعجز عن تطهير آلامه فيطرحها وجعا .. نعم حسينو : لو تدري هي كم خلفت من دمار في كيانك أثق : بانها مطلقا لما فعلت .. وكمن يغلق كتاب افراحه الى الأبد ! هي اوجاعك ياالحزين ازلا من فقدت امك وابوك وهي الوسادة رباااه كم اكرهك ياالوسادة مثلما هي كرهتني .. كرهتني .. تكرهني .. كم كنت طفلا .. كم كنت طفلا و .. كم كنت احبها .. كم أحبها .. كم ساحبها .. و .. أجهش في نحيب فظيع بدأ للكون والنجوم والضفادع والحشرات حتى بغليه كم من ألم يعانيه لابل حتى الحجارة اخذت تتقلص وكمن تعتصر دموعا كانت قد جفت في عينيك حسينو وهاهي تسيل ماءا من بين ذراتها .. ربااه ياالحجر حينما تدميك الألم دمعا فيفج فيك لا ماؤك بل دما ..

 

 

هي الدروب تسير بك حسينو ، وهي الوحدة في الليالي الطويلة والايام تتدرج باريحية حينا وتزاحمها كثير من السوداويات في احايين كثيرة ، أجل حسينو ! هو دربك العسير لابل دروبك وهي الغصة المتراكمة وقلبك الذي امتلأ شجنا ، وهي الآمال كما ذاتها الاجنحة التي تكسرت في سرب الطيور ومن تحتهم الايادي تنتظر لتتلقطها .. كم هو محزن حسينو اياماتك وعجلات هذه العربانة تلف بك وتدور و .. هاهي بيوتات گر كندال تبدو لك وسط انبلاج الظلام وخيوط اشعة الشمس التي اخذت تتضح وانت لازلت ذاته المقهور والوجع اخذ يضج بأنينه وهو ذاته السهم الذي اصر ان يتشبث في صميم قلبك المنفطر شذر مذر .. رباه ما اتفه العشق وما ادماه حينما يصر ان ينتج مآسيه .. انتبه الى البغلين وفرفرتهما انذارا له بالوصول الى القرية .. جر رسن البغلين ووجههما الى ذات شجرة التوت الكبيرة على مقربة من دار قباتي كچيا .. نزل حسينو من العربانة وفك حزم البغلين وربطهما بالشجرة وعدل لنفسه مكانا بين اغراضه ، وكمن كان قد سهى عن امر وتذكره فجاة ! تأمل من جديد بيت قباتي كچيا الذي بدأ على غير عادته ، كانت بعض التعديلات واضحة عليها ، لابل بدا وكأنها قد بنيت من جديد ، وقد حوط بجدار اسمنتي ، وباب كبير لازالت رائحة ألوانه تفوح في المحيط ، لابل هناك ملامح لطرز بنائي مختلف عن كل بيوتات القرية ! غريب بالفعل ؟ حسينو ( خولي سر ) ؟ منذ كم قرن لم تزر – گر كندال – ؟ أما كانت قبل اعتقال نوافي نايفي باشي ؟ وكان معك حينها ملا حمدي رسول ملا مصطفى البرازاني ؟ إي إيه حسينو ؟ لقد بقي وقتها برفقتك لأكثر من عشرة أيام طفت به من ربوع تربسبي ودارة حاجو آغا الذي أقمت فيه بطريق عودتك الى ما هبت من القرى .. وها أنت لابل واصبحت انت وملا حمدي صديقان عزيزان ، وكم من مرة أصر هو ومضيفوه ان ارافقه ، وبصراحة كنت انسى اثناء مجالستهم وانا اصغي الى حواراتهم وطريقة كلامهم بامور وملافظ لا ولم لابل لن أفهمها ، هي تلك الجلسات التي كنت انسى نفسي واسمي بمهنته حسينوي عطار ، بل كانت تتقمصني وبعنف شديد شخصيتك يابن العم افديك بروحي وحيدنا أنت كما انا وحيدك وهدية الأم والأخت مثلها حمدي ! .. رباه ! ربي وبحق جاه ( كجا جل كزي ولاوكي رهواني .. لاوكي غريب .. شيخي غوث وشيخي نقشبند .. بجاهي شيخ غبدالقادري گيلاني .. شيخ سيدا وشيخ ابراهيمي حقي .. شيخ سعيدي بيران وشيخ عبدالرحمني گارسي .. شيخي مالا دين و شيخي كسك وشيخي زراف او شيخ حسيني و سيد رزو .. ت بدي خاتري گري إيلم و شيخ و مشايخي هاوير دورا گري وي ت بدي خاتري أوجاغا وان ت قادي أو هڤالي وي بستريني او ژ بن دستي ظالما درخي ) .. على فرفرة البغل اليسراوي انتبه لحاله والمحيط وهي تباشير الصباح كانت ومعها ضجيج الأطفال مع يقظتهم بدقائقها الأولى ، وتعالت الأصوات في أزقة القرية تنادي بقدوم حسينو العطار ..

