مقارنة بين أقليم كوردستان العراق و نموذج روژئاڤا، تحليل نفسیإجتماعی- د. عبدالباقي مایی

 

 

یظهر من تزايد حملات الحرب النفسیة و عمليات غسل الدماغ فی الإعلام المعادی للكورد وكوردستان بأن هنالك من يحاول دائما” أن يفرق بین الكورد لكی یستمر فی السيطرة عليهم وإحتلالهم أوإستغلالهم، ولكن هیهات. فرغم الخلافات والإختلافات صمم الكورد أخيرا فی المد الجماهیری المنقطع النظیر لدعم روژئاڤا، بأن وحدة أرض وشعب و قوی كوردستان قد أصبحت حقيقة علمية ثابتة رغم حقد الحاقدین.

فإذا حاولنا نزع المنظار السياسي المباشر، وابتعدنا عن الاصطفافات الحزبیة، واعتمدنا مقارنة نفسیإجتماعية لتحليل البنية العميقة لنموذجين علی طرفی نقیض فی المجتمع الكوردستانی، نجد أن القاسم المشترك بين أقليم كوردستان العراق من جهة و نموذج روژئاڤا (الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا) من جهة أخری، یمكن تلخيصه بكلمة واحدة وهی “كوردايە‌تی” بوصفها الهوية القومیة والثقافية والتاريخية الوحیدة الجامعة لهما. أما ما عدا ذلك، فالفروق البنيوية و النفسيإجتماعیة بين النموذجين تكاد تكون جذرية دون أن تحمل أی معان للعداوة بینهما، لأن التعرف علی الإختلافات و التعبير عن الخلافات أمران ضروريان لتفادي الإستمرار فی الوقوع فی فخ العدو. و من الفروق نستطيع أن نكتسب القوة بدلا من الإنقسام:

١. طبيعة القيادة

في أقليم كوردستان العراق تتجلى القيادة بطابع فوقي هرمي سلطوي، حيث تتخذ القرارات من مراكز حزبية وعائلية واضحة المعالم إعتمادا علی التوریث العشائري الذی یفرض الإنتماء الجماعی و یلزم الوفاء علی الأفراد فی إطاعة القیادة وفق أعراف و عادات تقلیدیة مترسخة فی نفسية الفرد و المجتمع الجماعی. أما في روژئافا فالنموذج المعلن هو قاعدي – فردی – كومينالي، يقوم على إختیار الأفراد فی المجالس المحلية والكومينات، حيث يُفترض أن تنبع الشرعية من القاعدة الاجتماعية المتكونة من أفراد يتمتعون بشخصية سليمة تربت منذ الطفولة علی عقيدة “المقاومة هی الحياة” و مبادئ الحریة و المساوات من خلال تطبيق التعددية تحت شعار “المرأة، الحياة، الحریة”، و الشعور بالمسۆلیة تجاه النفس والآخرين .

٢. الأساس الاقتصادي

يعتمد أقليم كوردستان نموذجًا أقرب إلى الرأسمالية الريعية، قائمًا على النفط والاستثمارات والشركات الخاصة. في المقابل، تتبنى روژئافا مبدأ “الاقتصاد المجتمعي” أو التشاركي، المستلهم من أفكار عبد الله أوجلان حول “الحداثة الديمقراطية”، حيث تُطرح الاشتراكية التعاونية كإطار نظري.

٣. الدين والدولة

ينص دستور العراق على أن الإسلام دين الدولة، وينعكس ذلك ضمن الإطار العام الذي يتحرك فيه الإقليم بوجود ٣ أحزاب تمثل الإسلام السیاسی. أما إدارة روژئافا، فتعلن عدم وجود دين رسمي، وتتبنى خطابًا علمانيًا تعدديًا يهدف إلى فصل المجال الديني عن مؤسسات الحكم.

٤. منظومة القيم

تغلب القيم العشائرية–الجماعية في باشور، حيث تلعب البنية القرابية والعائلية دورًا محوريًا في السياسة والاقتصاد. في روژئافا، يُروَّج لقيم تعددية–فردية، تُشدد على المواطنة المتساوية، وتجاوز الانتماءات الضيقة.

