اقليم كوردستان 3/ 10 / 2025
تحضر مؤلفات عدد من الباحثين والكتاب الكورد من مدينة دهوك في معرض الرياض الدولي للكتاب لعام 2025 عبر دار تموز بدمشق. ويأتي هذا الحضور ليؤكد ان الهوية الكوردية لا تقتصر على حدودها الجغرافية، بل تعبر عبر النصوص والابحاث لتخاطب القارئ العربي وتضعه امام قراءات جديدة في التاريخ والفكر والهوية. فالمشاركة هنا ليست مجرد عرض لعناوين اكاديمية، بل هي فعل ثقافي اصيل يعكس مساهمة الكورد في انتاج المعرفة وتحليلها، ويبرز دورهم في إعادة صياغة فهم المراحل المفصلية من تاريخ الشرق الادنى والاسلامي.
تتنوع هذه المؤلفات بين التاريخ القديم والاسلامي الوسيط، وبين الدراسات الفلسفية و السياسية والاجتماعية والدينية، وهو ما يمنحها طابعا شموليا يجعلها قادرة على محاورة القارئ المتخصص والمهتم على حد سواء. ففي حقل التاريخ القديم يتصدر كتاب العلاقات الاشورية العيلامية، موضحا التفاعل السياسي والدبلوماسي بين امبراطوريتين كبيرتين، في حين يتناول بحث المعتقدات الدينية في منطقة بادينان خلال العصر الاشوري الحديث – د. ژيار صدیق البنية الروحية والممارسات الدينية في منطقة كوردية، ويكشف عن تداخل الدين بالهوية المحلية. ويضيف كتاب المعاهدات الاشورية: دوافعها ونتائجها في صور النصوص المسمارية – د. هیڤی سعید بعدا آخر بتحليله للنصوص المسمارية بوصفها مصدرا لفهم آليات التفاوض والسلطة في تلك الحقبة.

اما في ميدان التاريخ الاسلامي الوسيط، فيأتي كتاب الدولة الايوبية وفق نظرية الدولة عند ابن خلدون – د. حکیم عبدالرحمن ليقدم قراءة جديدة للتجربة الايوبية من منظور فلسفي اجتماعي، بينما توثق دراسة رسوم دار السلطنة الايوبية في مصر – د. سیپان حسن علي البنية التنظيمية والرمزية للسلطة من خلال الرسوم والمخطوطات. ويتعمق د. عزت سليمان في الجانب الاجتماعي والاقتصادي بعمله اصحاب المهن في مصر خلال العصر المملوكي، ثم يكشف في كتابه الآخر الكورد في جيش الدولة المملوكية عن الدور العسكري للكورد ومساهماتهم في الدفاع والبناء السياسي. وتأتي دراسة عوامل خراب واضمحلال المدن في المشرق الاسلامي – د. ادريس محمد حسن لتقدم مقاربة نقدية تربط بين العوامل السياسية والاقتصادية والبيئية في تفسير التدهور الحضري، بينما يضيء ابن شداد ومنهجه التاريخي في كتابه النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية – د. رمضان احمد محمد على اساليب كتابة التاريخ في العصور الوسطى؛ في حين يتناول الدكتور حسن عثمان عبدالله في كتابه الدور الفاطمي في العراق خلال العهد البويهي، تفاعلات النفوذ الفاطمي في العراق خلال هيمنة البويهيين، مسلطا الضوء على الصراع المذهبي والسياسي بين القوتين الشيعية والإسماعيلية؛ ويكشف عن أدوات التأثير الفاطمي في المجال الديني والدعائي، رغم السيطرة البويهية على بغداد.
ويشارك الدكتور جوتيار تمر بعدة عناوين تكمل هذه اللوحة الفكرية، منها الكورد القيمرية دورهم السياسي والحضاري، والعلاقات الاسلامية الكوردية في ظل الحكم الاموي: دراسة في التفاعل الثقافي والديني، والنزعة العربية واثرها على الموالي في عصري صدر الاسلام والدولة الاموية: بحث في الهوية والسلطة، فضلا عن كتابه نبذة عن ظهور المسيحية – جدلية المسيحين هل هما مسيح واحد ام مسيحان، الذي يفتح نقاشا فلسفيا ودينيا حول التعددية المسيحية. وتشكل هذه العناوين بمجموعها مسارا بحثيا يكشف عن ثلاث سمات رئيسة في مشروعه الفكري: اولا، التركيز على البعد الكوردي في التاريخ الاسلامي، ليس بوصفه هامشا، بل باعتباره عنصرا فاعلا في التفاعلات السياسية والحضارية. ثانيا، تحليل اشكال السلطة والهوية في صدر الاسلام والدولة الاموية، وهو توجه نقدي يربط بين النصوص التاريخية والقراءات السوسيولوجية المعاصرة. ثالثا، الانفتاح على قضايا الفكر الديني المقارن، كما في جدلية المسيحين، حيث يتجاوز حدود البحث التاريخي ليطرح اسئلة فلسفية تتعلق بالتعددية الدينية وتاريخ الافكار؛ وبهذا يشكل حضور مؤلفاته اضافة نوعية في جناح دهوك، لأنه يجمع بين الدراسة التاريخية الموثقة والطرح الفكري النقدي، مما يمنح القارئ العربي فرصة للتفاعل مع قضايا تجمع بين الخصوصية الكوردية والبعد الانساني العام.
ان حضور هذه المؤلفات الكوردية من دهوك في معرض الرياض الدولي للكتاب يمثل جسرا ثقافيا بين الهامش والمركز، ورسالة واضحة بان الانتاج المعرفي الكوردي ليس محليا فحسب، بل جزء من المشهد الفكري العربي والعالمي؛ فهي نصوص تجمع بين التاريخ والسياسة والدين والمجتمع والفن، وتضيف زخما نوعيا الى المكتبة العربية. ومن خلال هذا الحضور، يثبت الكورد ان المعرفة قادرة على كسر الحدود، وان النصوص تبقى الوعاء الاكثر ديمومة لحوار الشعوب وتلاقح افكارها.