 

..

 

رغم مشاغل حسينو الكثيرة والحواديت كما البازارات التي يدخلها في كل قرية ، إلا انها مطلقا لم تثنه إن لمتابعة ما يحدث في محيطه ككل ومن حواليه بشكل خاص ، فهو تربى في بيئة صحراوية كانت وبقيت الحواس من اهم الادوات التي تصقل وتدرب عليها ، وكذلك نمط العيش والتشارك وبازارات المبادلة في المواد وحتى الادوات ، وهنا في العطارة كل شيء هو بالمقايضة والتعاملات النقدية تندر وفي حالات كثيرة يتم استبدال او مقايضة ذات المادة بيعا وشراءا في ذات السوق او القرية ، وهنا ، وفي هذه القرية اللطيفة بكل معاييرها ، لم يفت حسينو مطلقا كل ما تلقطته عيناه من متغيرات في دار قباتي كچيا ، خاصة بعد أن اتضحت له أمورا أكثر في تلك المتغيرات التي شملت كامل المبنى بشبابيكه المتعددة الشرحة والباب الخارجي المعمول وكانه أربعة ابواب في باب واحد .. انتبه الى خفشي القادمة إليه وهي كعادتها تتثاقل بمشيتها بغنج كبير وتتقدم ببطيء وتستذكرك حسينو ابدا بخطواتها ذات القول المأثور تغنجا – مش أوردك – .. تقدمت وحسينو يستعجل المحيطين به لينتهوا من بازاراتهم وينصرفوا و .. خفشي بذاتها كانت أيضا قد اختارت موعدها في اوقات تتوقع فيه ان يكون الإزدحام قد خف .. اقتربت خفشي من حسينو وبعد السلام والكلام الصريح منه والملغز ، دنت هي من العربة تتفحص محتوياتها وحسينو في ذات الوقت كانت يده تلتقط لعبة لطفل وكوعه لامس صدرها لخفشي .. تطلع فيها وسبقته هي بالكلام وقالت مبتسمة – تي بمري حسينو أو وي بميني ژ ترا حسرت – رد عليها حسينو وهو يبتسم وعيناه يكادان ان يقطعا كل ما يغطي ذينك النهدين وقال : ( دما أز وان زمط بكم تي هنگي بزاني وي ج قيژين ژ وان بي ) .. انصرف بعض الزبائن وان بقي اطفال فقط للفرجة وهنا تطلع حسينو من جديد صوب بيت قوبات و .. استفسر من خفشي عن هذه المتغيرات ؟ .. أجابت خفشي : خولي سر حسينو ؟ قصة أقرب الى الخيال حقيقة هي ؟ .. وكمن شده الأمر كثيرا وطلب منها ان تسرد القصة .. قالت خفشي : هل تتذكر – سفر برلك – ؟ أجل رد حسينو .. وتابعت خفشي : في ذلك الوقت كان الجيش والجندرما العثمانلية تلقي القبض على أي شاب يرونه ويرسلونه الى جبهات مقاتلة – قومين گاور – الشعوب الكافرة .. وصادف ان الأخوين بلنگ و هرجويي كجي كانا عائدين من سيرت قاصدين جيايي هركولي حينما صادفتهما دورية انكشارية وقادتهما الى المعسكرات ، وحينها تعددت الاخبار حول مصيرهما وما حدث لهما ! منهم من قال لقد التهمتهما الحيوانات المفترسة او قتلا ولربما تاها في الجبال وهو يسيرون بلا هداية ، ومع الأيام نساهم الناس إلى فيما ندر من حديث لذكرى كانت ترتبط بهما .. مضت السنين الطويلة وكان الجميع لا يسيذكرهم الا بكلمة – رحما خودي لوا با – ويقال بانه كان قد مضى اكثر من عشرة سنين على اختفائهما ، تفاجأ الجميع وكانوا في – بانا – زوزانا وإذ بالأخ الكبير بلنگ قد دخل المرابع يبحث عن ذويه ، وكان قد كبر كثيرا وتغيرت ملامحه الى درجة فظيعة ، وبعد حواديت عديدة وثق الحضور بانه هو بلنگ وهنا قبل وصول ذويه ، تواترت عليه الاسئلة وتكررت بالإستفسار عن اخيه هرجو ؟ واين كانا ؟ ولماذا اختفيا ؟ هل كانا في السجن مثلا ؟ وبلنگ عيونه كما الحدأة يترقب أي قادم و .. مع حضور عمه ووالدته ورجالات اخرى لم يعرفهم رغم انهم أخوته و هات ياالمشاعر الفرحة المجبلة بدموع فراق ادمت القلوب ، وتكرر السؤال عن هرجو ؟ رد بلنگ : أنا الذي اريد ان استفسر عنه ؟ لقد اخذونا الى شرنخ بعد ان القي القبض علينا ومنها الى آمد وخضعونا الى تدريب ومن ثم قسمونا وعزلوني عن هرجو بضمه الى مجموعة أخرى وافترقنا الى اللحظة .. اخذوا مجموعتنا الى ارناؤوط وهو لا ادري الى أين ، ومع توقف الحرب وتفرق الجنود اجتمعنا نحو 75 مقاتل من مناطقنا واتخذنا الطرقات ونستهدي باسماء المدن الشهيرة ومن هذه المنطقة كنا حوالي خمسة عشرة شخصا بعضهم من مسيبين وماردين .. ولكن ؟ اردف بلنگ ؟ او لم يتواصل معكم هرجو ؟ ردوا بالنفي وليستكمل هو : لقد اكد لي بعض ممن كانوا معنا ويفهمون لغة الترك بأن الكتيبة الأخرى وجهوها الى خرواتيا ، وهي جبهة كنا نخشاها جميعا .. الهي يحميه ويعود الينا ..