٥. أنماط الاعتماد

في باشور يظهر اعتماد واضح على التحالفات الإقليمية والدولية، سواء اقتصاديًا أو أمنيًا. بينما في روژئافا برز خطاب “الاعتماد على الذات” وتعبئة الموارد المحلية، رغم وجود دعم خارجي عسكري في مراحل معينة.

٦. الهدف السياسي

الهدف التاريخي للحركة القومية في باشور هو تأسيس دولة كوردية قومية مستقلة. أما في روژئافا، فالمشروع المعلن هو بناء “أمة ديمقراطية” عابرة للقوميات، لا تسعى إلى دولة قومية تقليدية بل إلى نظام كونفدرالي مجتمعي.

٧. مشاركة المرأة

في باشور، مشاركة المرأة مكفولة قانونيًا لكنها ليست إلزامية بنيويًا. في روژئافا، يُفرض مبدأ الرئاسة المشتركة (رجل–امرأة) في المؤسسات، وتُعد مشاركة المرأة شرطًا تنظيميًا لا خيارًا رمزيًا.

٨. التعددية

التعددية الحزبية موجودة في إقليم كوردستان ضمن إطار تنافسي تقليدي. في روژئافا، تُطرح التعددية كمبدأ إلزامي داخل كل مؤسسة، سواء على المستوى القومي أو الديني أو الجندري.

٩. الفلسفة السياسية

في باشور، لا تشكل الفلسفة السياسية إطارًا معلنًا للحكم بقدر ما يحكمه التوازن الحزبي والواقعية السياسية. أما في روژئافا، فتُعد المرجعية النظرية (الكونفدرالية الديمقراطية، الإيكولوجيا الاجتماعية، تحرير المرأة) أساسًا مؤسِّسًا للنظام.

١٠. العلاقة بين الفرد والمجتمع

في باشور، يُنظر إلى الفرد غالبًا بوصفه جزءًا فی خدمة البنية الجماعية التقليدية (العشيرة، الحزب، العائلة). في روژئافا، يُقدَّم خطاب مغاير يُفترض فيه أن المجتمع يُعاد تنظيمه لخدمة حرية الفرد وكرامته.

 

فروق إضافية من قبل الذكاء الإصطناعی:

١١. مركزية القرار

باشور يميل إلى مركزية القرار السياسي ضمن الأحزاب الكبرى. روژئافا یسعى إلى لامركزية عبر المجالس المحلية.

١٢. مفهوم الأمن

الأمن في باشور مؤسساتي–حزبي مرتبط بقوات نظامية رسمية. في روژئافا، يتداخل الأمن المجتمعي مع البنية السياسية عبر قوى الحماية المحلية.

١٣. الهوية السياسية

باشور يرتكز على هوية قومية كوردية واضحة المعالم. روژئافا یطرح مفهوم “الأمة الديمقراطية” الذي يتجاوز القومية الأحادية ليشمل العرب والسريان والآشوريين وغيرهم ضمن إطار تعددي.

 

خلاصة

رغم اشتراك النموذجين في الخلفية الكوردية، إلا أن الفارق بينهما ليس مجرد اختلاف إداري، بل اختلاف في الرؤية الفلسفية لطبيعة السلطة، والاقتصاد، والمجتمع، والهوية. باشور يمثل نموذجًا قوميًّا–ليبراليًا بملامح تقليدية–عشائرية، بينما یمثل روژئافا تجربة إشتراكیة–مجتمعية، یحاول إعادة تعريف الدولة والمجتمع خارج الإطار القومي الكلاسيكي.

ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل هذه الفروق تعكس اختلافًا مرحليًا فرضته الظروف الجيوسياسية، أم تعبيرًا عن رؤيتين متباينتين لمستقبل الكورد والشرق الأوسط عمومًا؟

٢١\٢\٢٠٢٦