تداولت شبكات التواصل الإجتماعي فی الاونة الأخيرة، بالتزامن مع التصعيد العسكري بین أمريكا و إيران، زيادة حدة الخلافات بین الحكومة المركزية فی بغداد (الموالية لإیران) وحكومة أقلیم كوردستان (المدعومة من قبل أمريكا)، تجسد أخیرا” فی تصريح لأحد القیادیین العسكریین فی الحكومة العراقية یقول في جوابه علی سؤال صحفي حول إفتراضیة ضرب أمریكی من قواعدها فی الأقلیم ضد إیران، “ إذا تورطت حكومة أربيل فی هذا الملف لن يكون لها وجود بعد أشهر… ستتحول أربیل إلی كتلة من نار”.
لغرض مواجهة هذا التيار المتصاعد للحرب النفسیة وعمليات غسل الدماغ الكوردی بعد التضامن الجماهیری العارم لدعم روژئاڤا، و من أجل تهدئة القلق الذی يظهر فی التعلیقات العامة علی التصريح المذكور وأمثالها، نتناول فی هذه المقالة مفهوم غريزة البقاء بوصفها دافعًا بيولوجيًا ونفسيًا يتخذ أبعادًا اجتماعية وسياسية للحفاظ على الحياة وتجنب المخاطر في سياقات الصراع وعدم الاستقرار. ونطبّق هذه المقاربة على حالة إقليم كوردستان العراق عن طریق تحليل نفسیإجتماعي للكيفية التي تشكّلت بها أنماط المقاومة والتكيّف لدى المجتمع الكردستاني في ظل التحولات السياسية، والعنف المنظّم، والتقلبات الاقتصادية. یستند هذا التحلیل إلى أطر نظرية في علم النفس (فرويد ١٩٢٠ ، ماسلو ١٩٤٣ )، ونظريات الصدمة الجمعية (ئیریكسون ١٩٧٦ ) والمرونة المجتمعية ، و دراسات نفسیإجتماعیة فی كوردستان.
أولًا: الإطار النظري
- غريزة البقاء في التحليل النفسي
عرّف Sigmund Freud الدوافع الأساسية للإنسان بوصفها قوى داخلية تحكم السلوك، وأشار إلى غريزة الحياة (Eros) باعتبارها القوة الدافعة نحو الاستمرار والحفاظ على الذات. ورغم الطابع الفردي لتحليله، فإن تطبيق المفهوم على المستوى الجمعي يكشف عن أن المجتمعات أيضًا تطوّر أنماطًا دفاعية واستراتيجيات تكيف لضمان بقائها.
- هرم الحاجات والبعد المجتمعي
يرى Abraham Maslow أن الحاجات الفيزيولوجية والأمنية تشكّل قاعدة الهرم التحفيزي. في سياقات النزاع، تبقى المجتمعات عالقة في المستويين الأولين من الهرم، حيث يصبح تأمين الغذاء والأمن أولوية قصوى. هذا الإطار مفيد لفهم سلوكيات التكيّف الاقتصادي والاجتماعي في البيئات غير المستقرة.
- الصدمة الجمعية والمرونة
توسّع Kai Erikson في مفهوم “الصدمة الجمعية”، مبيّنًا كيف يمكن للكوارث والعنف المنهجي أن يعيدا تشكيل هوية المجتمع. غير أن الدراسات الحديثة حول “المرونة المجتمعية” (Community Resilience) تؤكد أن الصدمات قد تولّد أيضًا أشكالًا جديدة من التضامن والتنظيم الذاتي.
ثانيًا: السياق التاريخي لإقليم كوردستان العراق
شهدت المنطقة الكردية في العراق تحولات سياسية عنيفة خلال القرن العشرين، خصوصًا في ظل سياسات الدولة المركزية والحروب الإقليمية. وقد بلغت هذه السياسات ذروتها في حملة الأنفال عام ١٩٨٨ و مأساة الهروب الجماعی عام ١٩٩١ ، وإحتلال داعش لسنجار عام ٢٠١٤ . تُظهر هذه الأحداث أن غريزة البقاء لم تكن مجرد استجابة آنية، بل تحولت إلى نمط ثقافي مؤسِّس للهوية الجمعية. فالهجرة القسرية الجماعیة، وإعادة بناء القرى، وتشكيل شبكات تضامن محلية، كلها آليات جماعية للبقاء.
ثالثًا: البعد الاجتماعي–الثقافي
- التضامن البنيوي
تاريخيًا، لعبت البُنى العشائرية والروابط القرابية دورًا حاسمًا في توفير شبكات أمان اجتماعي. ويمكن فهم هذه البُنى ضمن إطار “رأس المال الاجتماعي” الذي يعزز الثقة والتكافل في أوقات الأزمات.
- الذاكرة الجماعية
أسهمت التجارب العنيفة في تشكيل ذاكرة جمعية تُستعاد عبر الأدب الشفهي، والشعر، والممارسات التذكارية. وتؤدي هذه الذاكرة دورًا مزدوجًا: فهي من جهة تخلّد الألم، ومن جهة أخرى تعزز الإحساس بالاستمرارية والهوية.
رابعًا: البعد الاقتصادي والتكيّف البنيوي
بعد عام 1991، ومع نشوء الإدارة الذاتية في شمال العراق، دخل الإقليم مرحلة إعادة بناء مؤسساتية. وقد شكّل الاقتصاد الريعي والتحويلات المالية والنشاط التجاري الحدودي وسائل عملية لضمان الاستقرار النسبي.
يمكن تحليل هذه المرحلة في ضوء نظرية “التكيّف المؤسسي“، حيث تتطور البنى الاقتصادية لتلبية احتياجات البقاء والاستقرار في بيئة سياسية غير مكتملة السيادة.
خامسًا: البعد النفسي والمرونة المجتمعية
تشير دراسات علم النفس المجتمعي إلى أن المجتمعات الخارجة من النزاعات تطوّر ما يُعرف بـ”المرونة الصدمية” (Post-Traumatic Growth). وفي حالة إقليم كوردستان العراق، يمكن ملاحظة مظاهر هذه المرونة في:
- إعادة بناء المدن والبنية التحتية.
- الإستثمار في التعليم العالي والمؤسسات الأكاديمية.
- تعزيز الخطاب الثقافي القائم على الصمود والهوية.
غیر أن هذه المرونة لا تنفي وجود آثار طويلة الأمد للصدمة، مثل اضطرابات القلق والاكتئاب، ما يستدعي سياسات صحية نفسية مستدامة.
خاتمة
إن غريزة البقاء لدى إقليم كوردستان العراق ليست مفهومًا بيولوجيًا محضًا، بل هي بنية مركبة تتداخل فيها العوامل النفسية والاجتماعية والتاريخية. لقد شكّلت التجارب الصراعية القاسية حافزًا لإنتاج ثقافة صمود وهوية جمعية قائمة على الاستمرار رغم الهشاشة السياسية. و من منظور أكاديمي، تمثل الحالة الكردية فی نموذج روژئاڤا مثالًا یقتدی به فی كيفية تحویل الدافع الفطري للبقاء إلى مشروع اجتماعي–سياسي يعيد تعريف الذات الجماعية في مواجهة التهديدات الوجودية.
٢٧\٢\٢٠٢٦


One Comment on “غريزة البقاء لدی أقليم كوردستان: تحلیل نفسيإجتماعي- د. عبدالباقي مایی”
Comments are closed.