تركيا بين غزة وكوردستان “ازدواجية خطاب وجرائم مكتومة”:– (فرست عبدالرحمن مصطفى

كلما اندلعت حرب إسرائيلية على غزة، يعلو الصوت التركي في المنابر الدولية. بيانات غاضبة، خطابات نارية، ومؤتمرات حاشدة تُقدِّمها أنقرة كأنها الحامي الأول للشعب الفلسطيني، والضمير الحيّ للعالم الإسلامي. يصفّق كثيرون لهذا الخطاب، ويظنون أنه انعكاس لجذور أخلاقية متجذّرة في تاريخ تركيا.
غير أن هذه الصورة سرعان ما تتصدع حين نقارنها بمرآة الواقع الكوردي. فتركيا التي تندد بالقتل والتشريد في غزة، تحمل في تاريخها القريب والبعيد سجلاً مثقلاً بالجرائم نفسها ضد الكورد. فمنذ قرونٍ والأناضول يشهد محاولات متكررة لمحو الهوية الكوردية عبر الإبادة أو التتريك القسري. الدولة العثمانية قمعت الانتفاضات الكوردية، والجمهورية الحديثة ورثت هذه السياسات، فمُنعت اللغة والثقافة الكوردية، وأَحرقت القرى، وارتَُكبت المجازر في زيلان (1930) وديرسم (1937–1938) وسيواس وغيرها. آلاف السجناء السياسيين ومقابر جماعية وقرى مهدمة بقيت شاهداً على عقود من التعتيم.
وفي القرن الحادي والعشرين، بينما تُعلن أنقرة تضامنها مع غزة، ازداد قمعها للكورد وضوحاً. فقد جاء اعتقال عبد الله أوجلان عام 1999 كنقطة تحوّل أعقبها تصعيد أمني واسع ضد الحركة الكوردية. وخلال العقد الأول من الألفية الجديدة استمرت الحملات العسكرية، و رافق ذلك قمع سياسي شمل حظر أحزاب كوردية مثل “حزب المجتمع الديمقراطي” سنة 2009.
ثم جاءت الأعوام 2015–2016 لتكشف وجه الحرب المفتوحة، إذ فرضت أنقرة حصاراً على مدن كوردية كجزيرة بوتان وسور في دياربكر، وقصفت أحياء بكاملها حتى تحولت إلى ركام، وسقط المئات من المدنيين. وفي عام 2018 غزت عفرين الكوردية ضمن عملية “غصن الزيتون”، مما أدى إلى تهجير مئات الآلاف من الكورد وتغيير ديموغرافي قسري. ولم تكتف بذلك، بل واصلت عام 2019 عملية “نبع السلام” التي هجّرت عشرات الآلاف من تل أبيض ورأس العين. وحتى اليوم، لا يتوقف القصف التركي على مناطق سنجار وقنديل في العراق، بحجة “ملاحقة الإرهاب”، في حين أن الضحايا غالباً مدنيون في قراهم.
أمام هذه الحقائق، تبدو ازدواجية أنقرة صارخة فهي تندد بالحصار على غزة بينما فرضت حصاراً داخلياً على مدن كوردستان لعقود، وتدين قصف المنازل في رفح وخان يونس بينما قصفت هي نفسها مدناً كوردية بلا رحمة. إنها سياسة بوجهين خطاب خارجي صاخب لكسب الشعبية والنفوذ الإقليمي، يقابله تعتيم داخلي على الجرائم التاريخية بحق شعب يشاركها الجغرافيا.
لقد تحوّلت معاناة غزة بالنسبة لتركيا إلى ورقة سياسية رابحة أمام العالم الإسلامي، بينما تواصل إنكارها لمعاناة الكورد. فكيف يمكن لدولة هجّرت الكورد من عفرين أن تُدين تهجير الفلسطينيين من رفح؟ وكيف يمكن لمن دمّر مدناً كوردية أن يتحدث عن الإنسانية في غزة؟
إن كل صرخة تركية ضد إسرائيل ستبقى ناقصة ما لم تبدأ أولاً بمواجهة صريحة لماضيها وحاضرها مع الكورد. فالدفاع عن العدالة لا يكتمل بالخطابات وحدها، بل بالاعتراف بالجرائم التي ارتكبت، وبمنح الشعوب حقها في الأرض واللغة والكرامة.
إن الكورد والفلسطينيين يشتركون في جرحٍ واحد، وإن اختلفت الأسماء والخرائط كلاهما يواجه حصاراً وقتلاً وتشريداً. غير أن ما يثير الأسى أن بعض الأصوات الفلسطينية، في مراحل سابقة، وقفت إلى جانب الموقف التركي على حساب الحق الكوردي، ظناً أن استرضاء أنقرة يجلب دعماً أكبر للقضية الفلسطينية. والحقيقة أن هذا الموقف لم يجلب إلا الخسارة للطرفين لم يتحرر الفلسطيني، ولم ينل الكوردي اعترافه.
لقد آن الأوان للفلسطينيين أن يدركوا أن قضيتهم لا يمكن أن تقوم على إنكار قضية شعب آخر. لا يحق لمن يصرخ ضد الاحتلال الإسرائيلي أن يتغاضى عن الاحتلال التركي لكوردستان، ولا معنى للحرية في غزة إذا جاءت على حساب كرامة الكورد في دياربكر أو عفرين أو سنجار.
إن أي صمت فلسطيني أمام جرائم أنقرة هو مشاركة غير مباشرة في تبييض وجهها، وأي محاولة لاستغلال القضية الكوردية لكسب عاطفة الأتراك هي خيانة لمفهوم العدالة نفسه. فالمظلوم لا يحق له أن يتحول إلى شاهد زور على ظلم غيره.
إن التضامن الحقيقي بين الكورد والفلسطينيين لا يقوم على المجاملة أو استرضاء الحكومات، بل على الاعتراف المتبادل بأن الحرية لا تتجزأ، وأن القمع التركي لا يقل بشاعة عن القمع الإسرائيلي. عندها فقط يمكن للجرحين أن يتحولا إلى قوة مقاومة مشتركة، تكشف نفاق أنقرة كما تكشف جرائم تل أبيب، وتمنح للعدالة معناها الحقيقي.