تُعد اليابان من الدول الآسيوية القليلة التي استطاعت أن تنتقل من العزلة والإقطاع إلى الحداثة والانفتاح على العالم الخارجي، وأن تنافس القوى الغربية في مختلف المجالات، وذلك بعد ثورة المايجي إيشين² عام ١٨٦٨ التي أطاحت بنظام الشوغونية³ الإقطاعية، ومهدت الطريق لقيام دولة عصرية قوية.
لقد شكلت هذه الثورة نقطة التحول الكبرى في تاريخ اليابان، إذ نقلتها من مجتمع زراعي محافظ قائم على العلاقات الإقطاعية إلى دولة صناعية حديثة، دون أن تتعرض لغزو خارجي أو استعمار مباشر، أي أن التحول كان ذاتيا داخليا بخلاف ما حدث في الصين مثلا. وفي النصف الأول من القرن العشرين، أصبحت اليابان قوة عسكرية كبرى، ثم بعد الحرب العالمية الثانية تحولت إلى قوة اقتصادية عظمى تنافس الدول الصناعية الكبرى في العالم. كانت ثورة المايجي في جوهرها حركة إصلاحية ضد الإقطاعية التي سادت في ظل حكم الشوغونية لأكثر من قرنين ونصف، وقادها عدد من الساموراي الإصلاحيين من مقاطعتي ساتسوما وتشوشو بالتعاون مع الإمبراطور الشاب مايجي، وكان هدفهم إنهاء نظام الشوغون الإقطاعي وبناء دولة مركزية حديثة قادرة على مواجهة التحديات الخارجية.
ورغم أن قادة الثورة انحدروا من طبقة الساموراي ذاتها، فإنها كانت في حقيقتها ثورة من داخل الطبقة القديمة لتفكيكها؛ فقد ألغت الحكومة الجديدة النظام الإقطاعي (الهان)، وأنهت امتيازات الساموراي التقليديين، وأنشأت جيشا وطنيا يعتمد على التجنيد العام بدل الولاء الإقطاعي. وبعد نجاح الثورة، أطلقت حكومة المايجي سلسلة واسعة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، تمثلت في تحديث الإدارة، وإقامة نظام تعليمي وطني شامل، وتطوير البنية التحتية، وتشجيع التصنيع، وإرسال البعثات الطلابية إلى أوروبا وأمريكا للاطلاع على التقدم العلمي والتقني هناك. كما تبنت الدولة مبدأ «واكون يوساي⁴» أي الحفاظ على الروح اليابانية مع تبني العلوم والتقنيات الغربية، وهو المبدأ الذي مكن اليابان من تحقيق التحديث دون أن تفقد هويتها الثقافية أو تراثها القومي. لكن لم يكن التحول الياباني نتيجة داخلية فقط، بل ساهمت عوامل خارجية عديدة في تسريع مسار الانفتاح والنهضة، من أبرزها:
١- الدمار الذي لحق بالصين المنغلقة على نفسها في القرن التاسع عشر، خصوصا في حربي الأفيون الأولى والثانية، والتعويضات الباهظة التي دفعتها لبريطانيا بعد هزيمتها. لقد شكلت هذه الأحداث جرس إنذار لليابان، إذ أدركت النخبة الحاكمة أن الانغلاق أمام العالم سيؤدي بها إلى المصير نفسه، فقررت التحديث والانفتاح لتجنب الوقوع في التبعية أو الاستعمار.
٢- من حسن حظ اليابان أن القوى الغربية في منتصف وأواخر القرن التاسع عشر كانت تركز جهودها الاستعمارية على الهند، وإندونيسيا، والهند الصينية، والصين، بينما كانت اليابان تعد بلدا ذا موارد محدودة وسوق صغيرة. فعلى سبيل المثال، كانت الولايات المتحدة التي أجبرت اليابان على فتح موانئها عام ١٨٥٣ تتخذ منها محطة للتزود بالوقود في طريقها إلى الصين، ولم تكن تهتم كثيرا بالتجارة معها، مما منح اليابان فرصة نادرة لتحديث نفسها بعيدا عن الاحتلال المباشر.
٣- كما أن الموقع الجغرافي النائي لليابان، المحاط بالمياه من جميع الجهات، وفر لها حماية طبيعية من الغزو الخارجي، وساعدها بعد الثورة على الحفاظ على نوع من العزلة النسبية التي مكنتها من تنفيذ إصلاحاتها الداخلية بسلام واستقرار.
ثم بعد الحرب العالمية الثانية، تخلت اليابان عن طموحاتها العسكرية واتجهت نحو الاقتصاد والإنتاج والصناعة، لتصبح قوة اقتصادية عظمى ومن أبرز دول العالم المتقدمة. وهكذا أثبتت تجربة المايجي أن التحديث لا يعني التغريب، بل يمكن تحقيق النهضة عبر المزاوجة بين الهوية الوطنية والانفتاح الواعي على العالم. لقد كانت ثورة المايجي نموذجا فريدا للتحول السلمي المنظم، إذ جمعت بين روح اليابان التقليدية وأفكار العصر الحديث، لتصنع تجربة تنموية لا تزال تدرس حتى اليوم بوصفها من أنجح تجارب التحديث في التاريخ الحديث.
______________________
¹ تحرير ناغاي ميتشيو وميغال أوروتشيا. وترجمة نديم عبده وفواز خوري.
² كلمة «مايجي» هي اسم الإمبراطور الذي تمت النهضة في عهده وباسمه، أما «إيشين» فـ«إي» تعني إعادة التجميع، و«شين» تعني البدء والانطلاق من اتجاه جديد كليا.
³ الشوغونية: نظام حكم عسكري إقطاعي ساد في اليابان من القرن الثاني عشر حتى عام 1868، والكلمة مشتقة من «شوغون» أي القائد العسكري الأعلى.
⁴ واكون يوساي: مبدأ ياباني نهضوي يعني الروح اليابانية مع المهارة الغربية، ويعبر عن فلسفة التوفيق بين الأصالة والانفتاح العلمي.

