تحولت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا إلى نموذج سياسي فريد في المشهد السوري، يُجسد تطلعات الشعب السوري نحو دولة ديمقراطية، تعدّدية، ولا مركزية، تنهي عقوداً من الحكم الاستبدادي المركزي. وعلى الرغم من التحديات الجسيمة التي واجهتها من تدخلات خارجية، وحروب وجودية، وحصار اقتصادي، فقد تمكّنت من الصمود، بل والتطور، لتصبح تجربة سياسية واجتماعية ملهمة في قلب الشرق الأوسط.
الذكرى السابعة: مسيرة كفاح وبناء
في الذكرى السابعة لإعلان الإدارة الذاتية، تُستعرض مسيرة حافلة بالتحولات السياسية والعسكرية التي شكّلت ملامح هذا النموذج:
- 15 آذار 2011: اندلعت الثورة السورية ضد النظام الاستبدادي، لكن سرعان ما تحوّلت إلى ساحة صراعات إقليمية ودولية، ما فتح الباب أمام شعوب المنطقة للبحث عن بدائل ديمقراطية.
- 19 تموز 2012: انطلقت ثورة روج آفا من مدينة كوباني، بمشاركة واسعة من الكرد، والعرب، والسريان الآشوريين، بهدف بناء نظام ديمقراطي يضمن حقوق جميع المكونات، ويُنهي الهيمنة المركزية.
- 8 أيلول 2013: وقّع مجلس شعب روج آفا والمجلس الوطني الكردي اتفاقاً من تسعة بنود لإطلاق الإدارة المرحلية، في خطوة أولى نحو التوافق السياسي.
- 12 تشرين الثاني 2013: أُعلن عن تأسيس المجلس العام للإدارة المرحلية المشتركة، رغم انسحاب المجلس الوطني الكردي لاحقاً، ما لم يمنع انطلاق العملية السياسية.
- 21 كانون الثاني 2014: أُعلنت الإدارة الذاتية الديمقراطية في مقاطعة الجزيرة (الحسكة)، تبعتها كوباني وعفرين، لتبدأ مرحلة بناء مؤسسات الحكم الذاتي.
المقاومة: من كوباني إلى تحرير الرقة
واجهت الإدارة الذاتية منذ نشأتها تحديات وجودية، أبرزها:
- هجمات جبهة النصرة ودعم الاحتلال التركي للجماعات المسلحة.
- الغزو الواسع لتنظيم داعش، الذي حوّل شمال شرق سوريا إلى ساحة معارك مصيرية.
لكن المقاومة كانت شرسة، وبلغت ذروتها في معركة كوباني (2014–2015)، حيث صمد المدنيون والمقاتلون أمام حصار دام شهوراً.
- 26 كانون الثاني 2015: تُوّجت المقاومة بـانتصار كوباني، الذي شكّل نقطة تحوّل في الحرب ضد داعش.
- تبعتها سلسلة من الانتصارات: تحرير منبج (آب 2016)، والرقة (تشرين الأول 2017)، ثم أجزاء واسعة من دير الزور (2017–2018).
مع توسع الرقعة المحررة، توسّعت البنية الإدارية لتشمل:
- مقاطعة الجزيرة
- مقاطعة كوباني
- مقاطعة عفرين
- منطقة الفرات
- منطقة منبج
- منطقة الرقة
- منطقة الطبقة
- ومنطقة دير الزور
من التحرير إلى الدولة الموازية
- 16 تموز 2018: أقرّ مجلس سوريا الديمقراطية (MAS) في مؤتمره الثالث ضرورة توحيد الإدارة، وأعلن رسمياً في 6 أيلول 2018 عن تأسيس الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، بهيكل تنظيمي متكامل يشمل:
- المجلس العام (السلطة التشريعية)
- المجلس التنفيذي (السلطة التنفيذية)
- مجلس العدالة (السلطة القضائية)
التحديات المستمرة: العدوان التركي
رغم النجاحات، استمر الاحتلال التركي في مهاجمة مناطق الإدارة الذاتية:
- كانون الثاني 2018: اجتياح عفرين تحت مسمى “غصن الزيتون”.
- تشرين الأول 2019: هجوم على سري كانيه (رأس العين) وكري سبي (تل أبيض)، تحت مسمى “نبع السلام”.
لكن الإدارة الذاتية تمكّنت من الصمود، وثبّتت حضورها السياسي، وأعادت تنظيم صفوفها، وأسّست تحالفات واسعة مع القوى الدولية.
اعترافات دولية ودستور محلي
- 20 تشرين الأول 2021: أعلن البرلمان الكتالوني اعترافه الرسمي بالإدارة الذاتية، مؤكداً “عدالة القضية الكردية” و”نجاح التجربة الديمقراطية”، في خطوة رمزية كبيرة.
- 12 كانون الأول 2023: صادق المجلس العام على العقد الاجتماعي الجديد، المؤلف من 134 مادة، ليصبح بمثابة دستور مؤقت يُرسّخ:
- مبدأ العدالة الاجتماعية
- المساواة بين الجنسين
- التعددية العرقية والدينية
- اللامركزية الإدارية
- الحكم الذاتي للمكونات
اليوم: نموذج يُلهم سوريا
بعد أكثر من عقد على انطلاقتها، باتت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا تجربة سياسية ناجحة، لا تُعتبر فقط حكماً محلياً، بل نموذجًا بديلاً للدولة السورية المستقبلية.
وقد أصبح هذا النموذج:
- مصدر إلهام للكثير من السوريين الرافضين للمركزية والاستبداد.
- مطلباً حقيقياً من قبل مكونات متعددة (عرب، كرد، سريان، آشوريين، شركس، إيزيدية).
- نموذجاً عملياً للحكم الديمقراطي التشاركي، يقوم على الرئاسة المشتركة، ومشاركة المرأة، والعدالة التصالحية.
في المحصلة:
رغم كل التحديات، تُثبت الإدارة الذاتية أن الديمقراطية ممكنة في سوريا، وأن الوحدة لا تعني التوحيد القسري، بل يمكن أن تُبنى على التنوع والمشاركة.
وهي اليوم ليست مجرد إدارة محلية، بل مشروع وطني يدعو إلى إعادة صياغة الدولة السورية على أسس عدالة، حرية، وكرامة، ويُقدّم بديلاً حقيقياً للحروب والتقسيم: اللامركزية، والديمقراطية، والتضامن.

