أصبحت المهاترات والردود الانفعالية واللغة غير اللائقة على شاشات القنوات الفضائية ظاهرة تتكرر بشكل يدعو للقلق، خصوصاً عند تناول القضايا المتعلقة بسوريا والقضية الكردية. فبدل أن تكون المنابر الإعلامية مساحة لعرض الأفكار، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات للصراع الشخصي، الأمر الذي يضعف قيمة النقاش ويشوه صورة القضية التي يفترض الدفاع عنها. إنّ الانخراط في هذه المشادات لا يقدم أي فائدة حقيقية، بل يخلق انطباعاً سلبياً لدى الجمهور، ويمنح خصوم الكرد مادة جاهزة للتشويه، ويختصر قضية شعب في لحظات توتر وانفعال لا تعكس لا حجمها ولا عدالتها.
يتحمّل المحللون والضيوف الكرد في البرامج السياسية مسؤولية مضاعفة، لأن ظهورهم لا يمثل آراء شخصية فحسب، بل يعكس جزءاً من خطاب أمة تسعى لانتزاع حقوقها. لذلك فإن التعامل مع الاستفزازات يتطلب قدراً كبيراً من الانضباط والهدوء والابتعاد التام عن اللغة الهجومية. فالرد الرصين واستخدام الحقائق بدلاً من الانفعال يحول الاستفزاز إلى فرصة لتوضيح الموقف الكردي بشكل أفضل. أما الوقوع في الفخ الإعلامي، فيجعل الضيف يخسر المضمون والرسالة معاً ويظهر بمظهر المنفعل غير القادر على إدارة نقاش حضاري.
القضية الكردية في سوريا، كما في باقي أجزاء كردستان، ليست قضية محصورة بالكرد وحدهم، بل جزء من مشهد سياسي واجتماعي معقد تشترك فيه مكونات متعددة. ولهذا فإن الحوار هو المدخل الوحيد لأي حل مستقبلي. فالتفاهم مع المكونات ليس خياراً عاماً أو شعاراً سياسياً، بل ضرورة استراتيجية تمنع الاحتقان وتغلق الطريق أمام القوى التي تتربص بالمنطقة وتبحث عن ثغرات لإشعال الانقسام. إن التقارب بين المكونات يخلق أرضية مشتركة لصياغة حلول واقعية، بينما يؤدي غياب الحوار إلى دفع الجميع نحو صراعات لا يستفيد منها سوى القوى الإقليمية المتدخلة.
ويبرز جانب آخر لا يمكن تجاهله، وهو أن بعض من يظهرون على هذه القنوات لا يبحثون عن النقاش الجاد بقدر ما يسعون إلى الشهرة والظهور، ولو على حساب مصداقيتهم أو على حساب تطلعات شعوب المنطقة نفسها، وهؤلاء قد يكونون أدوات سهلة التوظيف من قبل جهات إقليمية تعمل على إثارة النعرات، ويوجد بينهم من كل المكونات. لكن كرديا، يمكن القول أن هذه الجهات الإقليمية تستغل بعض الشخصيات بشكل واضح وتطلق عليهم ألقاب وصفات مثل رئيس الرابطة الفلانية ومدير منظمة بلا قيود وبلا مبادىء، والبعض منهم مشكوك حتى في كرديته، لإضعاف الخطاب الكردي وتشويه صورته، فتضخّم أصواتهم وتدفعهم نحو مزيد من الصدام بهدف إظهار الكرد كطرف منقسم وغير قادر على إدارة نقاش مسؤول.
القضية الكردية، بما تحمله من عمق تاريخي وسياسي وإنساني، أكبر بكثير من أن تختصر في جدالات تلفزيونية سطحية. وهي بحاجة اليوم إلى صوت هادئ وواثق، وإلى خطاب يستند إلى المعرفة والحوار، لا إلى الانفعال والردود اللحظية. فالمستقبل يصنعه القادرون على الصبر وبناء الجسور، لا الباحثون عن ضوء الكاميرا أو لحظة شهرة عابرة. وفي ظل الظروف السورية الراهنة وتعقيدات الصراع الإقليمي، يصبح الحفاظ على خطاب مسؤول ومتوازن ضرورة لا يمكن التفريط بها لحماية حقوق الشعب الكردي ومكاسبه السياسية.

