نقاش بناء حول الفساد- د. عبدالباقي مایی

 

تم ليلة أمس بث البرنامج المسجل فی تلفزيون وار “تڤن” تحت عنوان “فضائح الفساد” باللغة الكوردیة بإدارة ریبر كوردو، و ضيافة كل من المحامي د. محمد صالح ئامیدی، مؤلف كتابين حول الفساد أحدهما باللغة العربية والثاني باللغة الإنگلیزیة، والخبیر الإجتماعی فرحان جوهر، ماستر فی علم الأنتروپولوجی وعضو سابق فی البرلمان العراقي، كلاهما إعترضا علی تعریفی للفساد بمرض نفسیإجتماعی وأظهرا عدم قناعتهما بهذا الطرح. وجرى النقاش بيننا فی جو هادئ منظم تحت إدارة حكیمة واعیة و مطلعة حول الموضوع.

ما أود عرضه هنا أمام القارئ الكريم هو كیفیة تقدیم الضيفین لمصطلح الفساد، وذلك لكون الموضوع كان منحصرا حول أسئلة مدير البرنامج الذی قام بدوره علی أكمل وجه. وذلك بتحديد إطار وزمن كل ضیف للإجابة علی أسئلته و التعليق علی الأجوبة من قبل كل ضیف بصورة عادلة و كافية لكی تكون المحادثة متكاملة و المناقشة هادئة و الحوار بناء، بالرغم من عدم خلوه من النقد من جميع جوانبه الثلاث، القانونی والإجتماعي والنفسي، متمثلة باختصاص كل ضیف منا.

تبين منذ اللحظات الأولی من البرنامج بأن الجانب النفسی غريب للضیفین القانوني والإجتماعي لكونهما لم يسبق لهما أن مرت عليهما ظروف أو خبرة حول تعلق الفساد بمرض نفسی، بل بین كل منهما فی جوابه الأول علی سؤال مدير البرنامج هل تقبله بتسمية الفساد كمرض نفسیإجتماعی وذلك بعد أن تلقیت السؤال أولا وأجبت باقتضاب علی هذا السۆال: لماذا أضع صفة مرض نفسیإجتماعی معد علی الفساد. كان جوابی علی السؤال الأول لمدير البرنامج مایلی: أضع صفة المرض النفسیإجتماعی المعد علی ظاهرة الفساد فی مجتمعنا لكون الفساد أصبح سائدا فی جميع مفاصل الأجهزة الإداریة والسیاسیة فی مجتمع الأقلیم دون أن يكون لدينا إثبات علمي أو دراسة مستفيضة حول الموضوع، بل تبدو كأن أغلبية سكان الأقلیم مصابون بهذا المرض الهدام بصورة أو بأخرى. فكان تعليق كل من الضیفین القانوني والسیاسی برفضهما المطلق لقبول وصف الفساد بمرض نفسیإجتماعی لكی لا نوفر للمفسد فرصة الدفاع عن نفسه بحجة المرض، وأیدهما فی ذلك مدیر البرنامج قائلا بأن وصف الفاسد بالمرض النفسی يجعلنا جميعا نشفق عليه. فیستغل الفاسد ذلك للهروب من القصاص العادل وفق مایحاسبه القانون علی اقترافه لجریمة الفساد. وبعد أن أثنينا جميعا علی وجهة النظر القانونية بإعتبار الفساد جریمة یحاسب عليها القانون تأكد الجميع بأن صفة المرض لا یبرئ المفسد من اقترافه للجریمة بأی شكل من الأشكال، بل یصبح البحث عن تشخيص مرض الفساد مقدمة جيدة للقاضي أن يتأكد من هذا التشخیص قبل البدء بمراسیم الدعوة القضائية. فإذا صرح تقرير من كادر فی الصحة النفسية بوجود هذا المرض لدی المتهم بالفساد، یصبح من واجب المحكمة أن تحیل المتهم إلی العلاج اللازم وفق تعليمات تقرير الكادر المختص بالصحة النفسية اللذي يقرر أیضا عندما یصبح المريض مهیئا للمرور بمراسيم الدعوی القضائية لكی یصل المذنب إلی عقابه العادل.

وفرت المناقشة الهادئة بین ضيوف البرنامج، وبمساعدة نادرة المثال من مدير البرنامج، بحیث أصبح واضحا للجميع بأن صفة المرض لن تكون حجة لتبرئة المفسد، بل علی العكس من ذلك يساعد تقییم الإخصائي فی الصحة النفسية بأن یدعم قرار المحكمة باستعداد المتهم لتحمل العواقب عندما یصرح تقریر الإخصائي فی الصحة النفسية بتهيئة المتهم صحيا للإجراءات القانونية الملائمة ضده وفق القانون. وكذلك یستفید الشخص المتهم، وجميع الجهات أصحاب العلاقة، بالإطلاع علی معلومات حول هذا المرض الجديد من نوعه والمسبب عادة لمخاطر جمة یسببها المرض للمتهم من ناحية و المجتمع بأكمله من ناحية أخری. فليس للتشخيص ضرر لا علی الشخص المعني ولا علی المجتمع، ناهيك عن استفادة المحكمة من إجراء عملية التقییم النفسی ومعالجة المريض فی حالة إثپات التشخيص، أو تسهيل عملية الوقاية من المرض فی حال عدم تأكید التشخيص.

لم يتوفر وقت كاف لشرح أسباب المرض النفسیإجتماعی إلا ذكر العناوين علی أمل أن یتم توفير شرح كامل فی فرص أخری. وهذه الأسباب تتلخص فی: ١- التحول السريع فی المجتمع الجماعي المغلق فی كوردستان إلی مجتمع فرادی متفتح، وما یتبعه من غياب التسیق بین التطور المادي والمعنوي لدی الفرد والمجتمع. ٢- ضعف شخصية الفرد نتيجة تربیته علی الخائات الثلاث (الخوف والخجل والخطیئة). ٣- بقاء القیم القديمة لدی الفرد وعدم صلاحيتها فی عملية التحول المادى السريع بغياب قیم جديدة تلائم المجتمع الجدید. كما أن المعالجة تركزت فی حوارنا حول الوسائل القانونية والتوعية الإجتماعية بينما تربية الطفل وفق أسس علمية جديدة من أجل تكوین شخصية سليمة للفرد فی كوردستان كما نفعل حالیا فی بیت متین الصحی “ساخله‌مخانا مه‌تین” لم يتوفر لها وقت مناسب فی مناقشتنا.

بعد أن توفرت معلومات كافية حول وضع صفة المرض النفسیإجتماعی علی المتهم بالفساد قبل تقديمه للعدالة أصبحت فوائد تقییم إحتمالية إصابة المتهم بهذا المرض المعد كثیرة لیس للمتهم فحسب بل للمحكمة والمجتمع بصورة عامة. فأصبحت المناقشة تتحول فی النهاية إلی ذكر الجانب النفسی فی وجهة نظر القانون أیضا، وكذلك فيما یتعلق بالوعي الإجتماعی، وذلك بصفته المعنوی كسبب من أسباب الفساد من وجهة نظر القانون، ومن الزاوية الوقائية فی التوعية الإجماعية من جهة أخری.

 

٦\١٠\٢٠٢٥