الدكتور جوتيار تمر : جمهورية العشيرة ‎

 

اقليم كوردستان 1-12-2025

حين تتخلى الدولة عن منطق المؤسسات وتسمح للعشيرة بأن تكون إطارا ناظما للسلطة، فإنها تفقد تعريفها الأول بوصفها كيانا يقوم على القانون والشرعية الوطنية؛ إذ يتحول الحكم حين يمارس باسم الأسرة الحاكمة أو التحالفات العشائرية إلى نموذج بدائي لا يستند إلى الكفاءة أو المشاركة، بل إلى روابط الدم والولاء، مما يجعل القرار السياسي حكرا على مجموعة ضيقة ترى السلطة إرثا لا مسؤولية.
يصبح الانتماء الوطني ثانويا مقارنة بالانتماء العشائري، ويتراجع مفهوم الدولة لصالح ما يشبه “العشيرة الكبرى” التي تتصرف في المجال العام بمنطق الامتياز لا الواجب، فينعكس ذلك على سلوك السلطة التي تستبدل الحوار بالتعنت والانغلاق؛ فتقصى القوى السياسية الأخرى لا لاختلافها، بل لأنها لا تنتمي إلى “الدم الصحيح”، فتتحول الملفات الوطنية إلى ساحات صراع لا إلى ميادين صناعة قرار، ويسود الانسداد السياسي وتغيب المقاربات المؤسسية.
يمتد الخلل إلى العملية التشريعية، إذ يتحول البرلمان إلى مجلس تمثيل قبلي حين يبنى الترشح على الانتماء العشائري، فيفقد وظيفته الرقابية والتشريعية، ويصبح المقعد امتيازا عشائريا تمنحه الولاءات لا الكفاء؛ . تشتد المنافسة داخل العشيرة نفسها، ويترسخ منطق القوة على حساب القانون، وتغيب القدرة على إنتاج تشريعات عادلة ما دام النائب خاضعا لشبكة ولاءات تمنعه من الاستقلالية.
تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في العراق، حيث تحول التنافس الانتخابي في العديد من الدوائر إلى صراع داخل البنية العشائرية نفسها؛ ففي بعض المحافظات العراقية واقليم كوردستان، تحسم نتائج المقاعد قبل يوم الاقتراع عبر اتفاقات عشائرية مسبقة تحدد -مرشح العشيرة-، فيمنح المقعد تلقائيا لمن يحظى بدعم الشيخ أو النخبة العائلية بغض النظر عن كفاءته أو برنامجه السياسي؛ وتظهر الصورة ذاتها في بعض مناطق إقليم كوردستان، حيث تتحول الدائرة الانتخابية إلى امتداد طبيعي لنفوذ العائلة أو العشيرة، وينظر إلى المقعد البرلماني بوصفه -حصة اجتماعية- لا مسؤولية تشريعية.
في حالات أخرى، تندلع صراعات داخل العشيرة الواحدة عند تعدد المرشحين، فتضغط كل فئة من العائلة لكسب المقعد بوصفه رمزا للهيبة والنفوذ، لا بوصفه موقعا للخدمة العامة. وقد شهدت عدة دوائر انتخابية في العراق تنافسا عشائريا محضا، حيث يتبادل أفراد العشيرة الاتهامات والتهديدات ويستخدمون السلاح أحيانا لحسم (التمثيل)، مما يفقد العملية الانتخابية جوهرها الديمقراطي ويحيل البرلمان إلى مساحة تعكس موازين القوة العشائرية بدل الإرادة الشعبية.
يشرعن الانفلات العشائري كجزء من -سنة الحكم-، ويتمدد نفوذ الجماعات المرتبطة بالعشيرة، وتتراجع هيبة الدولة، ويتطبع الفساد، وتغيب المساءلة في ظل العصبية، فتتصدع فكرة الدولة وتبرز وحدات عشائرية ككيانات داخل الكيان العام؛ وقد كشفت الأحداث الأخيرة في العراق وإقليم كوردستان هشاشة بنية الدولة أمام ضغط العشائر المسلحة؛ إذ استطاعت بعض العشائر فرض إرادتها بالقوة وتعطيل قرارات قضائية وحكومية، مما يدل على أن السلاح لم يعد أداة دفاع اجتماعي، بل تحول إلى وسيلة سياسية تستخدم لانتزاع الامتيازات؛ وتفقد الدولة قدرتها على السيطرة حين تكون مراكز القوة موزعة بين العشائر نفسها وبين القوى الحاكمة ذات الامتدادات القبلية، فيصبح القانون خيارا ثانويا، وتتحول الدولة إلى وسيط ضعيف بين قوى ما قبل الدولة.
الدولة التي تحكم بالعشيرة لا تنتج دولة، والسياسة القائمة على التعنت لا تنتج حلولا، والبرلمان القائم على الولاءات لا يصنع تشريعات وطنية؛ يتطلب الإصلاح إعادة الاعتبار للقانون بوصفه الرابط الأعلى، وضمان استقلالية المؤسسات، وتعديل قوانين الانتخابات لمنع الاحتكار العائلي للمقاعد، وتعزيز الهوية الوطنية المدنية على حساب الهويات الضيقة؛ فالدولة الحديثة لا تبنى بالدم، بل بالعقل؛ ولا تقاد بالعشيرة، بل بالمؤسسات؛ ولا تستند شرعيتها إلى الولاء الضيق، بل إلى العدالة التي تشمل الجميع بلا تمييز.

One Comment on “الدكتور جوتيار تمر : جمهورية العشيرة ‎”

  1. جميل ورائع ونادر جداً أن نرى مقالاً يُكتب بمنطق الحق والعدل بين الناس وليس بمنطق التملق والإنتماء أيا كان ……صحيح أن الكلام شيء والفعل شيء آخر ، ولكنه كلمة حق بوجه من ظلم وقسم الناس طبقات من الولاء ……رحم الله والديَّ الكاتب

Comments are closed.