حكومة إقليم كوردستان تعطل الدوام الرسمي بمناسبة عاشوراء.. والقرار يثير جدلًا دينيًا واجتماعيًا في مجتمع سني

أربيل، بتاريخ 5 تموز 2025 — أعلنت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في حكومة إقليم كوردستان ، اليوم الجمعة، عن تعطيل الدوام الرسمي ليوم السبت الموافق 5 تموز/يوليو 2025، في جميع مؤسسات الإقليم، بمناسبة ذكرى يوم عاشوراء.

وجاء القرار “بهدف تسهيل أداء الشعائر الدينية”، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الكردية الرسمية، مشيرة إلى أن الدوام سيُستأنف يوم الأحد الموافق 6 تموز الجاري .

خلفية القرار: عاشوراء.. مقدس شيعي في مجتمع كردي سني

يصادف عاشوراء هذا العام يوم السبت الموافق 5 تموز 2025، وهو اليوم العاشر من شهر محرم الهجري، ويُعتبر يومًا مركزيًا في التقويم الديني الشيعي، حيث يحييه الشيعة بـالعزاء والتواشيح والمسيرات الحزينة تذكارًا لمقتل الإمام الحسين بن علي في معركة كربلاء عام 61 هجري.

في المقابل، فإن غالبية السكان في إقليم كوردستان من المسلمين السنة، الذين يصومون هذا اليوم تأسياً بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، والذي كان يصومه باعتباره “يومًا أنقذ فيه الله موسى من فرعون”.

لكن رغم ذلك، فإن الإحياء الشيعي للذكرى لا يمثل الغالبية في الإقليم، مما يجعل قرار التعطيل **مثار جدل بين المواطنين والمسؤولين والمراقبين السياسيين والأمنيين.

هل هو خطوة نحو الانفتاح الديني أم استجابة للضغوط؟

يشير البعض إلى أن القرار جاء نتيجة ضغوط متزايدة من الحكومة العراقية الاتحادية، التي يسيطر عليها تحالف سنّي – شيعي، ومن طهران التي تضغط على الإقليم لتوسيع الاعتراف بالأعياد الشيعية داخل المناطق الكردية ذات الكثافة السنية.

“هذا القرار ليس فقط لتسهيل العبادة، بل هو أيضًا رسالة سياسية لإرضاء بغداد وطهران، خاصةً في ظل التوترات الأخيرة حول ملف النفط وقضايا الأمن والاستقلالية”.

في حين رأى آخرون أن القرار يعكس التعددية الدينية والإسلامية داخل الإقليم، ويُظهر احترام الحكومة لجميع الطوائف، حتى إن لم تكن الأغلبية من الشيعة.

وقال باحث ديني :

“الحكم الذاتي لا يعني الاستحواذ على كل القرارات من جهة واحدة. إذا كانت هناك أقلية شيعية في الإقليم، فهي تستحق أيضًا بعض الاحتفاءات، لكن يجب أن يكون ذلك دون إجبار المجتمع السنّي على التعطيل”.

ردود فعل متباينة في الشارع الكردي

شهد القرار ردود فعل متباينة بين المواطنين الكرد، الذين يدين معظمهم بـالسنة، ويعتبرون أن تعطيل الدوام لأسباب مرتبطة بعيد شيعي أمر غير مألوف وغير مفهوم لديهم.

وقال مواطن من أربيل:

“نحن نحترم معتقدات الجميع، لكن لماذا نُضطر لدفع ثمن عطلة لا تخصنا؟ هل نحن أمام مرحلة جديدة من التطبيع مع الخطاب الشيعي؟”

فيما أعرب مواطن آخر من السليمانية عن تفهمه للقرار، وقال:

“إنها مجرد عطلة واحدة في السنة، وليست نهاية العالم. نحن نعيش في مجتمع متعدد، ويجب أن نحترم الآخرين كما نريد أن يحترموا معتقداتنا”.

سابقة تاريخية أم تكرار لتجربة سابقة؟

لم يكن تعطيل الدوام الرسمي في إقليم كوردستان بمناسبة عاشوراء ممارسة مألوفة، لكن العام الماضي (2024)، شهد تعطيلًا مشابهًا في بعض المؤسسات الحكومية الكبرى، خصوصًا في المناطق الحدودية مثل خانقين وبدرة وحلبجة، والتي يقطنها مزيج من العرب والكورد الشيعة والسنة.

ويرى محلل سياسي أن:

“هذا النوع من القرارات قد يكون بمثابة تسوية سياسية تخدم العلاقات مع بغداد، أو ربما هو محاولة لتخفيف التوترات الطائفية التي تصاعدت خلال الحرب الإسرائيلية – الإيرانية، والتي أدت إلى تهجير بعض العوائل الشيعية من بعض المناطق الكردية”.

ويضيف:

“لكن في الوقت ذاته، قد يُستخدم هذا القرار كذريعة من قبل الجهات التركمانية والعربية لطلب تعطيلات رسمية أخرى بمناسبات دينية مختلفة، وهو ما قد يفتح بابًا جديدًا من الخلافات حول علمانية الدولة ومدنية الحكم”.

تركيا وإيران.. من المستفيد؟

يرى مراقبون أن القرار يخدم بشكل مباشر إيران، التي تسعى منذ سنوات لتوسيع نفوذها الثقافي والديني في الإقليم، عبر المراكز الدينية والحسينيات المنتشرة في بعض المناطق.

أما تركيا، فقد أعربت عن استيائها من توسع النفوذ الإيراني في الشمال العراقي، وقال المتحدث باسم الخارجية التركية:

“لا يمكننا القبول باستخدام الدين كأداة للتدخلات السياسية والخارجية”.

لكن المصادر الكردية تؤكد أن القرار لا يرتبط بإيران مباشرة، بل هو جزء من سياسة داخلية تسعى لاحتواء التنوع الديني في الإقليم، وفي ظل وجود حوالي 12% من السكان من الشيعة، معظمهم من الكورد الفيليين والعرب والتركمان.

تحليل: هل بدأت إعادة تعريف للهوية الدينية في كوردستان؟

مع تصاعد وتيرة التدخلات الإقليمية والسياسية في الشؤون الداخلية للإقليم، يبدو أن الهوية الكردية، التي كانت تقليديًا سنية-إسلامية، أصبحت الآن تحت ضغوط إعادة تعريف.

وقال باحث اجتماعي :

“الكورد دائمًا كانوا سنيين، لكنهم ليسوا متطرفين، ولديهم تسامح ديني كبير. المشكلة ليست في التعطيل، بل في من الذي يقف وراء القرار، وهل يُستخدم كذريعة لتوسيع النفوذ الإيراني؟”

قرار تعطيل الدوام الرسمي في إقليم كوردستان بمناسبة عاشوراء، ليس مجرد عطلة، بل هو انعكاس لصراع أكبر بين الداخل والخارج، وبين السُّنَّة والشيعة، وبين الإقليم والمركز في بغداد، وبين أنقرة وطهران.

بينما ترى الحكومة الكردية أن الخطوة تعكس التفاهم الديني والمجتمعي، فإن الشارع السني يرى فيها تجاوبًا مفرطًا مع الضغوط الشيعية، سواء من إيران أو من بغداد أو من الفصائل المسلحة.

One Comment on “حكومة إقليم كوردستان تعطل الدوام الرسمي بمناسبة عاشوراء.. والقرار يثير جدلًا دينيًا واجتماعيًا في مجتمع سني”

Comments are closed.