لم تكن خفشي قد انهت حديثها بعد ، وفي الواقع هي التي توقفت بسبب ازدحام الاطفال الذين التموا حول العربة وكل اخذ يطلب شيئا لا يلبث ان يستبدلها ، وساد الهرج والمرج ولم يتبق سوى الحاجات التي لا يرغب فيها عادة أطفال القرى ! وبدأ الجمع يخف والاطفال ينسحبون وهي خفشي الوحيدة التي كانت تراقب كل شيء وفي الواقع من أجل لا شيء .. أما حسينو فقد بدأ يضبضب بعض الحاجيات ويلملم ما قايض به و .. كمن تذكر الحديث وخفشي وسفربرلك وهرجو ودارة قباتي كجيا وتوجه بكلامه الى خفشي متسائلا : وبعدها ؟ ماذا حدث ؟ .. ردت خفشي ممازحة ولكن بامتعاض لم تستطع إخفائها وقالت : وماذا تعني ( بشتك لي شكستي ) .. عن ماذا تسأل ؟ مؤكد ليس قامتي وجمالي ؟ .. ضحك حسينو وقال : خفشي والله ت خفشي .. أنا اسأل عن هرجوي كجيا ؟ وانت فكرك اخذك الى الأبعد ؟ .. ردت خفشي وكانها شردت : ها ها .. وعيناها تتابعان شيئا ما ولكن غير محدد و .. تابعت : مضت السنين تلف سنينا ومات الكبار وفي قلوبهم حسرة على هرجو ومصيره ، وبات امر غيابه وحضوره ، موته او فقدانه في بقعة ما يستحيل فيه عودته ، وتتالت الروايات ومعها القصص والمتابعة في كل حدب وصوب ، فما ان يتناهى الى مسامعهم قدوم أي متخلف او جريح وربما أسير اطلق سراحه إلا وبعض من اسرة هرجو تنطلق الى هناك تستفسر ، ولكن لا آمل ولا معلومة ، ومع الأيام انشغل الجميع بحياتهم وبقي هرجو مجرد ذكرى ، وكحالة او حكاية كانت تسرد قصته من جملة روايات سفربرلك ومآسيها ، وها قد مضى سنين طويلة على ذلك ،والجيل الذي عاصر بلنگ وهرجو قد رحلوا والقوم قد استقروا هنا في هذه البقاع و .. قبل شهر او اكثر ! أرسل نايف باشا سائقه الخاص يطلب قباتي كجيا الى إيوانه .. وبالفعل أسرع والقلق قد سيطر عليه تماما وهو يسترجع كل مجريات حياته بحثا عن سبب ما يكون الباشا قد استدعاه بهذه الصورة ! ولكن ؟ لا مطلقا ! فأنا لم أفعل أية شيء يغيظ أي كان ليشتكيني الى الباشا .. قطع حديث خفشي صوت من جهة دار قباتي كجيا تنادي حسينو بإسمه محييا .. كان هو ذاته قبات .. رد حسينو السلام واكمل قبات الكلام داعيا حسينو الى الدار وامام الحاحه تطلع في خفشي التي قالت له إذهب إليه فسيكمل لك الأمر وسآتيك بعد قليل أيها الشقي

