ألكَلب ووَظِيفَةُ الإسفَنج – فرياد إبراهيم

 

للكلب في الغرب وظيفة أخرى – عدا الحراسة المعروفة لدى اهل الشرق- مهمة غريبة غير ملموسة بل محسوسة، أُسميها أم الوظائف يقينا بعد أن تابعت الأمر عن كثب ودراية واختبار طويل. وهي وظيفة : الأمتصاص، أو وظيفة الأسفنج،

Sponge Dogs

فالمعلوم ان لكل انسان وسيلة ومتنفسا للتعبير عن مشاعره وعواطفه وانفعالاته المكتومة: من غضب وخوف ويأس وفرح وهمّ وغمّ…

الفرد الشرقي مقيّد سياسيا حرّ اجتماعيا بغير حدود: إدفع نقدا من وراء الستار ثم افعل ما شئت.

أما الفرد الغربي فهو على العكس: حرّ سياسيا مقيَّد اجتماعيا من كل جانب . فلو أشعل رئيس الوزراء عود ثقاب ينظر أولا فيما لو أن هناك بند في الدستور أو في البروتوكول يمنع اشعال عود ثقاب في مكان عام.

حتى الطفل فهو في كل حركاته تحت المراقبة تفرض عليه شروط قاسية بحيث انه يسمع عبارة ( لا يجوز عشرين مرة) في مقابل مرة واحدة عبارة ( يجوز )!

وإن الأمر مع البالغين والراشدين لأشَدّ وقعا.

وهنا تتولد حاجة ماسة الى متنفس ومنفذ لفضلات النفس المرهقة بأغلال النظام الصارم والتي هي في مجملها لأثقل في حملها من اثقال ال ( لا نظام) رغم ما تجلبه هذه الأخيرة من ويلات وتخلف وفوضى.

وخير متنفس هنا أيضا هو: الكلب.

فلو فرح الفرد الاوربي أوالأمريكي لربت على رأس كلبه، ولو خاف من شئ ما عانقه واحتضنه وأمطره بالقبلات. و لو غضب لوجّه ركلة خفيفة على مؤخرته، و تأفف ولصاح عليه عند اليأس والتبرم والشعور بالوحدة..

لم ار منذ اقامتي هنا رجلا ولا امراة يسكن او تسكن لوحده او لوحدها لسبب أو لآخر الا وفي بيته أو بيتها: كلب.

فجارتي مونيكا أراها كل يوم مع كلبها في الطبيعة تتحدث ووجهها في وجهي . فالتفت اليها ظانّا انما أنا المخاطب فاذا بها تشير الى الكلب تعني: لا أقصدك بل اقصده هو. لأشعر بالفشل في كل مرة. لم اصدق عيني حينما سمعتها يوما ربيعيا رائعا تغني له اغنية حب بالانكليزية. التقطت بعض كلماتها فإذا هي شبه مطابقة لأغنية : (قل لي حاجة، أي حاجة ،قل أحبك قل كرهتك : ئوول ئوول …) للمرحوم عبد الحليم حافظ شبانة غنّاها لنادية لطفي في فلم الخطايا في الستينات.

وحتى في الكلام والتخاطب فلهم آدابهم وقوانينهم الصارمة.

نحن اهل الشرق عموما نتكلم معا ونسكت معا. ولا ندع فرصة لا لأنفسنا كي نسمع ما قاله الآخر ولا للمخاطَب (بفتح الطاء ) كي يسمع ما قلنا نحن لأننا متكلمون مستمعون في آن معا!

أما هم فلا يلتفت منهم احد ولا يفتح فمه حتى يلفظ محدثه بآخر حرف مما في جعبته. ولو رأى احدهم تجاوز حده فإشارة يد واحدة تكفي اللبيب.

وبما أن التكلٌّم لهو في حد ذاته متنفس آخر لما تجيش في نفوسهم المضطربة بالطموحات والأماني والخطط والمشاريع والبرامج المعقدة المتطورة.. فهم يحبون ويقتربون من الشخص المستمع اكثر من المتكلم. فيتوددون اليه وينفرون من الذي يتكلم كثيرا.

