حقائق لا يُمكن تجاهلها لحل الازمة السياسية الخطرة في العراق عبر حل وسط – د. آزاد عثمان

 

في مقالين سابقين وضحت أنّ السببين الاساسيان لمعضلة الناس والكيان في العراق يكمنان في: فقدان السيادة الوطنية وإنعدام النُخبة الحاكمة الكفوءة والنزيهة، نتيجة للهيمنة الأجنبية الإقليمية العلنية و تفشي الفساد الإداري والمالي في معظم أجهزة الدولة الإدارية والسياسية وعسكرة المُجتمع العاطل عن العمل والمحروم من الحقوق والخدمات الأساسية؛ وما لم تتم معالجة هذين السببين ودوافعهما المذكورة و نتائجهما المُدمّرة جذرياً، لن يتم حل مشاكل حياة أهالي الدولة العراقية بصورة صائبة وفعلية، وبالتالي لن تنتهي محنهم وسيكون مُستقبل كل الأهالي ومَصير مُجمل كيانهم في مهب الرياح.

ولكن علينا أن نكون واقعيين، هل يُمكن تحقيق الحل الجذري لمحن أهالي كل أنحاء العراق ومعوقات سيادة جميع أرجاء دولتهم بضمان حقوقهم بشفافية وإخلاص وحماية حدودهم وحقوقهم الدولية – المُنتَهكة باستمرار من قبل دول جارّة – باستقلالية وجرأة مطلوبتين، في ظل الظروف الداخلية والإقليمية الراهنة؟ الجواب هو بالتأكيد: كلا، والأسباب معروفة للملأ، لأن الحل المثالي يحتاج الى ساسة مثاليين وسياسة مثالية، والى ظروف ذاتية وموضوعية أي داخلية وإقليمية ملائمة، وهي لا تتواجد حالياً، باستثناء نتائج مُستجدة مُختلفة نسبياً لمخرجات الانتخابات النيابية الأخيرة، التي قاطعها أكثر من نصف الناخبين أي غالبية الشعب، بسبب عدم الرضا من أسلوب الحكم ونهج الحكام عموماً. ولكن حتى نتيجة هذا العامل هو شلل العملية السياسية برمتها، وإستحالة تشكيل الحكومة المُقبلة في ظل الظرف الحالي أي بسبب مواقف الأطراف المُشاركة في مجلس النواب المُعاكسة حيال مسألة تشكيل الحكومة القادمة وردود أفعالهم إزاء بعضهم البعض. حيث إنقسمت الاحزاب التي تتحكم بالعملية السياسية وتشترك في إدارة الحكم والتصرف بالموارد الاقتصادية للبلاد منذ سقوط النظام البعثي البائد الى طرفين مُتنافسين، بسبب تحول الكتل العربية الشيعية الى تحالفين غير مُتوافقين، وتمسك كل منهما بأسلوب معيّن لتشكيل الحكومة القادمة وإدارة الدولة (الأغلبية أوالتوافقية)، وهنا يكمن جوهر الأزمة السياسية الجديدة أي السبب الفعلي للعقدة المُستعصية.

فبالرغم من تجمع معظم الكتل العربية السنية في تحالف مُشترك، ووقوفهم الى جانب أحد الطرفين الشيعيين أي التيار الصدري، وبالرغم من وقوف كتلتين كُرديتين في الاجتماع الثاني لمجلس النواب (الحزب الديمقراطي الكُردستاني والجيل الجديد) الى جانبهما، وكذلك تضامن عدد من النواب المُستقلين معهم، فلقد تمكنوا فقط من إنتخاب رئاسة مجلس النواب، بينما أخفقوا في حسم مسألتي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة القادمة، بسبب مقاطعة الطرف الشيعي الثاني المسماة بالاطار التنسيقي للاجتماع ووقوف ثلاث كتل نيابية كُردية (الاتحاد الوطني الكُردستاني والاتحاد الإسلامي وجماعة العدالة الكُردستانية) وعدد من النواب العرب السنة وبعض النواب المُستقلين معهم؛ حيث شكّلوا معا ما يُسمى بالثلث العاطل لكفة التيار. ولم يجتمع النواب المستقلون أو النواب الكُرد على موقف مُشترك بمطالب مشتركة حاسمة كبيضة القبّان- كما يُقال، لاي منهما. وبذلك إنقسمت الكتل النيابية الى طرفين لا يشكل أي منهما نسبة الثُلثين المطلوبة لتحقيق النصاب القانوني لانعقاد المجلس لانتخاب رئيس الجمهورية من بين المرشحين الكُرد – كما هي العادة، وبالتالي إختيار مرشح رئاسة الحكومة من بين النواب الشيعة – لعدم إجماعهم على تشكيل الكتلة النيابية الأكبر معاُ، وهذا هو العائق الأساسي أمام إختيار كل من رئيس الجمهورية الكُردي ورئيس الحكومة العربي الشيعي؛ وبهذا وصلت العملية السياسية ومسألة تشكيل الحكومة الاتحادية المُقبلة الى زقاق مسدود أو ما يُسمى ب”الإنسداد السياسي”.

