منذ عام 2003، انتقلت النخبة الشيعية في العراق من هامش السلطة إلى مركزها، لتصبح الطرف الأقوى في إدارة الدولة لأول مرة في التاريخ السياسي العراقي الحديث. غير أن هذه الفرصة الاستثنائية تحوّلت إلى نموذج للفشل السياسي، ليس فقط على مستوى إدارة الحكم، بل في بناء الدولة نفسها.
المشكلة لا تكمن في الطائفة الشيعية كمكون اجتماعي وثقافي، بل في طبيعة القوى التي تصدرت باسمها، وحملت معها إرثاً من المعارضة، لكنه لم يُترجم إلى مشروع وطني.
وقد تجلّى هذا الفشل في جملة من الاختلالات البنيوية والسلوكية، يمكن تلخيص أبرزها في الآتي:
1- غياب فكرة الدولة
عند لحظة الوصول إلى السلطة، لم تملك النخبة الشيعية تصوراً واضحاً للدولة، بل اكتفت بتكريس السلطة كأداة تعويضية عن عقود من التهميش. لم تُبنَ رؤية للمواطنة أو سياسات لإدارة التعددية، بل تم إنتاج خطاب يغلب عليه الطابع الهوياتي والطائفي، على حساب مبادئ الحكم الرشيد.
2- الشرعية النضالية بديلاً عن الشرعية الدستورية
غالبية القوى الشيعية بنت شرعيتها على ماضيها المعارض، لا على إنجازاتها أو كفاءتها. بقيت أسيرة سردية المظلومية، وتعاملت مع السلطة كاستحقاق تاريخي، لا كعقد اجتماعي. هذا الفهم أسس لنمط من الحكم قائم على توزيع الولاءات، لا إدارة المؤسسات.
3- العقل السياسي الشيعي: من السرّية إلى الغنيمة
لم تنجح تلك النخبة في الانتقال من عقلية التنظيمات السرية إلى دولة القانون. استمرّت في التعامل مع الوزارات كمواقع نفوذ ومحاصصة، لا كمؤسسات وطنية. لم تُنتج نخبة بيروقراطية محترفة، ولم تُفسح المجال لبناء طبقة سياسية جديدة، بل كرّست شبكات حزبية تدير الدولة من خلف الستار.
4- فشل في تمثيل الطائفة نفسها
المفارقة أن هذا الفشل لم يُسجّل من قِبل المكونات الأخرى فقط، بل داخل المجتمع الشيعي نفسه. فقد أفرزت البيئة الشيعية احتجاجات متكررة، بلغت ذروتها في انتفاضة تشرين، التي حملت غضباً عارماً من الطبقة الحاكمة. هنا تجلّى جوهر الأزمة: النخبة التي جاءت باسم الطائفة، لم تعد مقبولة حتى من داخلها.
5- الولاء للرمزيات لا للمنجز
بُني الخطاب السياسي الشيعي على الرمزيات الدينية، لا على البرامج. فُرضت هيمنة المرجعيات والطقوس، وتراجعت مفاهيم الكفاءة والإنتاج. أُشبعت المجتمعات بالخطابات، بينما تفاقمت الأزمات في الكهرباء، والصحة، والتعليم، وفرص العمل.
6- لا تجديد للنخب ولا مراجعة للمسار
على مدى عقدين، لم تُفسح تلك القوى المجال لظهور وجوه جديدة أو رؤى بديلة. تم قمع الحركات الشبابية بدل احتضانها، وتحولت دعوات الإصلاح إلى تهديد لمنظومة المصالح. كان الأجدى أن تمارس النخبة مراجعة داخلية جريئة، لكنها تمسّكت بما تبقى من سلطة متآكلة.
خاتمة
فشلت النخبة الشيعية في قيادة الدولة العراقية لأنها لم تغادر مربع “الهوية”، ولم تدخل بجدية في معادلة “الحكم الرشيد”. استبدلت المواطنة بالمظلومية، والمؤسسة بالولاء، والمشروع الوطني بالارتباطات الخارجية.
وهكذا، تحوّلت فرصة تاريخية إلى إخفاق تاريخي، دفع ثمنه الجميع… بمن فيهم أبناء الطائفة الشيعية أنفسهم


** من ألأخر { كلامك في الصميم سيدتي الفاضلة ولكن ما نفعه إذا صار كل شئ في عراقنا الحبيب رميم؟ ٢:يقول السيد المسيح (من ثمارهم تعرفونهم ، هل يجتنون من الشوك عنبا أو من العوسج تينا) متى 16:7؟ ٣: وأخيرا عزيزتي ماذا ترجعين من أبو خنينة المالكي الذي كان بالامس كالة واليوم قوندرة والذي مع ألاسف أمثاله كثر في شيعتنا الأعزاء الذين كان ضررهم عليهم أشد وأمر من الآخرين ، ولهذا صارو يستحقون الإعدام والفناء دون رحمة أو عزاء مع وليهم السفيه ، سلام؟
استمرّت في التعامل مع الوزارات كمواقع نفوذ ومحاصصة……
الكلام كله صحيح ولكن ذكرتِ مشكوره أعلاه كلمة ( محاصصة ) ، محاصصة مع من ؟؟؟؟؟؟
لم تكتبي الكلمة المكملة ( للمحاصصة ) وهي مع الأكراد والسنة كما صار مفهوماً بعد هذا المصطلح ، لذلك الكل فشلوا وتقاسموا وكل قسم من هؤلاء الثلاثة لهو فكرة يطاردها ويسعى لتحقيقها ….