وبما أن الكلب يفوق البشر من هذه الناحية فقد نال الحظوة والبركة في الخَرَس لا في الطَّرَش!

السيدة تثرثر وأذنا البهيمة تهتز، وكل هزة تفسر بكلمة: نعم ، سيدتي! فتفرغ البركان في مسمَع من استمع وعقل ما عقل.

وبسبب ضغوط الحياة علاوة على رداءة الطقس : ظلام في ظلام ، لا شمس تضئ نهارهم ولا قمر ينير ليلهم تراهم يصابون بامراض الكآبة خاصة الكآبة الشتوية . فيحتاج المرء الى ما يؤنسه، والكلب هنا هو المنتفع الوحيد في بلاء سيده. الكلب لا يصاب بالكآبة قط، يراه سيده يمرح ويقفز فيقفز معه ويمرح.

وحتى المصابين بعقد الخوف المرضي وفقدان الثقة المزمن يجدون في الكلب متنفسهم وملاذهم.

قبل سنين قصّت علي امراة شابة جميلة قصتها الدرامية. اعتٌديت عليها جنسيا ثلاث مرات وهي طفلة: اولا: من قبل زوج امها وهي في الرابعة، ثم من قبل عمها وهي في السادسة، ومن ثم من قبل معلمها وهي في الثامنة. كانت تخرج ظهيرة كل يوم بصحبة كلابها الثلاثة. تعارفنا وتكلمنا الى ان زارتني يوما في البيت. ويوما بيوم توطدت العلاقة ووصلت الى درجة أن تبوح لي بهذا السر الخطير الذي صعقت له مذهولا لا مصدقا. ومن ضمن اعترافاتها انه اثنتان من كلابها انثيان. واختارت عمدا من الضخم والقبيح ذكرا. والدموع تترقرق في عينيها: (كلما أتذكر أحد هؤلاء الثلاثة أقوم بالصراخ بكل قوة في وجهه القبيح فينكمش ويرتجف أمامي. فأشعر بنوع من الراحة والطمأنينة.)

ومن ضمن هؤلاء الذين افتقدوا الوفاء في البشر ليجدوه في الكلب هو الكاتب الأيطالي الشهير: ألبرتو مورافيا.

كان البرتو عاشقا سيئا. وعندما كتب روايته الشهيرة ـ السأم ـ قالت اليزابث تايلور انها قرأتها ثلاث مرات ولكنها لم تفهم.. وقد رد عليها بسخرية مريرة.. قائلا ان حدود فهمها.. لا تبعد كثيرا عن قدمها.. وان اجهدت نفسها اكثر فقد يبلغ فهمها الى اسفل بطنها.. وهي بالكاد تهضم !!

فردّت عليه بالقول: ماذا يقصد هذا الأعرج القبيح؟

وضحك اصدقاؤها.. وتغامزوا ولم يعلق أحد بشيء.. ويقال انه كثيرا ما كان هدفا للتندر والهمز واللمز لقصر قامته وعرجه ودمامته.

ويقولون انه قد أوصى قبل وفاته بجزء كبير من ثروته لكلابه الأربعة.

فنرى بعد كل ذلك بجلاء أنه على النقيض من اهل الشرق حيث يسود المفهوم السلبي تجاه الكلاب عامة والقول المعروف المسند بحديث: ان وجود الكلب في البيت يمنع عنه الملائكة، فإن الكلاب في الغرب لهي الملائكة ذاتٌها!

وسواء أشئنا أم أبينا فإن الكلب سيظَلّ مثالا ورمزا حيّا للوفاء والأمانة في كل مكان وزمان.

فها هو أحمد شوقي يقرّ بذلك في بيت جميل وتورية رائعة يقول متندرا على الشاعر حافظ إبراهيم، وصار قوله هذا مثلا:

وأودَعتٌ إنسَانا وَكَلبا أمَانَة – فَضيّعَها الإنسَانٌ والكَلبٌ حَافِظُ

 

*

فرياد