“الصمت في محراب الرياء عبادة”- (فرست عبدالرحمن مصطفى)

 

في زمنٍ صار فيه الصوت الأعلى لمن يملك المنبر، تضيع الحقيقة بين صدى المواعظ ووميض الكاميرات.
لم يعد الدين عند بعضهم طريقا إلى الله، بل طريقا إلى المجد الدنيوي، ووسيلة لفرض الهيمنة باسم السماء.
يتحدثون عن الجنة وكأنهم يملكون مفاتيحها، ويهددون بالنار وكأنها تحت وصايتهم.
تراهم بعباءاتهم اللامعة ووجوههم العابسة، يختبئون خلف شعارات التقوى، بينما تتكدّس في قلوبهم نزعات السلطة والطمع.
يتلون القرآن على الناس، ولا يقرؤونه على أنفسهم.
هكذا اصبحت العباءة التي كانت رمزا للإيمان، ستارا يخفي خلفه الاشرار.

 

منذ أن عرف الإنسان فكرة المقدّس، ورفع رأسه نحو السماء يبحث عن معنى، وُجد في المقابل من أراد أن يحتكر تلك السماء لحسابه الخاص.
لم تكن الكذبة الكبرى في التاريخ سوى أن يتحدث بشرٌ باسم الله، ثم يُخضعون عباد الله لمشيئتهم.

 

الذي يكذب بالدين ليس ذاك الكافر الجاهل، ولا الملحد الذي يبحث في الفلسفة عن جواب لروحه القلقة،
بل هو ذاك الذي يلبس عباءة الدين ليستر بها طمعه، ويُزيّن خطاياه بآياتٍ يتلوها بلسانٍ رطِبٍ وضميرٍ ميت.
إنه الرجل الذي يحوّل المنبر إلى سوق والدعوة إلى صفقة والإيمان إلى سلعة يتاجر بها على حساب المساكين والبسطاء.

 

يتحدث باسم الله وكأنه الناطق الرسمي للسماء ويوزّع الجنة والنار كما يشاء، يلعن خصومه باسم الفتوى، ويبارك الطغاة باسم الطاعة.
يرفع صوته في وجوه الناس بالتقوى، بينما جيبه منتفخ من أموالٍ جمعها من دموع المقهورين.

 

إن أخطر الكاذبين بالدين هم أولئك الذين جعلوا الدين واجهة تُغطي خواءهم الإنساني.
فهم لا يرون في الصلاة خشوعا، بل وسيلة لإظهار الورع أمام الناس،
ولا في الصوم تهذيبا للروح بل شعارا للرياء.
يتحدثون عن الزهد وهم يملكون القصور، وعن التواضع وهم يحيطون أنفسهم بالأتباع والألقاب.

 

يكذب بالدين من يُقصي الآخر لأنه لا يشبهه، ومن يختصر الله في مذهبٍ أو عمامةٍ أو حزبٍ أو راية.
يكذب بالدين من يجعل من الكراهية عقيدة، ومن الخوف طريقا إلى الطاعة.
فالدين الحق لا يُختصر في لِحيةٍ طويلة، ولا في صوتٍ أجشّ يُرهب الناس بالويل والعذاب، بل هو رحمةٌ للعالمين وعدلٌ بين البشر وصدقٌ مع النفس قبل اللسان.

 

كم من رجلٍ يعتلي المنبر اليوم ليقول للناس: “اتقوا الله”، وهو أول من خان الله في سره!
وكم من واعظٍ يهاجم الفساد وهو يقتات منه كل يوم!
وكم من داعيةٍ رفع شعار الإيمان، فإذا خلت الدنيا من العيون، مارس ما لا يجرؤ فاسقٌ على فعله!

 

إن الذي يكذب بالدين يقتل روح الدين أكثر مما يقتلها أعداؤه.
لأن العدو الظاهر يُفضَح، أما المنافق في قلب البيت فيفسده من الداخل.

 

ولعلّ أخطر ما يفعله هؤلاء، أنهم يجعلون الشباب ينفرون من الدين،
لا لأن الدين ثقيل، بل لأن الكذب باسم الله صار مهنة، ولأن السماء باتت تُقدَّم في نشرات الأخبار على لسان من لا يعرفون الرحمة ولا العدل.

 

فيا أيها الواعظ الكاذب، يا من جعلتَ الدين سلّماً لتصعد به فوق رؤوس الناس، تذكّر أن الله لا يُخدع بالعبارات ولا بالملابس ولا بالألقاب وأن أكثر الناس خسارةً يوم القيامة هم من تزيّنوا باسم الله وخانوه في السرّ.
فليتك سكتَّ، فالصمت في محراب الرياء عبادة.