هل ما یقترحه “الشرع” إندماج أم إنصهار و ذوبان؟- د. عبدالباقي مایی

 

قدم رئيس الحكومة الإنتقالية فی دمشق “أحمد الشرع” مؤخراً مسودة إقتراحات من خلال وزير الدفاع السوري إلی قوات سوریا الدیموقراطیة “قسد” یطلب منها دمج بعض وحداتها العسكرية في الجيش السوري الجديد حسب إتفاقية ١٠ آذار سنة ٢٠٢٥ . وما نشر الیوم فی قنوات التلفزة و علی صفحات التواصل الإجتماعي حول هذه الإقتراحات تشير إلی أنها تتبع نهجًا أمنيًّا ضيقًا يتجاهل الجوانب السياسية والإنسانية والثقافية، ويركّز فقط على إعادة السيطرة دون بناء توافق حقيقي.

وقد أتی رد قسد سريعا إلی الحكومة السورية بإقتراحات جديدة یوم أمس حسب تصریح وزير خارجية  سوریا فی المؤتمر الصحفي بعد إجتماعه مع وزیر خارجية تركيا و وزیری الدفاع والمخابرات من كلا الحكومتين السورية والتركية فی دمشق، حیث أضاف بأن حكومته تدرس حالیا رد قسد. ولكن بعد أقل من ساعة من المۆتمر الصحفي نشرت الأخبار علی قنوات التلفزيون المحلية والعالمية صور و مشاهد حیة من إشتباكات عسكریة بین قوات الأمن الداخلی فی حی “الأشرفیة” وحی “الشیخ مقصود” فی شمال مدينة حلب والقوات الحكومية التابعة للحكومة الإنتقالية التی تحاصر هذين الحیین منذ أسابیع، حیث تسكنها غالبية كوردیة معظمهم نازحون من مدينة عفرين بعد إحتلالها من قبل تركيا فی سنة ٢٠١٨ .

وقد نشر المرصد السوري لحقوق الإنسان الیوم خبرا علی موقع صوت كوردستان یفید بأن قسد رفضت هذا الإطار الأمني المفرط، وأكدت أنها مستعدة لدمج ثلاث فرق فقط إذا بقيت قيادتها تحت إشرافها العسكري، وطالبت بأن تمثل بنسبة 30% في هيئة الأركان العامة، ما يضمن لها استقلالية في اتخاذ القرارات المتعلقة بمقاتليها.

إن دل هذا علی شئ فأنه یدل علی إختلاف جوهري فی مفهوم الإندماج بین قسد و الحكومة الإنتقالية. لأن كلا الطرفین یۆیدان مصطلح الإندماج الذی ورد نصا فی إتفاقية آذار. والجهتان متفقتان علی الإندماج ولكن الإختلاف يكمن فی مفهوم الإندماج، فما هو التعريف الصحیح للإندماج؟

لقد أشرنا سابقاً في مقال آخر إلى ضرورة فهم مصطلح الإندماج  (Integration) بصورة صحيحة وذلك لكون المصطلح يفقد معناه العلمی المدرج فی علم الإجتماع إذا تم تسییسه إو إستعمل كيفما یكون دون تمییزه عن الإنفصال   (Separation) أو الذوبان  (Assimilation)  عندما یستعمل فی موقعه الصحیح فی علوم الإجتماع أو العلوم النفسیإجتماعیة.

التعريف الأكاديمي للإندماج (Social Integration):

يُعرَّف الإندماج في علم الاجتماع بأنه عملية ديناميكية متعددة الأبعاد يتم من خلالها تمكين الأفراد أو الجماعات، ولا سيما الفئات المهمّشة، من المشاركة الكاملة والمتكافئة في الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية للمجتمع، مع الاعتراف بالتنوع واحترام الاختلافات دون فرض الإنصهار أو الذوبان القسري (Assimilation) في الثقافة السائدة. ويشير الإندماج إلى درجة ترابط الأفراد داخل المجتمع ومدى شعورهم بالانتماء، والثقة المتبادلة، والقدرة على الوصول إلى الموارد والحقوق الاجتماعية.

في الأدبيات السوسيولوجية الكلاسيكية یربط ئیمیل دورخایم (Émile Durkheim, 1897) الإندماج بمستوى التماسك الاجتماعي، ويعرّفه من خلال: قوة الروابط الاجتماعية التي تجمع الأفراد بالمجتمع، والتي تساهم في الاستقرار الاجتماعي والحد من التفكك.

في السوسيولوجيا المعاصرة يرى علماء الاجتماع المعاصرون أن الإندماج:

  • ليس حالة ثابتة بل عملية مستمرة
  • يشمل أبعادًا بنيوية (العمل، التعليم) ورمزية (الاعتراف، الهوية)
  • يتطلب مسؤولية متبادلة بين الفرد والمجتمع.

المراجع:

  1. Durkheim, É. (1897). Suicide: A Study in Sociology. London: Routledge.
  2. Castel, R. (2000). The Roads to Disaffiliation: Insecure Work and Vulnerable Relationships. International Journal of Urban and Regional Research, 24(3), 519–535.
  3. Ager, A., & Strang, A. (2008). Understanding Integration: A Conceptual Framework. Journal of Refugee Studies, 21(2), 166–191.
  4. Penninx, R., Spencer, D., & Van Hear, N. (2008). Migration and Integration in Europe. IMISCOE Research.
  5. ٢٣\١٢\٢٠٢٥