العراق في ظل العلاقات الدولية الراهنة- الاستاذ الدكتور خليل شمه  

 

افرزت الحرب العالمية الثانية علاقات دولية غير معهودة، فقد انهارت الامبروطورية البريطانية ومعها كل اقتصادات الدول الاوربية. ولم يكن في الحسبان هيمنة الولايات المتحدة الامريكية على مقدرات العالم كقوة اقتصادية عسكرية عظمى لتترأس اكثر المنظمات المالية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وباقي المنظمات العالمية من خلال قيادتها لهيئة الامم المتحدة ومجلس الأمن. بالمقابل ظهر مع مشهد ما بعد الحرب المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي ليكون ندا قويا للهيمنة الامريكية ودفاعه عن حركات التحرر الوطنية للشعوب المستعرة من اجل الاستقلال والسيادة. بعد ذلك عاشت شعوب الكون حربا باردة بين المعسكرين لفترة ليست بالقصيرة لم تنتهي إلا بانهيار المعسكر الاشتراكي برمته بعد عام 1991.

كما ان الواقع التاريخي يكشف لنا حقيقة هي اكثر من مُرة، حيث بدأت الامبراطوريات بالهيمنة الاستعمارية لعقودا طويلة دون الاخذ بنظر الاعتبار حق الشعوب في تقرير مصيرها في السياسة والاقتصاد. ولكن وعلى حين غرة، وجدنا اختفاء الق تلك الامبراطوريات التي مارست ابشع صور الانتقام والبطش والعنف ونهب خيرات الشعوب المستضعفة.

فبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها، بدأ العصر الامريكي الذهبي بالازدهار والتوسع على حساب الدول النامية وقامت بإدارة العلاقات الدولية وفقا لما تقتضيه مصالح الولايات المتحدة الامريكية التوسعية الجيوسياسية اقتصاديا وعسكريا. وتحت شعارات الديمقراطية وحقوق الانسان تمكنت الادارات الامريكية توجيه العالم الثالث “النامي” صوب تكتلات ظاهرها طابع انساني وباطنها نهب الثروات الطبيعية والمعدنية وكان النفط على راس اولوياتها الجيواقتصادية.

في خضم هذه المتغيرات السياسية وفي ظل النظام العالمي الاحادي القطبية ظهرت لنا قوة سياسية جديدة أشد بأسا وندية في وجه الولايات المتحدة الامريكية. برزت روسيا الاتحادية بقائد جديد طموحه يكمن في عودة روسيا اكثر قوة مما كان عليه الاتحاد السوفياتي. بوتين هذا القائد الجديد لروسيا بدأ بصمت لخلق ارضية صلبة للإنطلاق السياسي-الاقتصادي وبترسانة عسكرية يحسب لها الف حساب. فقام بتشكيل تكتلات واتحادات ومنظمات كبرى كمنظمة شنكهاي وكتلة البريكس “BRICS”  واقام تحالفات مرعبة مع الصين وكوريا الشمالية وإيران وعلاقات عميقة مع مصر والسعودية وبلدان أخرى في امريكا اللاتينية. الامر الذي ارعب ويرعب الولايات المتحدة الامريكية معبراعن صورة جديدة للنظام العالمي “متعدد الاقطاب” لتدخل شعوب العالم في علاقات دولية عادلة مع احترام حقوقها في استغلال مواردها الطبيعية بالشكل الذي يحفظ استقلالها وسيادتها.

وقبل الخوض في تفاصيل العلاقات العراقية-الامريكية والعلاقات الامريكية مع باقي شعوب العالم، علينا معرفة ماهية العلاقات الدولية والتي تشير إلى انها: ” فرع من فروع العلوم السياسية وتهتم بدراسة كل الظواهر التي تتجاوز الحدود الدولية، علما بأنه لا يقتصر على دراسة أو تحليل الجوانب أو الابعاد السياسية فقط في العلاقات بين الدول وانما يتعداها إلى مختلف الابعاد الاقتصادية والعقائدية والثقافية والاجتماعية “.

