مِن الحِكَم العَلِيّة..
عندما يمنح الله سبحانه للكائن القادم حديثاً إلى الأرض هِبَةَ الحياة؛ فإنه وفَور ولادته يَفتح له آفاقاً من الحرية على الأرض قبل حتى أن يَفتح عليها عينيه.
إنّ من أهم مُقتَضيات قدوم الكائن الحي للعيش على الأرض أن يَتحرّر أولاً من كُلّ حالٍ كان عليه في البيئة التي شهدت بَدْءَ تكوينه واحتضنته منذ نشأته وحتى أوان ولادته؛ ومِن ذلك أن يتحرّر من كل ما كان يُمثّل له قيمة أو يعطيه خصوصية في العيش الرغيد الهانئ بكل راحة وأمان، يتحرر حتى من مَشِيْمَتِهِ ورَحِم أُمّهِ التي وَلَدته.
الحُرية إذن لهذا الوليد هي قيمةٌ عُليا فاقت لديه كل ما عداها من قِيَم، واستدعت أنْ يُضحّي من أجلها بكل ما امتاز به من خصوصيات.
إنْ كانت تلك هي حكمة الله في خَلْقه، وتلكم هي قوانينه ونواميسه في كونه وعلى أرضه كما نفهمُها- فأعطوني عقولكم إذن لنفهم ونستوعب كل هذا الجُرْمِ والطغيان الحاصل في غزة والقدس وكل فلسطين المُحتلة!.
إنّ ما يحدث في غزة اليوم من جرائم القتل والأسر والتجويع والتشريد لهو المثال الصارخ على أن خللاّ ما حدث في العلاقة بين الإنسان وأرضه، بل وبينه وبين ربه ورب العالمين الذي وضع القوانين والنواميس التي تحافظ على حركة الحياة، ومُقوّمات العَيْش على تلك الأرض.
يبدو أن هذا الطغيان والبغي الذى فاق الحدّ بما أراه يخرج على نواميس الكون ويُشِيع الفساد في الأرض، ويُهدد علاقة الإنسان بأرضه وبيئته وكل مَن حوله من بني جنسه، بل ويُهدّد علاقته حتى بخالقه – يبدو أن كل هذا سيجعلنا نعود القهقري لنفكر ثانية فيما استقر في وجداننا منذ القِدَم، وثم عاد ليطفو ثانيةً على السطح كقضية تستحق المناقشة من جديد؛ ألا وهي “حكمة وجود الإنسان على الأرض” !.
الله سبحانه عندما استخلف الإنسان في الأرض، وكلّفه بِحَمل الأمانة؛ ربَط ذلك التكليف بالحريّة.
هنا تصبح الحرية للإنسان على الأرض ناموساً وشرطاً لا يَعمَدُ إلى مُصادَمته أو تعطيله إلا شيطان – ولن يقدر؛ لأنه حتى الشيطان “كُنهه، وإرادته، وفعله” أيضاّ ضمن قوانين هذا الكون، ولا يمكن للشيطان – قهراً – أن يَخرُج عنها ” كفعلٍ أو كنتيجة”.
وغير خافٍ على الفطرة السليمة والفكر المستقيم أن الشيطان وأولياءه وأفعالهم جميعها هي من الابتلاءات الدنيوية التي يُبتلى بها أهل الصلاح كما هم مبتلون وغارقون بها أهل الظلم والفساد.
فأما نجاح أهل الفلاح في تلك الابتلاءات فإنما يتمثل في مواجهة كل أفعال البغي والطغيان، ومُدافَعتها، وإيقاف تداعياتها، ومعالجة آثارها وتبعاتها.
وحتى نكون واضحِين ومُحَدَّدين هنا سنضع النقاط على الحروف ونُعَلِّق لكلٍ رسالتَه في عنقه:
رسالةٌ إلى كل قوى الغصب واحتلال الأرض واستحلال العرض المَصون حسب مَقاصِد شريعة رب العالمين وخالق الخلق:
إنْ كنتم تجهَلون فاعلموا، أو كنتم تعلمون فافهموا كما يفهم ذوو القلوب والعقول حكمة خَلق الإنسان على الأرض التي هي عبادة الله وإعمار الأرض، وتلك الرسالة التي احتملها الانسان فإن شرط التكليف الرئيس بها هو الحرية.