 

ربط حسينو البغلين جيدا واغلق باب العربانة ومن ثم توجه صوب دار قبات ، وما ان ولج الداخل حتى تسمر في مكانه مبهوتا على اناقة الدار وطرزه بألوانه وحجارته والتقسيمات غير المألوفة ، انتبه لصوت قبات يرحب به ويدعوه الى الداخل .. الغرفة التي ادخله قبات إليها بأثاثه جعلت حسينو يلتفت حواليه بحثا عن بقعة تتوائم مع لباسه الرثة ، وفي الواقع انه لم يتعود البتة الجلوس على هكذا كراسي وصوفايات .. جلس ارضا واستند بذراعه اليمين على كرسي خلفه .. اخذ حسينو يتامل خزن الحائط الداخلية وأشكال من الزجاج المكثف قد علق بالسقف عرف بأنها لمبات إنارة رغم عدم وجود الكهرباء .. ما كان قد اشبع غروره في المتابعة والتفرج حينما باغته قبات يستفسر عن ابن عمه قادي ، رد حسينو بانه لا جديد مطلقا .. رد قبات مؤكدا وأن نايف باشا قد اكد ذلك عند استفساره عن وضع نواف باشا ، واضاف قبات بأن الباشا قال لانهم سيحاكمون في محكمة الشام .. اعتدل حسينو في جلسته وخاطب قبات :

– كانت خفشي تحكي عما الاحظه من متغيرات في وضعك ولكنها ما ان وصلت الى حيث اقتادتك سيارة الباشا إليه وناديتني .. من كل قلبي فرح أنا مما أراك فيه

رد قبات :

أشكرك حسينو ومن كل قلبي اتمنى لك التوفيق ولإبن عمك وابن الباشا وكل رفاقهم الحرية والخروج من السجن ..

شكره حسينو واردف :

– هل لك ان تشبع فضولي قبات العزيز ؟ .. أراك مغتبطا لا للعز بقدر ما هي الحكاية وماوراء هذا الوضع

– حسينو صبرك .. بعد الغذاء .. ووالله هي سيرة أشبه بالخيال ولكنها الأصالة كما كانت روحية جدك حسينو .. اصبر قليلا ..

ولم يمض وقت إلا ونودي عليهما ، نهض قبات ومعه حسينو وخرجا الى غرفة أخرى يتوسطها طاولة كبيرة محوطة بكراسي عديدة وقد بسطت عليها اطعمة متنوعة .. تطلع حسينو في قبات وقال :

– قبات ؟ خولي سر أڤ جيا ؟ والله لن أستطيع الجلوس على هذه الطاولة لآكل .. إملأ لي صحنا من الذ ماهو موجود على الطاولة ..

