اللقاء التلفزيوني الذي قدمته قناة mbc مع السيد مسعود البارزاني جذب انتباهي رغم أنني لم أكن أهتم سابقاً لأي لقاء تلفزيوني مع أي مسؤول مهما كان موقعه لأنني على قناعة بأن اللقاءات التلفزيونية مع القادة والمسؤولين هي للتسويق الإعلامي إلا أن الصدفة جعلتني على موعد لهذا اللقاء الذي استحقّ المشاهدة واستحق تسميته باللقاء التأريخي . السيد مسعود البارزاني أبلى بلاءاً حسناً وأظهر إمكانيات لغوية وثقافية وسياسية وفكرية في هذا اللقاء تفوق كل التوقعات رغم كبر سنه الذي أقترب من العقد التاسع ، فقد كانت لغته العربية خلال حديثه مع مدير اللقاء مليئة بالمفردات القرآنية البلاغية التي يفتقر إليها معظم القادة والسياسيين العرب وهذه تحسب له شخصياً . استمعت جيداً للحديث المطول حول تأريخ الكورد وكوردستان المعاصر من خلال عائلة وعشيرة البارزاني التي لها بصمة واضحة بجميع الأحداث التي مرت على كوردستان منذ تأسيس جمهورية مهاباد ولحد يومنا هذا . وقد نجح كاكه مسعود بحنكته وثقافته وذكاءه في رسم صورة جديدة لجميع الأحداث التي عاصرها هو شخصياً لكنني خرجت بكم من الملاحظات وددت طرحها في هذا المقال ، الملاحظة الأولى ، من النادر جداً أن نجد قائداً سياسياً وعسكرياً يجعل النبل الأخلاقية فوق كل مقدمات العمل السياسي والعسكري بل ويجعلها جزءاً من تأريخ الكورد وكوردستان ليتفاخر بها أمام التأريخ فقد ذكر كاكه مسعود أحداثاً فيها نبل أخلاقية عالية المستوى لا أظن أحد فعلها في التأريخ غير الكورد وخاصة التعامل مع أفراد الجيش العراقي الذين سلموا أنفسهم للبيشمركة بعد حرب الخليج ، وكذلك لم يبدي كاكه مسعود أي شماتة وحقد تجاه جميع اعداءه واعداء الشعب الكوردي الذين أصابهم الخزي والعار بل ذكرهم بما كانوا عليه . الملاحظة الأخرى ، رغم أهوال الظروف التي مرت وتمر على القيادات الكوردية وعلى كوردستان إلا أن كاكه مسعود كان يتحدث بثقة عالية وتفاؤل كبير بأن المستقبل محسوماً لنجاح الشعب الكوردي في نيل حقوقه وتحقيق أهدافه والأجمل في كلامه أن ثقته نابعة من الإيمان بالله .
الملاحظة الثالثة نباهة وانتباه هذا الرجل الكبير لكل مفردة ينطقها ولكل سرد للأحداث ولكل جواب يرد به على المقدم مع جلوسه المستقيم على الكرسي الذي يثبت حسن صحته وحيويته ، حيث كان سرده للأحداث بشكل دقيق وسلس ومرفق بالأدلة الزمانية والمكانية وحتى ذكر أسماء وشخوص كانت حاضرة في الوقائع دليل قوة ذاكرته ، وما أعجبني كثيراً حرصه الشديد خلال مدة اللقاء بعدم الإساءة لأعدائه أو لأعداء الشعب الكوردي ورفضه لفكرة الانتقام التي عملت بها الأحزاب السياسية بعد سقوط بغداد في العام 2003 . ليس مستحيلاً على القائد أن ينال التبجيل والاحترام إذا ما جعل القيم والمبادىء الإنسانية والأخلاقية أساس كل خطوة يخطوها بعمله وهذا مالاحظته بشكل واضح في شخصية مسعود البارزاني الذي يتذكر وصايا والده بأن الموت لا يزعجه لأن الموت حق فالذي يتذكر الموت ولا ينسى قدرة الرب تستطيع أن تأمنه . الملاحظة الأخيرة والأكثر أهمية هو شعور السيد مسعود البارزاني بخيبة الأمل من سلوكيات بعض قادة الأحزاب السياسية الذين استحوذوا على السلطة في بغداد بعد عام 2003 وكان الألم واضحاً من خلال كلامه ، مسعود البارزاني لم يتردد خلال لقاءه التلفزيوني أن يذكر من هم الأكثر عداءاً للشعب الكوردي والأكثر حقداً عليه وهم الإيرانيين والأتراك . وأخيراً من حقنا ومن حق كل مواطني الشعب الكوردي وحتى غير الكورد أن يفتخروا بالقادة الذين يفعلون ما بوسعهم لخدمة شعوبهم وبلدانهم ، ولا أريد القول هنا بأن هؤلاء القادة هم الكمال المطلق لكن يكفي أنهم لم يصيبهم الغرور والعمى وفي تقديري كاكه مسعود هو أحد الذين خدموا أمتهم بصدق واخلاص .