وقد أعان اللهُ الإنسانَ على ذلك بأن مَهَّدَ له الأرض، وسلك له فيها السُبُلَ، فأين مِن كل هذا مُحاصَرةُ الشعوب، وتجويعها واغتصاب الحقوق والإفساد في الأرضِ وإزهاق الأرواح بغير وجه حقّ؟!.
أنّى لكم أن تستعبدوا الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!
وأنّى لكم و مَنْ تحالف معكم من شياطين الجنّ والإنس وشُذّاذِ الآفاق أنْ تَرهَنوا عبودية العباد لله؟!.
أنّى لكم مصادمة نواميس الكون وإيقاف عجلة الحياة؟!
ليست تلكم صرختي ولا صرخة نُظراء من قبلي، بل هي صرخة الكون كله فيكم، وتذكيره إيّاكم بأحد أهم نواميسه الأساسية التي لا تعطي صفة الحياة لأي كائن على الأرض إلا إذا كان لديه مقومات البقاء فيها.
ومن أهم مقومات الحياة والبقاء “مُقَوّم الحركة”، والحركة لا تكون إلا عن إرادة سابقة، والإرادة لا تكون إلا للكائن الحُرّ.
وغياب الحرية للناس على الأرض يُغَيِّب شرط العبودية لله، ومن ثَمّ تنتفي حكمة استخلاف الله عباده في الأرض.
ومن ثم فإن وجودكم وأفعالكم كطغاة ومجرمين فاسدين ومفسدين في الأرض يتعارض مع كل تلك المنظومة التي خطط لها وهندسها ربّ العالمين، ومن ثَمّ فلا مستقبل لكم البَتّة على منظومة هذه الأرض ككيان ولا كدولة، وليس لكم اليوم من وصفٍ سوى أنكم طارئون، لستم سوى طارئِين وأَيْمُ ربّ العالمين.
ورسالةٌ إلى المجتمع الدولي وممثليه: أنْ ليس مقبولاً أن يفقد المجتمع الدولي كله صوابَه و تَضِلَّ عنه الحكمة إرضاءً لـِ ” أو خشيةً مِن” قوى الظلم والبغي والتجبر في العالم.
وأنْ ليس لمُتَديّنٍ دِين، ولا لقومٍ قومية، ولا لإنسانٍ إنسانية؛ إذا ما غاب الدين و تفككت روابط الانتماء، وانعدمت الإنسانية حِيالَ شعب مُحاصَر مُجوّع مُهان – وكل العيون شاخصة، والأيادي مكتوفين، وكما كل العالم أضحى حتى أخوة الدم والوطن والدين محضَ خُشُبٍ مُسَنَّدِين!.
ورسالةٌ إلى المستضعفين في الأرض المُحارَبين المبتلين بخذلان القريب والبعيد: أمَا وقد آل العدوان والظلم، بل والخذلان إلى ما نرى، فحقّ لكم أنْ تُختزَل كل شرائع الكون لديكم إلى شريعة السنّ بالسِنّ والعين بالعين، وجزاءُ سَيِّئةٍ سيّئةٌ مثلُها، ولتتحوّل استراتيجيات الدفاع عن أنفسكم إلى تكتيكات هجمات الذئاب المنفردة إنْ فرادى أو من خلال تشكيلات صغيرة.
“ولا تَهِنوا في ابتغاء القوم إنْ تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون”
أمَا وإنّكم قد ذقتم ولمّا تزالوا تذوقون مرارة الألم، فَلمْ يبْقَ لكم وأيمُ ربي سوى أن تذوقوا حلاوة الرجاء.
(أديب وكاتب رأي مصري)

