بدل أن تكون هيئة تحرير الشام جارة لتركيا فليكن الكورد هم الجيران / د.سوزان ئاميدي

 

في يوم السبت، 11 تشرين الأول 2025، وخلال مناسبة عُقدت في محافظة ماردين، أدلى السياسي الكردي المخضرم أحمد تُرك بتصريح لافت قال فيه: “بدلاً من أن تكون هيئة تحرير الشام جارة لتركيا، فليكن الكورد هم الجيران، فهل ستقوم القيامة ؟ “، وهو تصريح يتجاوز حدود اللحظة ليقدّم رؤية عميقة لمعادلة الأمن والجوار في تركيا والمنطقة. فالكلمات التي نطق بها تُرك لا تُعبّر عن موقف عابر بقدر ما تعكس إدراكاً سياسياً لتوازنات مضطربة بين تركيا وجوارها الكردي، وخاصة في شمال سوريا (روج آڤا). الرجل، بخبرته الطويلة واعتداله المعروف، أراد أن يذكّر أن الاستقرار لا يُصنع بتحالفات آنية مع جماعات مسلّحة، بل ببناء ثقة مع الشعوب المتجذّرة في الجغرافيا. وهنا تكمن رمزية قوله “فهل ستقوم القيامة؟” إذ يسخر بمرارة من ذهنية تعتبر أي تقارب مع الكورد تهديداً لوحدة الدولة، بينما تبرّر التحالف مع فصائل مسلّحة عابرة للحدود.
حديث أحمد تُرك جاء في سياق تعاطيه مع أوضاع كورد سوريا – روج آڤا، الذين يمثلون تجربة إدارة ذاتية قائمة منذ سنوات في شمال وشرق سوريا، وهي تجربة تنظر إليها أنقرة بعين الشك والعداء نظراً لارتباطها السياسي والعسكري بحزب العمال الكردستاني. لكن تُرك، وهو أحد الأصوات الأكثر اتزاناً في السياسة الكردية التركية، يدعو هنا إلى مقاربة واقعية ترى في روج آڤا جاراً طبيعياً يمكن أن يكون عامل استقرار لا مصدر تهديد. فبدلاً من أن تزرع تركيا حدودها بجماعات متشددة، يمكنها أن تبني سياسة جوار قائمة على التفاهم مع المكوّن الكردي الذي يشكل الامتداد التاريخي والاجتماعي الأوثق مع جنوبها.
بهذا المعنى، لا يوجّه أحمد تُرك خطابه إلى أنقرة فحسب، بل إلى الرأي العام التركي والكردي معاً، داعياً إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني على أسس سياسية وإنسانية لا عسكرية. فاستبدال “جوار الشعوب” بجوار الميليشيات كان خطأً إستراتيجياً كلّف تركيا والعالم أثماناً باهظة. إن جوهر دعوته هو أن الأمن لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى على التفاهم والمصالح المشتركة، وأن كورد روج آڤا ليسوا خصوماً طبيعيين بل شركاء في الجغرافيا والتاريخ والمصير.
أهمية التصريح لا تكمن فقط في مضمونه، بل في مصدره. فأحمد تُرك، ابن ماردين المولود عام 1942، من أبرز السياسيين الكرد الذين نادوا بالحوار والحلّ السلمي داخل تركيا منذ سبعينات القرن الماضي. شغل مناصب برلمانية عديدة، وواجه الاعتقال والإقصاء بسبب مواقفه، لكنه بقي صوتاً ثابتاً يدعو إلى الحقوق الثقافية والسياسية للكورد في إطار الدولة التركية. حين يصدر عنه مثل هذا الكلام، فهو لا يمثّل موقف حزب أو تيار، بل يعبّر عن خبرة تاريخية ترى أبعد من حدود الصراع اللحظي.
إنّ جوهر الرسالة التي أراد أحمد تُرك إيصالها هو أنّ تركيا لن تنعم بالاستقرار طالما استمرت في اعتبار الكورد تهديداً بدلاً من أن تراهم جسراً نحو سلام دائم. فالتعامل مع الجوار بمنطق الخوف يولّد عزلة، أما التعامل بمنطق الشراكة فيخلق توازناً واستقراراً. إنّ دعوته لأن يكون الكورد جيران تركيا بدلاً من الجماعات المسلحة ليست فقط اقتراحاً سياسياً، بل تصحيحٌ أخلاقي واستراتيجي لمفهوم الأمن الإقليمي بأكمله .