أسعد الله أوقاتكم بكل ما تبقّى من خير في هذا الشرق المنكوب بالتجارب المؤقّتة التي تُعمَّر أكثر من الدائم نفسه .
ها هو الرئيس السوري المؤقّت يطلّ من بوابة البيت الأبيض بعد أن دخل خلسةً من بابها الخلفي ، في لقاءٍ وُصف بالتاريخي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب .
وما إن خرج فخامته حتى دوّت الزغاريد وتعالت التكبيرات ، وأدمعت المُقل ، وكأنّ إعمار سوريا اكتمل في ثلاثين دقيقة من محادثةٍ مغلقة !
الصور تقول كل شيء : ترامب يجلس متعاليًا على كرسيه في المكتب البيضاوي ، والجولاني في مواجهته بابتسامةٍ عريضةٍ وربطةِ عنقٍ متقنة ، وإلى جانبه الشيباني مفعمٌ بالنشوة ، فيما تُدوّي الطبول خارج القاعة معلنةً الفتح الدبلوماسي المبين .
الإعلام الرسمي كعادته وجد في الحدث ما يكفي لإطلاق المديح ؛
فقارن بين اللقاء وحرب تشرين التحريرية ، بل أعلن أن العلاقات السورية الأمريكية دخلت عصرها الذهبي !
لكن السوري الذي لا يزال يبحث عن ربطة خبزٍ أو دواءٍ أو خيمةٍ تقي عائلته البرد ، لم يرَ في المشهد سوى إعادة تدويرٍ لوجوهٍ جُرّبت حتى الإنهاك .
هل غيّرت المصافحة واقع السوريين ؟
هل ألغت ابتسامات الجولاني ذاكرة المقابر وصدى الرصاص ؟
والأهم : هل يُشفى الجرح السوري بالمصافحات أم بالمحاسبات ؟
علّمتنا التجربة أن البيت الأبيض لا يفتح أبوابه حبًّا ، بل مصالحَ ، كما هو حال كل الدول التي تبحث عن مصالحها .
فهو بيتٌ يُقاس فيه كل ضيف بمسطرة الخرائط ، لا بموازين القيم .
أما الجولاني ، فلم يذهب ممثلًا للشعب ، بل ممثلاً لنفسه ولمن أوصلوه الى العنوان الخطأ من الخريطة ، او لمصالح دولية بورك بالصمت .
تبدّل المسرح وتغيّرت الأزياء ، لكن النصّ ثابتٌ لا يتبدّل :
سوريا تحت الوصاية ، والشعب تحت الصبر .
أما الإعلام ، فلم يقصّر في أداء واجبه ؛
راح المحلّلون يغوصون في بحر الخيال ، يحدّثوننا عن انفتاحٍ سياسيٍّ غير مسبوق ، وعن صفحةٍ جديدة في العلاقات الدولية ، حتى خُيّل إلينا أن واشنطن تستعد لإدراج سوريا في الاتحاد الأوروبي !
لكن السؤال البسيط بين الناس ما زال بلا جواب :
هل تغيّر الداخل ؟
هل فتحت السلطة المؤقتة أبوابها للشعب قبل أن تفتح حقيبتها في البيت الأبيض ؟
هل تحرّر المواطن من خوفه وجوعه وصمته ؟
أم أنّ الداخل ما زال كما هو :
من برّا تبرّج ، ومن جوّا بتفّلج .
يحدّثونك عن دولةٍ مدنية ، فيما الرايات السوداء ما زالت تُرفرف فوق الأبراج .
ويُغرقونك بصور المسؤولين وهم يسدّدون الكرات في ملاعب الإسمنت ، وكأنّ سوريا دخلت عصر النهضة من بوابة كرة السلة !
لكننا لا نحتاج إلى تسديدات الجولاني ،
بل إلى إصابةٍ في مرمى الحقيقة :
دولة قانون … لا دولة ألوان .
العالم يعرف تمامًا من هو الجولاني ، ومن يقف خلفه ؛ لكن المصالح وحدها تصنع الحلفاء ، والسكوت وحده يبرّر الجرائم .
أما السوري العادي فما زال يتفرّج من نافذة الخبز والمازوت ، يبتسم بمرارة ويقول :
عاد اسم سوريا إلى الواجهة !
لكن أي واجهة ؟
واجهة التلفزيون … أم واجهة الخراب ؟
سوريا لا تحتاج إلى رئيسٍ مؤقّت جديدة،
بل إلى ضميرٍ دائم .
إلى من يؤمن أن المصافحة لا تبني الأوطان ،
وأنّ صورةً في البيت الأبيض لا توازي دمعة أمّ في البيت السوري … ودمتم سالمين آمنين .

