أهلي أكراد فيلية.. قصيدة تحاكي وجع شعب وتوثق مأساة- عباس عبد شاهين

تظل القصائد والموسيقى الأصدق في التعبير عن المشاعر الإنسانية فهي تختزن الوجع وتوثق الحقيقة لتبقى في ذاكرة الأجيال، وهكذا ولدت القصيدة الشهيرة “أهلي أكراد فيلية” التي غناها الفنان جعفر حسن بألحانه العذبة وكتب كلماتها الشاعر الكبير فالح حسون الدراجي لتتحول إلى أيقونة خالدة تعبر عن مأساة الكورد الفيليين ومعاناتهم عبر العقود.

يروي الدراجي قصة هذه القصيدة التي خرجت من أعماق وجدانه لأنها ارتبطت بجرح شخصي قبل أن تكون قضية عامة فقد ارتبطت شقيقتان له برجال من الكورد الفيليين الأولى متزوجة من السيد حيدر الفيلي المناضل الشيوعي المعروف الذي أصبح لاحقاً وزيراً في حكومة إقليم كوردستان وأسهم في بناء مطار أربيل، أما الثانية فتزوجت رجلاً فيلياً من مدينة العمارة وخلال حملات التهجير القسري التي نفذها النظام البعثي المجرم تم اقتياده مع أسرته إلى الحدود الإيرانية.

تتجسد القصة المؤلمة في اللحظة التي انتزع فيها طفل من ذراعي والدته – أخت الشاعر – ليرمى في سيارة التهجير مع والده، فقد قال ازلام النظام البائد لها آنذاك: إنها عربية ولن تُهجر لكن زوجها “كوردي فيلي” ويجب أن يرحل، فوقع الفراق القسري وحُرمت الأم من طفلها الذي لم يتجاوز أشهره الأولى وبعد أكثر من عشرين عاماً عاد ذلك الطفل شاباً غريب الملامح مثقلاً بالشيب المبكر جاء من إيران سيراً على الأقدام باحثاً عن والدته، لكنه كان بلا جنسية عراقية أو إيرانية ضائع الهوية مثقلاً بالذاكرة، عندها أدرك الشاعر أن المأساة لم تكن بعيدة عنه بل تسكن بيته وروحه ووجدانه.

في عام 2008 عقد لقاء جمع الشاعر فالح حسون الدراجي بعدد من الشخصيات من مختلف مكونات وأطياف المجتمع العراقي بينهم الراحل كاظم حبيب عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي وهو أحد أبناء الكورد الفيليين وكان النقاش يدور حول سبل المطالبة والدفاع عن حقوق الكورد الفيليين وفي إحدى الجلسات اقترح على الشاعر أن يكتب أغنية تجسد معاناتهم، قائلين له: ما دمت متعاطفاً معهم وما دام أولاد أختك فيليين، فلماذا لا تكتب عنهم؟ فأجابهم: “والله إنهم يستحقون ذلك” عندها طلب منه الفنان جعفر حسن أن يكتبها بصيغة لسانه: أهلي أكراد فيلية ولم يتردد الدراجي، فخط الكلمات في وقت قصير فيما تولى جعفر حسن صياغتها لحناً وغناءً ليولد عمل سيبقى علامة فارقة في الذاكرة الفنية العراقية.

ويؤكد الدراجي أن لديه تسجيلاً خاصاً للأغنية بصوت الفنان جعفر حسن قبل أن تصدر لاحقاً بنسخة مع الفنان ستار السعدي ويشير إلى أن ما تعرض له الكورد الفيليون يفوق مآسي الشعوب الأخرى، حتى المأساة الفلسطينية رغم قسوتها إذ ظل الفلسطيني يمتلك بيتاً أو جنسية أو أرضاً يتكئ عليها بينما الفيليون طردوا قسراً إلى الحدود بلا وثائق ولا مال ولا مأوى وصودرت ممتلكاتهم وضاعت حقوقهم وحتى اليوم ورغم أن نصف الحكومة من الكورد الفيليين فإنهم لم يحصلوا بعد على كامل حقوقهم.

لقد أصبحت أغنية “أهلي أكراد فيلية” أكثر من مجرد عمل فني إنها وثيقة وجدانية وصوت حق يخلد الإبادة الجماعية التي تعرض لها الفيليون ورسالة للأجيال القادمة بأن هذه المأساة لا ينبغي أن تطمسها السنين ونأمل أن يُنجز أوبريت وطني ضخم يشارك فيه الفنانون المؤمنون بالقضية الكوردية الفيلية ليعيدوا رسم المأساة على مسرح الفن ويقدموها للعالم أجمع فالفن الحقيقي هو الذي يحفظ ذاكرة الشعوب ويصون كرامتها.

One Comment on “أهلي أكراد فيلية.. قصيدة تحاكي وجع شعب وتوثق مأساة- عباس عبد شاهين”

  1. السيد عباس عبد شاهين المحترم.
    تحية.
    للاطلاع:
    “أهلي أكراد فيلية”.
    أهلي كرد فيلية.
    محمد توفيق علي

Comments are closed.