رجوعا الى موضوعنا : ” العلاقة بين العراق والولايات المتحدة الامريكية “. فالزيارة التي قام بها رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني الى البيت الابيض في نيسان 2024 لم تكن هي الاولى بل سبقتها زيارات عدة لمسؤولين عراقيين استهدفت قيام علاقات مبنية على الاحترام المتبادل والتعاون المشترك على الصعد كافة وتحديدا على تقديم المساعدة في اعداد الجيش العراقي وتزويده بالسلاح القادر على الدفاع عن الوطن او لمحاربة القوات الارهابية “داعش”.

وللأسف لم تكن هذه الزيارات ايجايية بالشكل الذي يلبي طموح العراق في تامين امنه واستقراره. ونحن على يقين بأن الامريكان كثيرا ما كانوا يماطلون في تحقيق ما تذهب اليه تلك الزيارات. كما ان الوعود الامريكية في مساعدة الشعب العراقي لتحقيق استقراره وأمنه بعد عام 2003 كانت غير صادقة ورغبات مبطنة. ونعتقد ان السلطة العراقية على دراية تامة بان الغزو الامريكي لم يكن لتحرير العراق بل لاحتلاله والعمل على خلق فتنة شبه ابدية بين مكونات الشعب العراقي الذي تأمل خيرا من سقوط الطاغية صدام حسين.

أن النظرة الأميركية الى أداء الحكومة العراقية والى شعب العراق قاطبة، ولاتزال هي نظرة الحاكم الذي يتصرف كقائد للعالم في ظل غياب مخجل للطرف الاخر، وهي علاقة مبنية على عدم التكافئ او اقلها الاحترام لدولة ذات سيادة. فالعلاقة هذه تم بناءها على اسس غير عادلة غير متوازنة اساسها التاكيد على الخنوع والاستسلام والتبعية وكأن العالم لايزال يعيش حقبة الاستعمار. وهنا، علينا القول بأن العلاقة بين الطرفين العراقي والامريكي هي انعكاس لعلاقة غير طبيعية بين دولة كبرى تقود العالم ودولة يراها الرئيس الامريكي بدولة صغيرة لا تاريخ لها ولا اهمية جيوسياسية وغير قادرة على ادارة المجتمع العراقي.

وقد نذهب الى القول، ولا يختلف في ذلك اثنان، هو ان الامريكيين لهم حاضر مشهود داخل الاراضي العراقية منذ عام “الاختلال” في 2003، وستبقى جاثمة على صدر العراقيين وبكامل قدراتها وعناصر قوتها، وأنه من الصعوبة بمكان الحديث ان امريكا ستخرج من ارض العراق.

ورغم ايماننا بان خروح القوات الامريكية امرا لايمكن الاعتداد به، قامت بعض الاطراف العراقية بمحاولات خجولة لتشكيل حكومة وطنية، وللاسف، ولذر الرماد في العيون، وافق الامريكان على تشكيل حكم قومي طائفي (مجلس الحكم) لإدارة شؤون البلاد، والذي انحصر دوره كمستشار غير ملزم للإدارة الامريكية في العراق. وفي عام 2008 تم التوقيع على اتفاقية الاطار الاستراتيحي- وهي اتفاقية شاملة تمس مجمل مجالات الحياة “السياسية والدبلوماسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والثقافية. اما في عام 2014 وبعد انهيار الجيش العراقي امام داعش، ساعد الامريكان العراق على تحرير تراب الوطن من القوى الارهابية. إلا اننا نرى في  هذه المساعدة بعدا آخر بالرغم من اهميتها النسبية، نرى أنه غطاءا للتحكم وبسط النفوذ الامريكي والتدخل السافر في كل المرافق السياسية للدولة العراقية.

