الشعور بالنقص فی كوردستان- د. عبدالباقي مایی

 

١٣\١١\٢٠٢٥

 

الشعور بالنقص عبارة عن تقییم سلبي للذات ناتج عن عقدة نفسية لدی الفرد تتكون منذ الطفولة نتيجة تربية الطفل علی مقارنة ما يملكه فعلاً و ما ينبغي أن يملكه مقارنة بالآخرين. فیلجأ الفرد إلی مراقبة الآخرين و محاولة تقليدهم دون أن ينجح فی ذلك. فهو ليس مجرد ضعف في الثقة بالنفس، بل إحساس وجودي بالعجز أو القصور أو الدونية في جانب ما — المظهر، الذكاء، المكانة، أو حتى القيمة الإنسانية.

 

تم تفسیر هذه العقدة النفسية المضرة للفرد و المجتمع علی أنها تنتج من صراعات نفسية لاواعیة بين الرغبات و الضمير أو المعايير (سیگموند فرويد ١٨٥٦ – ١٩٣٩)، أو بكونها قوة نفسية تدفع الفرد لتجاوز نقصه و تحقيق التفوق الذاتي فيصاب بالإنتكاس و خيبة الأمل (الفرد أدلر ١٨٧٠ – ١٩٣٧). و فی جميع الأحوال فإن الشعور بالنقص صفة هدامة للفرد و المجتمع تجعله يشعر بأنه أقل شأنًا أو قيمة أو قدرة من الناس الآخرين حوله، سواء من الناحية الجسدية أو الاجتماعية أو النفسية أو الفكرية.

 

أسباب الشعور بالنقص قد تشمل:

  • تربية الطفل علی الخائات الثلاث (الخوف والخجل والخطیئة).
  • تجارب الطفولة مثل الإهمال أو المقارنة الدائمة بالآخرين.
  • الفشل المتكرر أو النقد المستمر من البيئة المحيطة.
  • معايير اجتماعية أو جمالية صارمة تجعل الشخص يشعر بعدم المواكبة.
  • ضعف الثقة بالنفس أو تقدير الذات.

فی المجتمعات التي تقوم على المقارنة المستمرة و التقليد، كما هو الحال فی كوردستان، يزداد شعور الفرد بالنقص لأن القيمة هنا تُقاس بالمظاهر لا بالجوهر. كما أن الإستعمار الثقافي و الإعلام العالمي يخلقان مقاييس تجعل الأفراد في الثقافات الأخرى يشعرون بأنهم أقل شأنًا. و هذا ما یعانی منه المجتمع فی كوردستان حیث التعرض للثقافات الطاغیة فی المجتمع تتكون من مجموعة من الثقافات الغريبة علی المجتمع بلغتها و عاداتها و تقاليدها، بالإضافة إلی كونها عدائية متسلطة نتيجة الإحتلال و الإستبداد و الإضطهاد. و قد يشعر الفرد بالنقص بسبب الفقر، الأصل الإجتماعي، اللغة، أو اللهجة، و هي عوامل تخلق طبقات نفسية غير مرئية فی المجتمع لا یشعر الفرد بها إلا بعد أن يستلم  تعليما خارجيا يبعث علی الوعي و الإدراك فی معرفة الذات و كیفیة تكوين الشخصية.

و عندما ینتشر الشعور بالنقص لدی أفراد المجتمع تصبح الأغلبية من الناس فی حالة من التحليل و التعبير و الشرح و التفسير تنطلق من معرفة الفرد بالآخرين أكثر من معرفته بذاته، فيكون إدراك الفرد بقيمته ضعیفا، و تقییمه ناقصا لما یتحلی به من قوة و براعة و إمكانیات تۆهله لإدارة نفسه و تجعله فخورا بما أۆتی به من الإكتفاء الذاتی، فیلجأ الفرد إلی مراقبة ما هو أعلى منه موقعا، و أقوى منه سلطة أو نفوذا”، و أكثر منه ذكاء” أو جمالا”. نتيجة لذلك یلجأ الفرد إلی رۆیة و ملاحظة و دراسة و تحليل الآخرين أكثر من الإهتمام بنفسه، فیمیل إلی ذكر و تعظیم و تضخيم و تمجيد و تقدیس الآخرين بدلا من الإعجاب بنفسه و ما لديه، فیلجأ الفرد إلی محاولة تقليد الآخرين بدلا من الإكتفاء بما هو عليه، و یصبح إتكالیا بدلا من الإعتماد علی نفسه. فیتعلم لغة الآخرين بدلا من لغة الأم، و یلبس لباسهم بدلا من لباسه الشعبي الأصيل، و یتخذ من عاداتهم و تقاليدهم و قيمهم قدوة له یسعی إلی تبنیها بدلا من الفخر و الإعتزاز بعاداته و تقالیده و قیمه الأصیلة.

