في أخر جولتي السياحية في آوروبا، طرح احد زملائي الدبلوماسيين من الاتحاد الاوربي (باعتباري دبلوماسي سابق في بعض الدول الآسيوية والافريقية لفترة جاوزت العقد من الزمن). هذا الزميل طرح سؤالا كاد أن يحرجني: “هل عراقكم على الحياد في علاقاته الخارجية؟”. وبدوري انقل هذا التساءل المنطقي للقادة السياسيين في وطني العراق رغم علمي بأن الصمت هو سمتهم في مثل هذه المواقف السياسية. الاجابة قد تحصل عليها بعد الانتهاء من قراءة التحليل السياسي أدناه.
يعيش العالم اليوم خارطة جيوسياسية تتزاحم بل تتنافس فيه مشاريع تحالفات سياسية تارة وعسكرية في تارة أخرى، وكأن العالم يعود من جديد الى الحرب الباردة التي سادت الكون قبل انهيار الاتحاد السوفياتي نهاية 1991.
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ظهر في روسيا قائد أهم اهدافه هو السعي لجعل روسيا قوة عسكرية عالمية في مواجهة القطب الاوحد امريكا. بالتزامن مع ظهور بوتين القيصر الجديد لروسيا، بدأت دولة آخرى في شرق آسيا (الصين) تكشر عن انيابها العسكرية المروعة فضلا عن قوتها الاقتصادية الهائلة التي تطورت بصمت بعيدا عن شعارات شعبوية “مقيتة”، او إعلام مؤدلج طيلة عقود.
وبهدف مواجهة “التوازن الغربي” كان من الجدير ان يظهر نادي أقتصادي – عسكري آخر مقابل نوادي القطب الغربي بقيادة امريكا. فعليه عمل بوتين على استقطاب دول لها شأن جيوسياسي – عسكري قادر على التحدي وصولا الى تشكيل عالم متعدد الاقطاب. لم تكتفي روسيا بالخطوة المذكورة فحسب، بل شاركت مع الصين في اقامة تكتلات وتحالفات مع دول افريقية وامريكا اللاتينية كمنظمة شنغهاي وبريكس وتحالفات مع الدول القوقازية وغير ذلك من التكتلات التي باتت بحق قوة عالمية جديدة لا تتنافس فحسب، بل تتحدى الهيمنة الامبريالية الجديدة من خلال اجراءات تكتيكية في القضاء على سيادة الدولار على صعيد التجارة الدولية، ثم العمل على نخر الهيكل الاقتصادي الغربي المهيمن على السيادة الوطنية لدول العالم النامي.
واليوم … بعد ان طلت علينا القمة الخامسة والعشرون لمنظمة شنغهاي للتعاون (آب 2025) في مدينة تيانجين الصينية. تلك المنظمة التي تأسست عام 2001 لتكون بمثابة “حلف الناتو الشرقي”. وهو تجمع إقليمي للتعاون الأمني والاقتصادي كحدث استثنائي يحمل في طياته إعادة تعريف لموازين القوى العالمية، لتتحول إلى منصة استراتيجية وأمنية كبرى تشكل قطبًا عالميًا بديلًا يتحدى وجود عالم القطب الواحد.
أن هدف زعماء أكثر من عشرين دولة المشاركة في هذه القمة (الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش)، الهدف لم يكن استكمالا لرسم خارطة جديدة للتعاون متعدد الأبعاد فحسب، بل هو الأعلان عن ولادة نظام عالمي جديد متعدد الاقطاب تتوازن فيه القوى وتتعدد فيه المراكز.
الجدير ذكره ان قمة شنغهاي الدوليه هذه تزامنت مع العرض العسكري المهيب للصين في صورة جلية لاستعراض “عضلات الصين العسكرية” وذلك بمناسبة الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية، وهو أمر ذو دلالة استراتيجية كبيرة تنطوي على رسالة غير مباشرة للولايات المتحدة الامريكية .
وللمزيد من التذكير… تضم منظمة شنغهاي للتعاون، التي وصفها الرئيس الصيني شي جينبينغ بأنها “نموذج جديد للعلاقات الدولية”، تضم عشر دول أعضاء، وهي: الصين، روسيا، باكستان، الهند، إيران، كازاخستان، قيرغيزستان، طاجيكستان، أوزبكستان، وبيلاروسيا. بالإضافة إلى ذلك، توجد 16 دولة أخرى تتمتع بوضع مراقب (دولتان هما أفغانستان ومنغوليا) أو شريك في الحوار 14 دولة أبرزها مصر والمملكة العربية السعودية، وتركيا، والإمارات، وقطر.