جلس حسينو ارضا وتناول طعامه وتمدد قليلا هو وقبات الذي بدأ وكمن يستعد ليحكي حكايته التي ينتظرها ضيفه بشغف كبير .. قال قبات :

– اظنك سمعت بقصة والد جدي المرحوم بلنگ وأخوه هرجو اللذين سيقا الى سفر برلك وعودة والد جدي لوحده ، وقد بقيت عائلتنا على مر الأجيال تسعى باحثة عن أي اثر له ! ولكن من دون جدوى ، وقد وكلنا امرنا لان حينها ومع الزمن اعتبرناه وقد ارتحل من هذه الدنيا ، وبالفعل كان كلما ذكر اسمه كنا نرفقها بالمرحوم .. وهكذا مرت السنين الطويلة ، الى ان تفاجأت قبل شهور بسيارة الباشا وسائقه يطلبني لمرافقته الى مضافة الباشا ! ورغم إلحاحي إلا انه اقسم بأن لا يعرف السبب ولماذا ؟ واردف السائق بأن الباشا لديه ضيوف مهمين قادمين من بيروت والشام .. لم افكر حتى باستبدال ثيابي وحشرت نفسي داخل السيارة وانا اضرب الاخماس بالاسداس بحثا عن سبب اقنع نفسي بها كسبب في دعوة الباشا لي إلى مضافته .. وبالفعل ما أن وصلنا الى المضافة لاحظت وجود عدة سيارات بالخارج .. توقفت السيارة ومعها ارتفعت دقات قلبي لابل كنت أحس بانه سيقفز خارجا من صدري .. قطعنا الإيوان الصغير صوب المضافة و .. على الباب يا حسينو ! تاهت مني النظرات وتلخبطت كثيرا ! الإيوان يعج بضيوف افندية ! وانا بملابسي الرثة والمتوسخة .. تاملني الباشا ببسمة كانت فيها مزيج من الدعم المعنوي وروحية تشي بامر جميل لا وشاية .. هدأت نفسي قليلا وإن كنت قد تسمرت في مكاني ألف بنظري المجلس كله ، وانتظر إشارة من باشاي لأتصرف و .. لفت نظري .. نعم حسينو .. لفت نظري شاب يكاد ان يكون بعمري لا لا لا حسينو لو انه كان مولودا هنا لكنا ربما قريبين لبعضنا .. شعور غريب حسينو .. لهفة تكاد ان تدفع بي إليه ولكن ؟ هي لباسي ومقامي والباشا وضيوفه والسؤال الذي اخذ يزحف في داخلي ؟ عجبا ! من هو ؟ ومن يكون ؟ وما سر هذا التقاطع بهاجسه الروحاني .. تقدم مني الشاب بخطى تنم عن حنينية كبيرة وانا المحتار في امري ؟ وامر هذا الأفندي .. نهض معه دهام نايف باشا يرافقه صوبي وابتسم هو أيضا يشجعني .. توقفا قبالتي وانا أتأمل وجه القادم بعمق .. رباه ! لو كان لي اخ ضائع لظننته هو و .. ويحك قبات والله والله هو من نسل عمي ولم أكمل الأمر حتى في ذهني إلا ودهام باشا يقول لي : أنه ميران حفيد ابن هرجو شقيق جد أبيك وقد بحث كثيرا عنكم وجاء من بيروت الينا لان هرجو كان قد وثق لهم المعلومات الكافية عن الامكنة التي يمكن أن نكون جميعا فيها وهنا ومع ارتباكي العنيف وسيل العواطف ترددت في احتضانه إلى انه تقدم صوبي اكثر .. لحظة جدا مؤثرة كانت للجميع وبعد أشجان اللقاء اخذني معه الى حيث المجلس ومن هنا بدأت حكايتي الجديدة وقصة بلنگ وهرجو ورحلة التشبث عند هرجو رغم مرارة الغربة وبؤس الحرب وقصصها التي لم ولن تنتهي

 

  • مقاطع من ثلاثية يوميات حسينو العطار