ان العلاقات العراقية-الامريكية تحمل الكثير من المفارقات التالية:

–        إيمان القوى الشيعية الحاكمة في العراق بأن الامريكان وراء الارهاب فعليه وجب طردهم من البلاد. فالارهاب صناعة امريكية كما حدث مع طالبان في افغانستان

–       خوف القوى الشيعة من رجوع داعش بعد خروج القوات الامريكية من العراق

–       خروج الامريكان من العراق هو تهديد للعملية السياسية وللنظام القائم، وقد يعني خلع الشيعة من الحكم

المفارقة هو ان حسابات القوى الشيعية تكمن في مواقفها المرتبكة من العلاقة مع الادارة الامريكية، فهي مترددة في اتخاذ موقف ثابت وحاسم من وجود القوات الامريكية من عدمها، وكذلك في حيرة من موضوع حصر السلاح بيد الدولة، الامر الذي تثيره الادارة الامريكية بوجه العراقيين بين الحين والآخر. ومن جهة آخرى قد نجد ان الحكومة العراقية على حق في التمسك بوجود الفصائل العراقية الى جانب الجيش العراقي الضعيف في بنيته العسكرية، وذلك يعود الى الخوف من احتمالية قيام محاولة انقلابية من قبل قوى تريد الشر بالعراق وبدعم من الولايات المتحدة الامريكية، او سيطرة القوات الامريكية على مقاليد الحكم بشكل مباشر.

كما ان القوى الشيعة مرتابة بشكل او بآخر من مصداقية العلاقة مع بعض الدول العربية وشكها في الدفاع عن سيادة العراق واستقراره الأمني في حال نشوب مواجهات عدائية ضد الحكم في العراق. فالعلاقات العراقية العربية ليست بافضل حال رغم مساعي رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني بالتقرب اولا الى العالم العربي المشبع بالازمات السياسية، وثانيا بفتح علاقات لا بأس بها مع العالم الغربي المنشطر الى شطرين بسبب الحرب الروسية – الاوكرانية.

نستخلص مما ورد اعلاه ان مسك العصا من الوسط في علاقات العراق الخارجية قد لا تجدي نفعا بما يخدم المصلحة الوطنية في إستقراره الامني وتطويره الاقتصادي. فالعراق حاليا تحت  رحمة العقوبات الامريكية (استثناء العراق في تصدير النفط الى إيران بالدولار الامريكي). كما ان واردات العراق النفطية من الدولار هي ايضا تحت رحمة البنك الفيدرالي الذي يغذي احتياجات العراق الضرورية قطرة قطرة لبقائه على الحياة (يعني الموت البطئ).

وللتخلص من هذا الاستعمار الامريكي المهيمن وجب على الحكومة العراقية:

1-    المغامرة بواردات العراق النفطية لفترة سنة او اكثر والاعتماد على التعامل الحر في بيع النفط لدول قادرة على الدفع وإن كان بعملة غير الدولار كبديل للهيمنة الامريكية على واردات النفط العراقي. فمثل هذه الدول ليست بالقليلة كالتي انضمت الى كتلة بريكس (سبق وان تحدثنا عن ايجابيات الاتضمام الى هذه المؤسسة العملاقة).

2-     التخوف العراقي من تخلي الولايات المتحدة الامريكية من تأمين او من حماية الواردات العراقية المودعة لديها (قسرا) بسبب وجود تعويضات قد تدفع لبعض الدول عن الاضرار التي لحقت بها جراء غزو العراق للكويت (ارجع للفقرة 1).

3-    وفي الحالتين المذكورتين اعلاه ما على الحكومة العراقية إلا الطلب من الحكومة الامريكية تعويض العراق عن الاضرار التي سببته الغزو الامريكي من تدمير شامل للبنية التحتية للعراق.

4-    من اجل التخلص وبشكل كامل من الهيمنة الامريكية على موارد العراق ووارداته من النفط المصدر لابد من دراسة موضوع الانضمام لكتلة بريكس كي يحصل على الحماية الامنية والاقتصادية والسياسية، والقدرة على مواجهة المخاطر التي قد تواجه العراق مستقبلا. وبهذا الصدد يمكن الاعتماد على الصين وروسيا وعلى باقي دول البريكس لتقديم الدعم والحماية للخطوات الجريئة التي ستتخذها الحكومة العراقية بشأن الانضمام.

5-    على العراق ان يقوم بتنويع مصادر السلاح وصولا الى انشاء قوة عسكرية دفاعية متكاملة الابعاد كما تفعلها مصر او السعودية في السنوات الاخيرة.

وختاما على الحكومة العراقية ان لاتتردد في امتلاك الجرأة والارادة القوية في مجابهة اي خطر قادم والشعب وراءك في الحفاظ على مكتسبات العملية السياسية والنظام القائم.