وهنا نتساؤل: اين العراق من كل هذه التطورات الدولية عندما تجد ان دولا كالسعودية والامارات وتركيا وقطر الموالية لآمريكا، اوعضوة في الناتو، هم شركاء في منظمة تتحدى الغرب “الامبريالي”… لماذا العراق بهذا الشكل من الانصياع او الخوف من الولايات المتحدة الامريكية في التعبير عن موقف وطني صريح لصالح العراق في مواجهة قوى تريد الشر بالشعب العراقي. فمنظمة شنغهاي تمثل أكثر من 41% من سكان العالم، وأكثر من 34% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وحوالي 24% من مساحة اليابسة في العالم، تسعى للحفاظ على الأمن الإقليمي وتعزيز التنمية المشتركة، التي تتميز بالثقة المتبادلة، والمنفعة المتبادلة، والمساواة، والتشاور، واحترام الحضارات المتنوعة. لما هذا الخوف يا ترى من مشاركة العراق في مثل هذاه المنظمة، التي تسعى لتقويض النظام الغربي المعادي للعراق؟؟؟ .
فعليه نجد ان على العراق، رغم جهود الحكومة الاصلاحية المتعثرة في الداخل، أن ينطلق في علاقاته الخارجية المغيبة (بسبب هشاشة الفعل والضعف في التمثيل الدبلوماسي) أن يعمل على الحفاظ على المصالح الوطنية، وان تكون طموحات الشعب العراقي فوق كل اعتبار للخروج من الهيمنة الامريكية. فالحكومة العراقية غير مضطرة في مسك العصا من المنتصف، وهي سياسة اثبتت فشلها. وعلى العراق الابتعاد قدر الامكان من الضغط الامريكي ثم الإخذ بنظر الاعتبار طبيعة الادوات والاليات السياسية والاقتصادية التي تسير عليه الدول المتحضرة والصناعية المتطورة كالصين وروسيا وكوريا الشمالية أو مصر والسعودية وإيران وغيرها من الدول التي جعلت مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات.
في ذات السياق نطالب العمل على:
– تسوية المدفوعات بالعملات المحلية في تعاملاتنا التجارية لتجاوز الدولار الأمريكي وعقوباته.
– المشاركة في مشروعات البنية التحتية العملاقة سواء في إطار “مبادرة الحزام والطريق”، أو من خلال تسريع إنشاء ممرات نقل إقليمية جديدة مما يخلق فرصًا هائلة للاستثمار والعمالة الفاعلة.
– الانفتاح على التكنولوجية الصينية بعيدا عن المراقبة الغربية…. الخ.
– تنويع التسلح لتعزيز القدرات الدفاعية.
– دراسة واقع بنك التنمية التابع لمنظمة شنغهاي للتعاون وبنك التنمية التابع لمجموعة بريكس.
– تطوير مراكز الذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل الخامس والحوسبة عالية الأداء بالتعاون مع الصين.
– الاستفادة من المردود الاقتصادي من حجم التجارة بين الصين ودول منظمة شنغهاي (512 مليار دولار)، حيث رسخت هذه المنظمة مكانتها ككتلة تجارية ضخمة وتحالف تكنولوجي مرعب كسد واقي امام العقوبات الغربية
واليوم فأن قمة منظمة شنغهاي تشكل فاصل محوري في مسار تطور النظام الدولي كإعلان عملي عن نضوج نموذج جيوسياسي واقتصادي بديل، قد يعيد تعريف مفاهيم السيادة والأمن والتعاون الاقتصادي في عالم يتجه بقوة نحو تعددية الأقطاب. وهو الأمر الذي من شأنه، اولاً: تعزيز الامن القومي. وثانيا: خدمة المصالح الاقتصادية من خلال استغلال الموارد الطبيعية للعراق.
كما يمكن للعراق ان يستفيد من هذه التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الكبرى كضرورة استراتيجية للعراق في عالم سريع التغير، حيث تبرز تحالفات جديدة وأدوات غير مسبوقة للقوة والنفوذ في مجال التعاون وتبادل المعلومات والخبرات او الحراك الاستخباري في مكافحة التطرف أو التآمر في قلب الانظمة السياسية.
كما يجب الاشارة الى أن دول المنظمة تمتلك أيضًا فوائض مالية كبيرة تخلق فرصًا لجذب الاستثمارات إلى المشروعات العراقية المستقبلية، وتحديث المجالات الإدارية للمشروعات المتعلقة بالطاقة المتجددة من خلال:
– اجراء دراسة شاملة لإمكانيات الانضمام إلى هذه المنظمة ولو كمشارك مرحليا.
– تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية لتعظيم المكاسب من علاقات العراق مع دول المنظمة.
– تعزيز التنسيق الأمني مع دول المنظمة حفاضا على السيادة الوطنية.
أن المشهد الذي عرضناه اعلاه يشكل صورة كاملة الابعاد للقوة الشاملة التي تقدمها الصين كراعٍ للنظام العالمي الجديد، الامر الذي سيجعل من العراق دولة ذات سيادة بعيدا عن هيمنة الشركات الغربية بقيادة الراسمال الامريكي وصولا الى إعادة مكانة ارض الرافدين كفاعل مؤثر داخل النظام العالمي الجديد، والخروج من دائرة التهميش المفروض عليه من قبل الولايات المتحدة الامريكية كما هو عليه الان.

