التداعيات الجيوسياسية والاقتصادية لحرب الكيان المحتل وإيران- البروفيسور الدكتور خليل شمه      

 

قد تحدث او لا تحدث، فالحديث عن قيام حرب أخرى بين إيران والكيان المحتل، او بين امريكا وإيران، قد يجرنا الى بعض التوقعات المغلوطة بحكم مواقف ترامب الاحمق المخادع، الذي ما يلبث ان يقرر امراً ليلغيه في اليوم التالي وفقا لمزاجه الدونكشوتي او بناءاً على تعاطيه سياسة إقتصادية متخبطة وتحديدا تلك المتعلقة بفرض الضرائب والرسوم الجمركية على العالم، وكذلك في جعل كندا ولاية امريكية والتلويح بتغيير غزة الى ريفيرا العالم الجديد ووو الخ.

فقبل الحديث عن موضوعنا اعلاه وجب الإشارة الى بعض المعلومات المتعلقة بالتداعيات الاقتصادية وثم عن الوضع السياسي محليا ودوليا  لكل من ايران والكيان المحتل:

–   مساحة ايران تبلغ اكثر من 1.650.000كم2 (أكثر من مليون وستمائة الف مربع كم2) وعدد سكانها يتجاوز المئة مليون نسمة، كما ان موقعها الجيوسياسي يجعلها نقطة لقاء لثلاث مجالات اسيوية.

–   مساحة اسرائيل تبلغ اكثربقليل من 20 الف كم2 وعدد سكانها لايتجاوز الـ 8 ملايين نسمة.

تحليل ومقارنة بسيطة للفقرتين اعلاه يكشف لنا الهول الشاسع بين الوضع الجيوساسي والاقتصادي والقدرات البشرية بين الدولتين المذكورتين فمثلا:

نجد ان تكاليف عدوان  الكيان المحتل في حربها على أيران تجاوزت الـ 28 مليار دولار (دون الاخذ بنظر الاعتبار الدمارالذي لحق بالمنشآت المدنية والعسكرية والمباني السكنية وتعويض السكان والاقامة في الفنادق او اللجوء الى الملاجئ)، فضلا عن المطارات والموانئ المدمرة وهجرة عشرات الالاف من اليهود الى الخارج.

وقد ذكرنا الكثيرفي مقالات سابقة، من ان الحرب على إيران كانت قصيرة زمنيًا، لكنها باهظة، سواء عبر تفاقم العجز أو تراجع النمو أو الحاجة إلى مساعدات أميركية إضافية. ومع استمرار الضغوط في غزة والضفة، يبدو أن فاتورة الحرب لا تزال مفتوحة. ناهيك من الحديث عن خسائر القطاع الخاص الذي تكبد الى خسائر جسيمة، أبرزها في مجال البناء، والمقاهي والمطاعم، والسياحة، والترفيه، إذ تراجعت الأنشطة الاقتصادية إلى مستويات غير مسبوقة بسبب القيود على الحركة، وإغلاق المؤسسات التعليمية، وحظر التجمعات، والتجنيد الواسع لجنود الاحتياط، الآمر الذي أثّر مباشرة على القدرة التشغيلية لكثير من المنشآت الصناعية والتشغيلية.

اما تكاليف العدوان على ايران فالتقارير تتكلم عن 30–50 مليار دولار، ناهيك عن تكاليف تدمير المنشآت النووية والعسكرية. فالحرب مع الكيان المحتل كلفت ايران اكثر من الرقم المذكور اعلاه. فالحرب هذه تعكس عمق التحديات التي تواجهها إيران خاصة تلك التي استهدفت المنشآت النووية التي كلفت ايران عشرات المليارت من العملة الصعبة (تقدر بـ 30 مليار دولار على مدى اكثر من عقدين واستشهاد العشرات من العلماء والقادة العسكريين والمدنيين). فالعدوان على إيران كانت بمثابة ضربة قاصمة لما تبقى من توازن اقتصادي هش في البلاد. كما أن الحرب الأخيرة جاءت لتكمل سلسلة من الضغوطات المتراكمة على الاقتصاد الإيراني، الذي يعاني أصلًا من آثار 5475 عقوبة غربية، تسببت في خسائر تقدَّر بنحو 1.5 تريليون دولار خلال العقود الماضية.

وتحت وطأة هذه الأرقام الثقيلة، يعيش الاقتصاد الإيراني واحدة من أسوأ مراحله، إذ تشير الإحصاءات إلى وجود 22 مليون عاطل عن العمل، و28 مليون شخص تحت خط الفقر، في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 100مليون نسمة.

هذه التداعيات ذاتها تنعكس على اقتصاد الكيان المحتل ولربما ستكون اشد واقسى على القطاع المالي والنفسي والسياحي والصناعي، لتنعكس سلباً على سمعة وهيبة الكيان المحتل في المحافل الدولية والراي العام العالمي.

في ذات السياق يمكننا القول:

أن مساحة إيران التي تعادل 8 اضعاف مساحة الكيان المحتل، وعدد نفوسها وموقعها الجغرافي وقدراتها العلمية، ومواردها الطبيعية وقدرتها العسكرية، هو السلاح الرادع لمواجهة كل قوى الشر، والقاعدة المتينة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي لافشال كل الخطط والمؤامرات الصهيونية الاستعمارية كما حصل في القرون السابقة. فحضارة وثقافة وتراث ايران المؤمنة بالنصر ووحدة قواها الوطنية خلف الإدارة السياسية هو السد المنيع والقوة العسكرية غير الخاضعة للإملاءات الاستعمارية وصولا للنصر الابدي. كما ان وحدة الشعب هي أداة حاسمة للردع وقلب السحر على الساحر “الشيطان ترامب” في محاولاته لقلب النظام. فبعد عدوان غاشم لفترة 12 يوم، ورغم بعض الدمار الذي لحق بإيران، تعيش القوى الغربية وعلى راسها امريكا وصنيعتها الكيان المحتل صدمة نفسية واجتماعية لن تزول آثارها بين عشية وضحاها من هول نتائج عدوانها فحسب، بل الصدمة الاكبر تجلت بالقدرات التكنولوجية العلمية والعسكرية لإيران في التصدي وردع التكنولوجبا التي يتباها بها الفاشل نتن ياهو ورئيسه ترامب المخادع. وعلى رغم كثافة الضربات على إيران، لم تصدر لغاية اليوم مؤشرات على تزعزع نظام الحكم. فالتعول على وهم “افلاطوني” في اسقاط النظام السياسي في إيران بات كمن ينفخ في قربة مثقوبة من جانبيها.