إذا اشتعلت الحرب على إيران… أين يقف الكورد؟- د.سوزان ئاميدي

 

ليست المشكلة في احتمال اندلاع حرب على إيران، بل في اليوم التالي لها. فالمنطقة لم تعد تحتمل مواجهة تقليدية، وأي شرارة قد تتحول إلى إعادة رسم توازنات، لا مجرد تبادل ضربات عسكرية. في مثل هذه اللحظات، لا تقف الجغرافيا على الحياد، والكورد بحكم موقعهم الممتد بين أكثر من دولة سيكونون في قلب العاصفة لا على هامشها.
في غرب إيران، ستكون المناطق الكوردية تحت ضغط أمني مباشر، ليس فقط بسبب احتمالات التصعيد، بل أيضاً نتيجة الشكوك السياسية التي ترافق الحروب. ففي أجواء المواجهة تتحول الهويات القومية إلى ملفات أمنية، ويصبح المجال العام أكثر ضيقاً، وأي تحرك قابل للتأويل.
أما في تركيا، فقد تُستثمر الفوضى الإقليمية لإعادة تشديد القبضة الأمنية، سواء داخل حدودها أو عند حدود إقليم كوردستان معها. فالحروب الكبرى غالباً ما تُستخدم لإعادة ترتيب الملفات المؤجلة، والملف الكوردي أحد أكثرها حساسية.
وفي شمال شرق سوريا (روژئاڤا)، فإن أي تصعيد واسع سيعني تراجع الأولويات الدولية، وعودة الهشاشة الأمنية إلى الواجهة، ما يضع الإدارة القائمة هناك أمام تحديات مضاعفة في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة.
بالنسبة إلى العراق، فإن أي حرب على إيران ستضع الدولة أمام اختبار سيادة معقد، بين ضغوط الداخل واستقطابات الخارج. أما إقليم كوردستان، فسيجد نفسه في معادلة أكثر حساسية: احتمال استهداف مواقع ذات صلة بالوجود الأمريكي، إمكانية أن يتحول الإقليم إلى ساحة رسائل متبادلة، وزيادة نشاط الفصائل المسلحة في المناطق المتنازع عليها، كما تشير أحداث اليوم في محافظة كركوك مع وصول قوات خاصة إلى بداية هذه التوترات. ضغط اقتصادي إذا أُغلقت المعابر مع إيران، وتوتر سياسي داخلي إذا فُرض عليه الاصطفاف ضمن أحد المحاور. سياسة “المسافة الآمنة” التي حاول الإقليم انتهاجها قد تصبح شبه مستحيلة، لأن الحياد في زمن الحرب يُقرأ موقفاً، والصمت يُفسر انحيازاً .
التجربة التاريخية تُظهر أن الكورد غالباً ما يُستدعون في لحظات التصعيد، لكنهم يُستبعدون عند توزيع المكاسب. لذلك فإن الخطر لا يكمن فقط في الصواريخ، بل في إعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة، وما قد تحمله من تفاهمات لا يكون للكورد دور فاعل في صياغتها.
ما الذي ينبغي فعله الآن؟

أولاً: تحصين الجبهة الداخلية سياسياً، ومنع الانقسام الكوردي–الكوردي، لأن الانقسام هو الثغرة الأولى التي تُستغل في لحظات التحول الإقليمي.

ثانياً: تثبيت خطاب حياد واضح وموثق، لا يترك مجالاً لتأويلات قد تضع الإقليم في خانة الاصطفاف.

ثالثاً: فتح قنوات تواصل مبكر مع بغداد لتنسيق المواقف الأمنية والاقتصادية، لأن أي فراغ في القرار سيُملأ من أطراف أخرى.

رابعاً: بناء خطة طوارئ اقتصادية تحسباً لإغلاق المعابر أو اضطراب الطاقة والتجارة.

الكورد ليسوا طرفاً في حرب الآخرين، لكنهم غالباً أول من يدفع ثمنها. لذلك فإن الاستعداد السياسي اليوم ليس ترفاً، بل ضمانة للبقاء غداً. بمعنى آخر، إذا كانت الحرب قدراً لا يمكن منعه، فإن تحويل إقليم كوردستان إلى ساحة لها هو قدر يمكن تجنّبه… بشرط أن يُحسن قراءة اللحظة قبل أن تُفرض عليه نتائجها .
في لحظات التحولات الكبرى، لا يُحاسَب القادة على ما فرضته الحرب، بل على ما أهملوا الاستعداد له .