وردت علی صفحات الفيسبوك فی الآونة الأخيرة مناقشات مفتوحة بین مثقفين من الكوادر الحزبية فی أقلیم كوردستان تتعلق بزيادة ظهور التوریث فی قیادات الأحزاب الكوردیة فی الأقلیم بصورة ملحوظة ترفعها إلی درجة أصبحت ظاهرة وليست منحصرة فی حالة واحدة أو حالات محدودة. بل تكاد هذه الظاهرة أن تتسارع فی الإزدياد إلی أن أصبحت تشیر إلی كونها قاعدة عامة فی جميع الأحزاب السیاسیة فی الأقلیم؛ القدیمة منها والجدیدة، یساریة كانت أو یمینیة، دیموقراطیة كانت أو لیبرالیة أو غيرها من الأسماء والأصناف والإتجاهات من مختلف المبادئ والمناهج. بدأت هذه القيادات الحزبیة تمیل إلی إظهار هذا الإنحياز القیادی بأن ینحصر فی العائلة الواحدة أو منتسبيها أو من المحسوبين عليها بالرغم من إدعاء الحزب بإنتخابات دیموقراطیة نزيهة للمناصب القیادیة فی الحزب. إذا” یصبح السؤال المنطقی لدی أعضاء الحزب نفسه أو فی الأحزاب الأخرى كیف یتم إنتخاب أفراد العائلة الواحدة فی قیادة الحزب؟! ألم یكن هناك أفراد آخرين من خارج العائلة لهم كفائات جديرة بترشیحها أو التصويت لها فی المجتمع؟! كیف تجری عملية الترشیح والتصویت بالنسبة للقوانین المتعلقة بالإنتخابات؟!
و فی موازاة هذا النقاش حول ظاهرة الإرث العشائري فی قيادات الأحزاب السیاسیة راقبت قسما من البث الحی لبرنامج تلفزیونی علی إحدی القنوات فی الأقلیم یدور حول ظاهرة حمل السلاح لدی الأشخاص المدنیین والعوائل. إشترك فی النقاش إضافة إلی مقدم البرنامج ثلاثة من الرجال المعروفين فی المجتمع یمثلون كل من السلطة المسۆلة عن تنفیذ القوانین والقیادة الحزبیة و رؤساء العشائر فی الأقلیم. جميعهم كانوا متفقين فی نقاشهم علی أن حمل السلاح كان في الماضي مرتبطاً بالمكانة الاجتماعية فی المجتمع إعتبره الرجل كزينة كان یفتخر بحمله ظاهرا سواء كان السلاح خنجرا أو مسدسا أو بندقية. و كذلك كان الإجماع فی البرنامج أیضا حول مساوئ هذه الظاهرة ونتائجها السلبية مما أدی إلی صدور قوانين جديدة حول الموضوع وذلك لمنع حمل السلاح بدون ترخيص رسمي صادر من السلطات المعنية، ولكن هذه القوانین عاجزة عن التطبيق لكون السلطة التنفیذیة المسۆلة عن تطبيق القوانین لا تقوم بدورها لخوفها من السلطة السیاسیة التی يقودها رؤساء العشائر علی شكل قیادة حزبية سیاسیة تتصرف فوق القانون. لذلك بدا القلق سائدا لدی الحاضرين فی البرنامج اللذین ظهرت علیهم بوادر الحرج والخوف من التصریح بوضوح، إلی أن تجاسر ممثل قیادات العشائر فی البرنامج علی إنهاء الحوار بتوجیه إتهام مباشر لممثل السلطة المسۆلة عن تنفیذ قرارات المحاكم بأنه لا یقوم بصلاحیاته فی تطبيق القوانین بصورة صحیحة، ولم یحصل منه علی أی رد أو دفاع. وكان الإجماع واضحا أیضا علی استنكار الحاضرین لإستمرار هذه الظاهرة الدالة علی التأخر والهيمنة فی مخالفة القوانین. فكيف تستمر هذه الظاهرة السلبية بالرغم من وجود قوانين سارية المفعول ضدها؟!