معظم التحليلات السیاسیة التی نراها و نسمعها فی قنوات التلفزة، أو نقرأها علی صفحات التواصل الإجتماعي، تراها تبحث بنظرة فوقية ما یحدث حوله من تطورات سیاسیة عالمية أو أقلیمیة عندما يتعلق الأمر به و بمجتمعه دون أن يذكر ذاته أو مجتمعه الذی یعیش فیه فاعلا فیه و ليس فقط مفعولا به. هنالك دائما إتصالات تجري بین الدول و تحصل زيارات دبلوماسية و تنشر وكالات الأنباء تلك الأخبار التی تروق لها و تخدم مصالحها و هی لا تذكر الكورد و لا كوردستان فی تلك الأخبار و التقارير و الإتصالات التی هی فی حقیقتها تجری و تتعامل و تتفق علی أمور تتعلق بالكورد و كوردستان و لكنها تخفي ذلك لأنها إما تخص أمورا ليست فی صالح الشعب الكوردی أو لأنها تبيع وتشتري بممتلكات الكورد وكوردستان كيفما تشاء بغياب الكورد عن تلك المباحثات و الاتفاقات، فهی مخفية علی الكورد ما دام الكورد لا يطالب بحضورها ليدافع عن نفسه فلا يهتم بنفسه بل يعتمد علی ما يقال عنه أو یدعی بإسم الكورد دون أن يكون فی مصلحته. فكل ما یحاك خلف الكواليس سرا” وخفاء” هو إما تآمر یضمن الشر و الضرر أو عمل مخالف للقوانين و الأخلاق. وهكذا یلعب بنا الأعداء و یقلل من شأننا الأصدقاء، عندما يرونا سیاسیین و قيادات، أفرادا و جماعات، تكتفي بذكر إسمهم و لا تقبل بحضورهم كأصحاب حق فی المباحثات والاتفاقات. فالشعور بالنقص و الدونية  تطغى علی سلوكنا كأفراد و شعوب تعيش تحت الإحتلال والإضطهاد.

و من جهة أخری لدينا من خبرة فی الإكتفاء الذاتي، و أرض خصبة تكفينا من الإنتاج المحلی، و مياه غزیرة تنبع من جبالنا وتسير فی ودیاننا لتملأ الأنهار و البحيرات، و قد ترعرع فينا علماء و خبراء  فی جميع الاختصاصات، و تكونت قوات و طاقات متعددة الأصناف و المعدات. و یتوفر فينا بحكم التعددية أنواع من المناهج و البرامج و اللغات لديها الكثير من النماذج و الإمكانیات. فماذا بنا لا نعلن إعتزازنا بنموذج روژئاڤا اللذي لا یزال يتقدم یوما بعد یوم لیثبت أنه الأصلح فی التصادم بین فلسفة المقاومة السلمية و الفلسفة الفاشیة فی تركيا التی كانت و لاتزال ترید أن تشرب دماء الكورد و لكنها توقفت عن تهدیداتها لروژئاڤا بعد المقاومة السلمیة الجماهیریة الباسلة فی “سد تشرین”. و ما یجری الآن مع الحكومة المۆقتة فی دمشق أكبر دلیل علی قوة و مهارة الإدارة الذاتية فی روژئاڤا التی كانت ولاتزال تتخذ المقاومة السلمیة أساسا للنضال رغم أنف النظام الفاشی فی تركیا، و مرتزقاته فی سوریا، و عبد النقود ترمپ فی أمریكا، و من یدعی بإدارة الحكومة المۆقتة فی دمشق. فلنعتز بما لدينا و لنترك الأعداء فی غیهم يعمهون.