وبهذه الصيغة يَستحيل إختيار رئيسي الجمهورية والحكومة وبالتالي لا يُمكن تَشكيل الحكومة الاتحادية القادمة، وستتعطل أمور إدارة البلاد وتتكاثر مشاكل الناس وتزداد مخاطر العيش والأمان داخلياً وخارجياً.

حتى إذا توافقت الأحزاب الكُردية على مرشح مُشترك لرئاسة الجمهورية – حيث سينعكس إيجابيا على الاوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في الإقليم وسيكون له تأثير بالغ بشأن مطالب الإقليم الدستورية المشروعة في جدول أعمال الحكومة المُقبلة؛ ولكن لن يحل ذلك العُقدة المُستعصية الناشئة بخصوص تشكيل الحكومة القادمة من الموقفين المُختلفين للطرفين العربيين الشيعيين؛ ولأن نواب الكتل العربية السنية والكتل الكُردية لن تنفصلان عن أحد الطرفين العربيين الشيعيين غير المتوافقين (التيار والإطار) بسبب تحالفهم أو توافقهم معهما على إنفراد، بالرغم من عدم وضوح بنود الاتفاق بين الأحزاب في التحالفين لصالح الأهالي في العراق عامةً ولصالح أهالي إقليم كُردستان- بخصوص المشاكل المُعلقة بين حكومتي الاتحاد والاقليم، وبِشأن مشاكل أهالي المناطق العربية السنية المدّمرة أثناء غزو داعش ومحاربته.

إذاً ما هو الحل؟

إنّ الحل الجذري لمشاكل الناس وضُعف بلادهم هو أمر مستحيل حالياً، ولكي لا تستفحل أمور الناس والبلد بفعل السياسة غير الواقعية للساسة المتحكمين بخيوطها والتأثيرات الضارة للقوى الخارجية المُسيّرة والمهيمنة في النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في عموم دولة العراق، وحتى لا تتدهور أحوال الأهالي وأوضاع الدولة أكثر مما هما عليه، وبالتالي لا تحدث الكارثة العُظمى للناس المُبتلين بنتائج هذه السياسة الخاطئة لهؤلاء الساسة والحُكام في “العراق الجديد” وجيرانهم المُستغلين الطامعين والمُخادعين، منذ اكثر من خمسة عشر سنة. في هذه الحالة الحرجة المُهم هو الوصول الى حل واقعي مُمكن لسببي المعضلة ودوافعهما الأساسية للتخفيف من وطأتها على مقومات عيش وأمن وكرامة المواطنين والمواطنات، حتى لا تتحول حياتهم وحياتهن الى كابوس فعلي لا يُطاق وتَنجم عنها نتائج غير محمودة؛ حلِّ يُسّهل تشكيل الحكومة القادمة ببرنامج تصالحي وخدمي وأمني مقبول لدي الأهالي المغبونة والمُنهكة.

وهنا تبرز مسألة كيفية الوصول الى حلّ واقعي مُمكن، بُغية حل إشكالية تأليف الحكومة الاتحادية القادمة و وضع حلول مناسبة للمشاكل التي تُعاني منها أهالي العراق عموماً، سواء التي تشتكي منها أهالي الوسط والجنوب أو المشاكل المُعلقة مع إقليم كُردستان أو التي تعاني منها أهالي المناطق الغربية ببرنامج إصلاحي واقعي نسبي شامل، بعد تسهيل أمر تشكيل الحكومة، ليكون البرنامج الإصلاحي بمثابة خارطة طريق لحل المشاكل المذكورة داخلياً وخارجياً، بصورة زمنية محددة ومتزامنة وباسلوب عملي جدّي.