إستمرار الظاهرتين المذكورتين أعلاه – توريث القيادة الحزبية وحمل السلاح – ما هو إلا دليل علی ضعف القانون وتخاذله أمام التجاوزات. و قد أظهرت كل من المناقشات علی شبكات التواصل الإجتماعي و البث التلفزیونی المباشر بأن القوانین المعنية بهاتين الظاهرتين مشلولة فی الإقليم بسبب هيمنة الفساد السائد فی المجتمع نتيجة عدم التناسق بین التطور المادي السريع و ركود القیم العشائرية القديمة خلال مسیرة التحول الإجتماعی السريع من مجتمع جماعی مغلق نحو مجتمع فردی متفتح. فالمحسوبية والمنسوبیة تكونان العمود الفقري للفساد بينما لازالتا تعتبران من الفضائل وفق عرف و تقاليد المجتمع الجماعی. والسبب الثاني لظهور الفساد و هيمنته فی الأقلیم یعود إلی عدم ملائمة النظام السیاسی المستورد من الخارج لتطبیقه علی المجتمع اللذي لایزال یترنح تحت سلطات الإحتلال و یعتز بالعادات والتقاليد العشائرية القديمة. فالأقلیم لم یتشكل تيجة لتطور ظبیعی فی المجتمع الكوردستانی، بل أسسته قوی دولیة لأجل مصلحتها تمشية مع قرار دولی بإسقاط نظام الحكم فی العراق وتبديله بنظام جديد یدیر العراق للحفاظ علی مصالح تلك الدول لیس إلا. سلطة الأقلیم لا تستلم أوامرها من إرادة الشعب كما يفترض بها بل تلتزم بما یملی عليها الحلفاء الدولیین من تعليمات وفقا لقرارات الأمم المتحدة. التحزب و ما ترافقها من سياسة ودبلوماسية و نظام إداری تعكس التكییف الغير منسق بین عادات وتقاليد المجتمع الكوردستانی و التطور المادي المستورد من الخارج المتمدن.
لكی یتخلص المجتمع من هاتين الظاهرتين یجب مكافحة الفساد أولا ومن ثم سيادة القانون. ولكی يلتحق المجتمع بالركب الحضاري علینا مراجعة جعبتنا من العادات والتقاليد للإستفادة من وسائل العيش والبقاء التی إستخدمها آباۆنا وأجدادنا فی القرية بالتعامل مع طبيعة كوردستان بتربتها الخصبة وجوها الصحی ومياهها السخية لصنع ما يحتاجه مجتمعنا بأیدینا وتطوریره بإمكانیاتنا المحلیة دون الإتكال علی الأجانب بل الإستفادة منها وفق الحاجة بإستیراد ما يلزم. والإستیراد یحتاج إلی مصفاة تۆدی عمل “المنخل والغربال” فی المجتمع القروي القديم إذ كان من صنع أهله، وكذلك یحتاج التطور الإجتماعي إلی مقیاس بمثابة “الذراع و المقص” القديم لكی يكون صالحا للشعب أن يلبسه وهو أهل له كما فعلنا فی إستیراد العلم والمعرفة من جامعة أوپسالا فی السويد فيما یتعلق بالصحة النفسية للطفل وإدخاله إلی جامعة دهوك لأول مرة منذ سنة ٢٠٠١.


تُعَدّ وراثة الحكم والقيادة الحزبية ذات الطابع العائلي من أبرز العوامل المسببة لتخلف المنطقة، بما في ذلك إقليم كردستان. إذ لم تقتصر العائلات الحاكمة والحزبية على الاستحواذ على موارد الدولة وامتيازات السلطة، والتصرف بها وكأنها ملكية خاصة أو إرث عائلي، بل تجاوز ذلك إلى منافسة الشعوب التي تحكمها أو تمثلها في النشاطات الاقتصادية والتجارية، مستفيدة في ذلك من الامتيازات السياسية والحصانة القانونية.
لقد دأبتُ على تسمية الأمور بمسمياتها وتسليط الضوء على مواطن الخلل بوضوح وبلغة سهلة. وفي هذا السياق، سبق أن تناولتُ في إحدى مقالاتي السابقة إشكالية الإدارة العائلية لإقليم كردستان المتمثلة في هيمنة عائلتي بارزاني وطالباني. فرغم احتكارهما للسلطة لأكثر من أربعة وثلاثين عاماً، ورغم ما يتمتع به الإقليم من وفرة في الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها النفط والثروات الزراعية، فإنهما لم يتمكنا من تأمين رواتب موظفي القطاع العام بشكل منتظم. وفي المقابل، نلحظ امتلاكهما لعقارات وقصور وحسابات مصرفية في أوروبا والولايات المتحدة، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول أولويات الحكم وممارساته، وانعكاساتها على حقوق المواطنين الأساسية.
