وفاء طلاب العلم… حكاية فخر عابر للحدود- د. عبدالباقی مایی

 

 

١٤\١٢\٢٠٢٥

في ليلة داكنة ماطرة، باغتني ألمٌ حادّ لم يمهلني طويلاً. تمدّد في أحشائي كأنه اختبار صبر، وحرمني النوم حتى تجاوزت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، بينما كان الوجع يشتدّ مع كل دقيقة تمضي. كنت وحيدًا في البيت، فالتقطت مفاتيح السيارة ونزلت بهدوء كي لا أوقظ الجيران، وانطلقت مسرعًا نحو مستشفى الطوارئ في قلب مدينة دهوك، مسرعةً بي الحاجة ويداي تضمان بطني من شدّة الألم.

عند بوابة المستشفى سلّمت مفتاح السيارة إلى الحارس، طالبًا منه ركنها في مكان مناسب، وعرّفته بنفسي طبيبًا. ثم هرعت، منحنياً، أنادي العاملين في طريقي إلى غرفة العمليات ليحضروا الطبيب الخفر. دقائق الانتظار بدت ساعاتٍ ثقيلة، إلى أن حضر الطبيب المناوب، ألقى التحية بأدبٍ جمّ، ودعاني باسمي إلى نزع ملابسي والاستلقاء على منضدة الفحص. أثار دهشتي أن يناديني باسمي، فسألته عن معرفته بي. ابتسم وقال: «وهل في دهوك من لا يعرفك يا دكتور؟ ألست فلانًا؟» وذكر اسمي ولقبي واختصاصي. أقررت بصحة ما قال، واعتذرت لأننی لا أذكره. فأجاب بهدوء واحترام:

_ لا عليك أستاذی، فمن الطبیعی أن لا تذكر أسماء جميع طلابك، ولكنك تعرف (فلان) طالب المجستیر لديك، فهو يعتبرك نبیا” عندما یشید بمدحك وثنائك، وكل من يسمعه كیف یصف محاضراتك وأسلوبك فی التدريس لایمكنه إلا أن یصبح من المعجبين بك حتی وإن لم يحالفهم الحظ بالتعرف عليك.

بعد أن فحصنی وتأكد من تشخيص حالتی قال لی بأننی بحاجة إلی عملیة جراحیة طارئة، وطمأننی بأن لديه طاقم خاص فی بیته، وهو معقم جاهز، سیرسل الإسعاف لجلبه، حیث یطول الإنتظار لتعقيم جهاز المستشفى. جرت العملية بنجاح، فشكرته علی ذلك. خرجتُ بعدها قادرًا على قيادة سيارتي دون ألم يُذكر. عدت إلی البيت مرتاح الضمير والبال ولكن ملفوفا بضمادات ضرورية لتكفی فی الطریق إلی السويد. إتصلت بمساعدی فی فجر ذلك الیوم وطلبت منه أن یسوق سیارتی لیصلنی إلی مطار أربيل للسفر إلی السويد لتكملة العلاج.

فی حافلة المطار التي تنقل المسافرين من موقف السيارات إلی نقاط التفتيش قبل دخول الطائرة، وقفتُ متكئًا كي لا يلاحظ أحد آثار العملية، فشعرت بید من الخلف تربت بهدوء علی كتفی، وعندما أدرت برأسي رأیت وجها مبتسما لفتاة جميلة تسلم علی بذكر إسمی قائلة:

  • ألا تعرفني دكتور؟

فأجبتها بتعجب:

  • كلا، مع الأسف.
  • فذكرت إسمها وقالت:

أنا كنت طالبتك فی الصف السادس فی كلية الطب بجامعة دهوك.

فرحبت بها محاولا قدر الإمكان أن أخفی عليها حالتي حتى لا أقلقها. وسألتها عن سبب سفرها، وشجعتها علی الحدیث لتعبر عن حالها فی قصة أصبحت لي سلوانًا، وبالنسبة لها تنفيسًا عمّا أثقل صدرها بعد تخرجها من جامعة دهوك، قادها في النهاية إلى اللجوء السياسي في السويد، حيث تتابع الآن سنةً مكمّلة في كلية الطب بجامعة أوميو، سعيًا لنيل شهادة مزاولة المهنة فی السويد.

عندما وصلت بنا الطائرة إلی مطار ستوكهولم فی السويد استقللت سيارة أجرة إلى قسم الطوارئ في مستشفى أكاديميسكا التعليمي بجامعة أوبسالا، حيث أعمل طبيبًا وأستاذ ارتباط. ما إن اطّلع الطاقم على جراحي الملفوفة بضماداتٍ دامية من عملية دهوك، حتى أدخلوني فورًا إلى غرفة الطوارئ بانتظار الجراح المناوب فی مستشفى أكادیمیسكا فی مدينة أوپسلا  فی السويد. نظّفت الممرضة الجرح بسهولة، وأثنت على دقة العمل الجراحي. قلت لها، بفخرٍ لم أستطع إخفاءه، إن الجراح الذي أجرى العملية كان أحد طلابي في كلية الطب بجامعة دهوك. إبتسمت وكأنها لم تصدّق. لكن ما لبث أن دخل الجراح الخفر هنا أیضا مبتسما ومرحبا بی لیقول للجميع باعتزاز بأنه كان طالبًا لی فی كلية الطب فی جامعة أوبسالا، فغمرت البهجة وجوه الحاضرين، وقام الجراح الخفر هنا أیضا بتنفيذ واجبه بفخر واعتزاز، بينما كنت أنا أسعدهم وأكثرهم فخراً اعتزازًا: اعتزاز المعلم حين يرى علمه يسافر، وينمو، ويعود إليه إنسانًا قبل أن يكون مهنة.