إتضح بانه لايُمكن تشكيل الحكومة القادمة عبر عزم التحالف الثلاثي على تشكيلها على أساس الأغلبية النيابية (الوطنية) – بغض النظر عن برنامج إصلاحي شامل كخارطة طريق مشتركة، وكذلك لايُمكن تشكيلها من خلال إصرار الإطار التنسيقي على تشكيل الكتلة النيابية الأكبر من النواب الشيعة فقط، وايضاً بغض النظر عن برنامج إصلاحي شامل كخارطة طريق مشتركة؛ حيث ترفض الكتلة الصدرية حصر تشكيل الكتلة الأكبر بالنواب الشيعة فقط، ويريدها من كل النواب المتفقين معها على برنامج الحكومة المُقبلة، بغض النظر عن المذهب والقومية؟

إذاً، ما هي نوعية الحل المطلوب لضمان تشكيل الحكومة القادمة بالبرنامج الإصلاحي والتصالحي المنشود أي لحل العُقدة المُستعصية وتجنب نتائجها الكارثية على الصعيدين الأمني والاقتصادي في عموم العراق؟

حالياً هناك مخرجان فقط للازمة وتشكيل الحكومة الاتحادية المُقبلة: الأول يتمثل في حل مجلس النواب وإجراء انتخابات نيابية مُبكّرة جديدة، والثاني يتجسد في تشكيل الحكومة القادمة على أساس حل وسط عبر توافق الطرفين الشيعيين المُنقسمين بخصوص تحديد صيغة الكتلة النيابية الأكبر، بأخذ الواقع السياسي والأمني والاقتصادي والصحي في شتى أرجاء العراق بنظر الاعتبار والابتعاد عن العناد أو الإلحاح حول صيغة لا يُمكن الاتفاق عليها من قبل الطرفين، إذ لا جدوى من محاولة فرض طرف منهما لرأيه على الطرف الثاني أبداً.

الاحتمال الأول أمر شبه مُستحيل، لأنه صعب للغاية وغير مرغوب فيه من قبل معظم الأحزاب والكتل النيابية. لذلك ليس أمام الساسة والنواب سوى الاحتمال الثاني، وكلّما تم إتباعه أسرع، كلّما قلت مخاطر وأضرار وتداعيات الفراغ الدستوري والعناد السياسي المُتوقعة، خاصة الفوضى والقتل والدمار والبيئة المُناسبة لانتعاش داعش ومثيلاتها ولازدياد الضغط أو العُدوان الخارجيين. لذلك يتجسد الحل الوسط المطلوب للإنفراج وتجاوز إنقسام كل مكونات أهالي العراق الى شطرين مُعاديين في: الاتفاق على تشكيل كتلة نيابية كُبرى على أساس “الأغلبية التوافقية”، وذلك عبر الاتفاق بين غالبية كتل الطرفين المُختلفين على إعتبارها الكتلة النيابية الكُبرى، بخصوص إختيار رئيس الجمهورية (من المكّون الكُردي) ورئيس الحكومة (من المكون العربي الشيعي)، وببرنامج إصلاحي دستوري شامل، ذات بنود معينة واضحة وجدول زمني محدد وآليات عملية على الصعيدين الداخلي والخارجي. وبإمكان الكتل النيابية التي لا ترغب في ذلك أن تشكل المعارضة البرلمانية، بغية مُراقبة أداء وسياسات وعلاقات الحكومة القادمة وتشخيص نواقصها وأخطائها وتقديم مقترحات أو بدائل مناسبة لحلها، علما بان الذهاب الى المُعارضة، أمر غير مرغوب فيه، في ظل ثقافة المصالح الذاتية والشخصية الضيقة المُفضلة في عموم العراق وبسبب التدخلات الأجنبية المعروفة التي تشجع الطرفين على التمسك بموقفيهما غير المُتوافقين، ولكن يجب تفضيل مصالح الأهالي والوطن على المصالح الذاتية والشخصية وعلى المصالح الخاصة للقوتين الاجنبيتين المؤثرتين أيضاً، بالرغم من عدم إمكان الأحزاب الكبيرة الاستغناء عن مساندتهما لأحد الطرفين لاسباب معينة. عليه للوصول الى الحل الوسط المنشود يجب أرخاء الموقفين المُعاكسين داخلياً – خاصةً من قبل الطرفين الشيعيين المُنقسمين، ويجب أيضاً تحاشي الضغط الأجنبي الشديد، والمؤذي لكل الأطراف قاطبةً.

*(هذه هي إستشارة طوعية مني، في ظل مساعِ وبحوث وكتابات أكثر من خمسين عاماً من عمري، وفي ضوء خبرتي الاكاديمية وخدمتي الاجتماعية المُتواضعتين في تلك الفترة الزمنية، داخل البلاد وخارجها. أهديها الى كل من يروم خدمة الناس فعلاً من أصحاب القرار السياسي الحاسم في عموم دولة العراق في هذه الظروف الحالكة، عسى أن تُفيد أو تُساهم في إيجاد الحل المنشود للأزمة السياسية الخانقة الحالية، بُغية تخفيف معاناة سكان العراق الغني بالثروات الطبيعية والمنكوب بالجور والتمييز المحلي والغزو والضغط الأجنبي منذ مئات السنين.)