في عالم الدبلوماسية، لا يُفترض أن يكون المبعوث أو السفير مجرد ناقل للسياسات الرسمية، بل يجب أن يكون حارسًا لمصالح بلده أولًا، ومُوازنًا بين المصالح الإقليمية والدولية. لكن ما يحدث في ملف سوريا، وخصوصًا عبر دور المبعوث الأمريكي توم باراك، يثير تساؤلات كثيرة حول طبيعة ولاءاته، ومدى استقلالية أدواره الدبلوماسية، خاصةً وأنه لم يكن دائمًا في خدمة السياسة الأمريكية البحتة، بل يبدو أنه ينفذ أجندة متعددة الأطراف، تبدأ من إسرائيل، وتمر بتركيا وقطر والسعودية، لتنتهي في مواجهة المحور الإيراني، مع إهمال واضح لمصالح أقليات سوريا مثل العلويين والدروز والكورد.
توم باراك: من لبنان إلى تركيا، ومن تركيا إلى سوريا
توم باراك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، له تاريخ دبلوماسي طويل، حيث خدم كسفير للولايات المتحدة في تركيا، ويرتبط به أصل لبناني فلسطيني، ما يجعله شخصية معروفة في المنطقة. لكن رغم خبرته، فإن تصرفاته وتصريحاتاته في الشأن السوري تثير الشكوك حول مَن يخدم فعلاً؟ هل هو ممثل للإدارة الأمريكية؟ أم أنه ينفذ تعليمات من أنقرة أو الدوحة أو تل أبيب؟
هل باراك يخدم إسرائيل؟
من الواضح أن باراك يدعم الخط الإسرائيلي في مواجهة حزب الله، ويدعو باستمرار إلى “سحب سلاح الحزب” من لبنان، بل ويطرح أفكارًا تؤدي إلى تقسيم لبنان أو ربط جزء منه بسوريا، وهو ما يصب في مصلحة إسرائيل، التي تسعى منذ عقود إلى تفتيت لبنان والسيطرة على مناطقه الحدودية. لكن ما يثير الاستغراب هو أن هذا الدعم الإسرائيلي لباراك لم يُترجم بعد في دعم مباشر لقضية حزب الله، بل يبدو أن إسرائيل وجدت في الإسلاميين السنة المتطرفين، مثل تنظيم الجولاني (هيئة تحرير الشام)، شريكة مفيدة في ضعف النظام السوري والمحور الإيراني، أكثر مما ترى في باراك مفيدًا لها.
الجولاني: الجهادي المحارب أم الحليف السياسي؟
هذا هو التناقض الأبرز في سياسة باراك: بينما يعلم تمامًا أن تنظيم الجولاني مسؤول عن مجازر بحق المدنيين السوريين، بما في ذلك الدروز في السويداء والعلويين في الساحل، إلا أنه لا يطالب بمحاسبته، بل يدعمه ضمن “حل سياسي” يضعه في قلب السلطة السورية المستقبلية، وفق رؤية أنقرة والدوحة والرياض.
الجولاني، رغم تسميته الجديد وتحويله إلى “هيئة تحرير الشام”، لا يزال يمارس نفس السياسات الإرهابية: إعدام المعارضين، تهجير الأقليات، وقتل المدنيين باسم “الجهاد”. والأسوأ من ذلك، أنه ينكر مسؤوليته في هذه المجازر، ويزعم أن “داعش” هي من قامت بها، رغم وجود آلاف الأدلة التي تدين جيشه مباشرة.
باراك ومحاسبة الجولاني: صمت مريب
في الوقت الذي تطالب فيه الولايات المتحدة العالم بمحاسبة مرتكبي الجرائم في أوكرانيا، فإن موقف باراك من الجولاني يبقى غامضًا وغير جدي. لم يطالب بمحاكمة الجولاني، رغم أنه، كونه الرئيس المؤقت لمنطقة كبيرة في سوريا، فهو المسؤول المباشر عن الجرائم التي ترتكب تحت سلطته، تمامًا كما حاكم صدام حسين على جرائم الجيش العراقي رغم أنه لم يقتل أحدًا بيده.
هذا الصمت يُفهم منه أنه يُقدم تغطية دبلوماسية لتنظيم إرهابي، مقابل تحقيق أجندة إقليمية متفق عليها مع تركيا وقطر والسعودية، تهدف إلى إسقاط النفوذ الإيراني في سوريا، والحفاظ على هيمنة الإسلاميين السنة المتطرفين على الشمال السوري.
هل باراك يخدم أمريكا؟
الولايات المتحدة دولة كونفدرالية، تُحترم فيها التنوع، وتُراعى فيها مطالب الأقليات. لكن باراك، في موقفه من حقوق الأقليات في سوريا، يبدو أنه يتجاهل هذه القيم الأساسية. فهو لا يدعم طموحات العلويين والدروز والكورد في الحصول على حقوقهم السياسية والثقافية، بل يرفض حتى الحديث عن فيدرالية أو تمثيل عادل، في الوقت الذي يفرض فيه “حلًا سياسيًا” يضع الجولاني في مركز القرار.
باراك بين التوظيف والانحياز
توم باراك، بحكم تصرفاته وتصريحاتاته، لم يعد مبعوثًا محايدًا للسياسة الأمريكية، بل تحول إلى أداة في يد دول إقليمية تسعى لتحقيق أجنداتها عبره. هو يخدم إسرائيل في ملف حزب الله، ويخدم تركيا وقطر والسعودية في ملف الجولاني، لكنه في المقابل يقف عاجزًا أمام تقدم هذا التنظيم الإرهابي، بل ويُبرره أحيانًا.
لذلك، من حق الأقليات السورية، وخاصة العلويين والدروز والكورد، أن تطالب بالتنصل من باراك، وأن تطلب من الإدارة الأمريكية تعيين مبعوث جديد يتمتع بالحياد والموضوعية، ولا يخدم أجندات أجنبية على حساب الدم السوري.
والعدالة لا تُعطى لمن يرتكبون المجازر باسم الدين والثورة.


** من ألأخر { الحقيقة الصاطعة تقول أن هذا الباركالعربي الاصل يذكرني بباراك الشيعة حسين أوباما الذي اتهم رسميا قبل أيام بمشاركته في تزوير الانتخابات التي كان قد فاز بها الرئيس الحالي ترامب عام ٢٠٢٠ والتي لم يصدقني حينها الكثيرون عندما ذكرت في مقال أن الدولة العميقة هى التي أسقطته خوفا من كشف خطورة دورها في الداخل الأمريكي والخارج والتي حاولت مجددا إغتياله بعد تأكدها من فوزه في الانتخابات الاخيرة على أيدي وكلائها في ألإف بي أي والسي أي آي ، فٱلى متى نبقى لعبة بيد أمثاله من الخونة والمعتقلين ، سلام ؟