إن بافل طالباني ولاهور شيخ جنكي يُعَدّان خونةً وعملاءَ لإيران وميليشياتها في العراق؛ فقد قام لاهور ببيع محافظة كركوك لهادي العامري، وكان سببًا مباشرًا في ضياع سهل نينوى من سيطرة عائلة بارزاني، وذلك عقب محاولة هوشيار زيباري الانتقام من الحكومة الاتحادية عبر تبنّي حملة الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان في توقيتٍ غير موفق، لم يحظَ بدعم الولايات المتحدة الأمريكية، الضامن الرئيس لحماية الإقليم، ولا بمساندة تركيا، الحليف الاقتصادي للإقليم.
ولا ننسى صراع عائلتي بارزاني (1994 – 1998):
1. الصراع على الموارد الاقتصادية الكمارك والنفط:
o في غياب دولة مركزية، أصبحت المنافذ الحدودية (خاصة مع تركيا وإيران) مصدر الدخل الأساسي.
o الحزب الديمقراطي سيطر على المعابر مع تركيا (إبراهيم الخليل)، بينما سيطر الاتحاد الوطني على معابر إيران.
o التنافس على عائدات هذه المعابر أدى إلى توترات مالية تحولت إلى صراع مسلح.
2. الخلافات الأيديولوجية والسياسية
o البارتي أقرب إلى النهج القومي التقليدي والعلاقات مع الولايات المتحدة وتركيا.
o الاتحاد الوطني كان أقرب إلى إيران وإلى خطاب يساري اجتماعي، ما عزز الانقسام الإقليمي والدولي في دعم الطرفين.
3. التدخلات الإقليمية والدولية
o تركيا دعمت البارتي لأسباب تتعلق بمصالحها الأمنية (مكافحة حزب العمال الكردستاني).
o إيران دعمت الاتحاد الوطني للضغط على بغداد ولتحقيق نفوذ في كردستان.
o الولايات المتحدة حاولت لاحقًا التدخل لفرض هدنة (اتفاق واشنطن 1998).
4. أحداث الحرب الأهلية (1994 – 1998):
o اندلعت مواجهات مسلحة واسعة النطاق عام 1994.
o عام 1996 استعان مسعود بارزاني بقوات صدام حسين لطرد الاتحاد الوطني من أربيل، ما شكّل صدمة سياسية للشعب الكردي.
o الحرب خلفت آلاف القتلى وأدت إلى تقسيم فعلي للإقليم:
أربيل ودهوك تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني.
السليمانية وحلبجة تحت سيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني.
5. النتائج المباشرة
o انقسام الإقليم إلى إدارتين مستقلتين حتى 2003.
o إضعاف الموقف الكردي أمام بغداد، حيث استغل صدام الانقسام.
o تكريس النفوذ الإقليمي (إيران وتركيا) في القرار الكردي.
كلمة أخيرة:
أسباب الصراع تعود إلى التنافس التاريخي على الشرعية والقيادة، والصراع على الموارد الاقتصادية والمعابر الحدودية، إضافة إلى التدخلات الإقليمية التي غذّت الانقسام. انتهى الصراع رسميًا بعد اتفاق واشنطن 1998 برعاية أمريكية، لكنه ترك آثارًا عميقة ما زالت تُؤثر في العلاقة بين الحزبين حتى اليوم.
شكرا لتعلیقك الغنی بالحقائق. هل بإمكانك تزویدنا برابط مقالتك التی ذكرتها حول “إشكالية الإدارة العائلية لإقليم كردستان”. مع جزیل الشكر والتقدیر.
مقالتك دكتور اكثر من رائعة 👍👍👍
وصفت بدقة عن التناقضات التي يعيشها مجتمع كوردستان اليوم بين مؤسسات الدولة الحديثة والتقاليد العشائرية القديمة، وبين القوانين المكتوبة والممارسات الفعلية للسلطة.
أما بالنسبة لتحليلك لظاهرتي توريث القيادية الحزبية و ثقافة السلاح فالمشكلة الحقيقية تكمن في ضعف القانون تحت وطأة الفساد والمحسوبية، وربطك لهذه الظواهر بالتحول الاجتماعي السريع اقنعني ولفت انتباهي كثيراً .
وفيما يتعلق ب “غربلة” ما يفيدنا من العادات واستيراد ما يناسبنا من الخارج بميزان يليق بمجتمعنا، فهي رؤية ملهمة تضع أساساً عملياً للنهوض بالمجتمع بعيداً عن التبعية…
مقالة اكثر من رائعة وجديرة بالقراءة 💛💛
دمت دكتورنا العزيز.